أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / حكم حمدان… ثورة شعرية من داخل النسق – مخلص الصغير

حكم حمدان… ثورة شعرية من داخل النسق – مخلص الصغير

حكم حمدان… ثورة شعرية من داخل النسق

مخلص الصغير*

 

ليست القصيدة عند الشاعر المغربي حكم حمدان نظما وإنشادا، ولا حتى كتابة، بالمعنى النقدي المعاصر للكلمة، وإنما هي حالة يعيشها الشاعر ويحياها قبل كتابة القصيدة ذاتها. وعلى غرار غابرييل غارسيا ماركيز، أو “غابو”، الذي ألف كتابه الشهير عن هذه الحياة “نعيشها لنرويها”، فإن حكم حمدان إنما يعرف القصيدة بأنها تلك التي نعيشها لنكتبها أولا. فالشاعر هنا يعود بنا إلى مرحلة ما قبل الكتابة، أي تلك الحالة الشعورية العارمة التي تنتاب الشاعر وتستولي على وجدانه وكيانه، حالة المكابدة والمخاض الذي يسبق القصيدة. نقرأ في ديوان “غيوم… تقتفي أثر النهر” قوله:

هناك أكتب للطوفان

آخر ما في جعبتي

من قصيد

 مات في ورقي. ومن هناك

 أسر الآن معترفا

ما خنت شطك بل خانني غرقي”.

وفي هذا الديوان اختار الشاعر أن يسمي كل قصيدة “غيمة”، منذ القصيدة/ الغيمة الأولى، إلى الغيمة الثالثة والعشرين. في هذه الغيوم حيث يتجمع ماء الشعر قبل أن ينسكب على الصفحات قصائد شعرية حقيقية، مسبوقة بمعاناة ومكابدة، ومواجدة واحتراق. هكذا تنكتب القصيدة لتصبح وثيقة شعرية خالدة وشاهدة على تجربة الشاعر. نقرأ في ديوانه الآخر “ألم… يروي غابة شعر” لهذا الشاعر وهو يتساءل:

“متى ينتهي الشوق

 شوقي إليها

 لتبدأ أشواقنا الخالدة.

متيم قلب فرفقا بطفل

تبعثره رعشة زائدة”.  

وفي الديوانين معا، تستوقفنا نقط الحذف الثلاثة التي تستبق الكلام، وتعادل الصمت وحالة التأمل والخشوع الشعري التي يدخلها الشاعر في تجربة ما قبل الكتابة. نسجل ذلك منذ عنواني الديوانين، ففي الأول كما في الثاني، نحن أمام عنوان “جملة” أو صورة شعرية كاملة الأوصاف، لكن ما أن ترد الكلمة الأولى من هذه الجملة/ الصورة/ العنوان، حتى تليها ثلاث نقط حذف ثم ما بعدها تأتي تتمة الصورة وتتمة العنوان. “غيوم… تقتفي آثر النهر” و”ألم… يروي غابة شعر”. وإذا شئنا أن نستعير من الجاحظ وأتباعه والسكاكي وأشياعه، واللسانيين والباحثين في “لسانيات النص” شعرية “بلاغة الحذف”، سيتبين لنا أن الحذف عند حمدان لا يأتي بعد الكلام، من باب الإيجاز والاختصار، بل يأتي قبل الكلام، بغاية التكثيف الشعري الذي جعله المنظرون الأوائل لقصيدة النثر شرطا لشعريتها، فما بالنا بشاعر غالبا ما يلتزم كتابة القصيدة ذات الشطرين، بتوزيع حر على سند الصفحة. والحال أن “البيت الشعري” في سجلنا الشعري العربي هو موطن ومعترك التكثيف الشعري، على غرار ما نجد ذلك في قصيدة الهايكو، حيث يفرض الإيقاع وضيق الحيز المكاني والزمني هذه الكثافة. إن هذا الاختيار الإيقاعي إنما تفرضه هذه الكثافة الشعرية التي تتشكل وتتمثل في غيوم الشاعر وغاباته الشعرية المتشابكة. لنكمل المقطع الشعري الذي أوردناه قبل قليل، حين يرسم الشاعر هذه الصورة: “خليلي… وحلمي… وفتنة عمري… وكل الذي أوجزت واحدة”. ألم يكن الجاحظ موجزا وملخّصا وهو يعرف بلاغة الشعر حين قال: “والبلاغة الإيجاز”؟.

والإيجاز هو الأثر في أدق تعاريفه اللغوية القديمة، أي ما يبقى، ذلك الذي يؤسسه الشعراء بعبارة هايدغر الشهيرة. وحكم حمدان شاعر يقتفي أثر النهر كما يقول. والإيجاز الاختصار والجوهر وصفوة الكلام وزبدته. ومن المرادفات الطريفة للإيجاز “النقاوة”، نقاوة الكلام وصفاؤه بعد تخليصه من كل ما يمكن أن يشوبه ويكدره.

وعلى غرار الديوان الأول، لا يضع الشاعر عناوين لقصائده، ربما لكي لا يقطع تلك الحالة الشعورية المتدفقة التي تحدثنا عنها بعد عسر مخاض وطول معاناة، وهو اختار هذه المرة ترقيم قصائد الديوان من القصدة الأولى، التي حملت الرقم (1) إلى القصيدة الأخيرة رقم (56).

وهذا المحذوف المتخفي في شعر حكم حمدان هو “الغائب”، ممثلا في الحبيبة أو الأخت الراحلة. على غرار الغائب في الشعرية العربية القديمة، الذي يلوح من خلل الأطلال، كباقي الوشم في ظاهر اليد. “والقصيدة الأولى مرتبطة بالفقد والغياب والموت”، كما يقول كيليطو في “لسان آدم، ص31″، منذ القصيدة المنسوبة لأول الخلق وأول الشعراء آدم عليه السلام، والذي نسب له أحدهم في “جمهرة أشعار العرب” للقريشي هذه الأبيات، على أساس أنه قالها لمّا قتل ابنه قابيل ابنه هابيل:

تغيرت البلاد ومن عليها       فوجه الأرض مغبر قبيح.

تغير كل ذي لون وطعم    وقل بشاشة الوجه المليح.

وجاورنا عدو ليس يفنى     لعين فلا يموت لنستريح.

أهابيل إن قتلت فإن قلبي   عليك اليوم مكتئب قريح.

وهذا الحديث عن الفقد والغياب هو ما تأسست عليه البيانية العربية عند الجابري، مثلما تتجلى في مقولة “قياس الشاهد على الغائب”. التي تحكم منطق التفكير العربي، وجوهر شعريته.

يقول حكم حمدان في الديوان الأول، في الغيمة الثالثة:

عزائي إذا غبت أني معك

أقلد صوتك كي أسمعك”.

حيث لا تبقى سوى الذكريات، كما يضيف:

“هنا ذكرياتك تلهو بحزني

هنا كابد الدمع كي يقنعك.

أمشط وحدي بقايا حنين

يهدهد حيرة من ودّعك.

وتعصف بي شهقة حين يمسي

فؤادي يتيما وقد ضيعك.

والشعر في نظر حمدان ومعتقده الجمالي هو ما ينقذ الشاعر من لوعة الغياب ومن ألم الفراق وروعة الذكرى. يقول في القصيدة السابعة من الديوان الثاني:

“سنكتب الشعر…

عل الشعر ينقذنا…

في موسم الجذب… من خوف…

وَمِنْ فَرَقِ”.

بينما يحضر الحذف بقوة في القصيدة، كما نرى، ليحدث ثورة في القصيدة، تكسر خيطتها ورتابتها. وهذا ما يؤكده المقطع الأخير من القصيدة المذكورة أعلاه:

“إني أحبك…

مفتون بما ارتكبت

عيناك…

من ثورة…

في النص…

والنسق”.

إنه حذف شعري، وليس حذفا دلاليا، حيث لا تأتي نقط الحذف بعد نهاية الكلام، أي كلمة “النسق”، بل يأتي قبل الكلام وآناءه، وفي تضاعيفه، ليعمل على تكثيفه، وجعله كلاما شعريا، يقول الصمت، ويقول الكلام معا، يستحضر الغائب أكثر مما يكفي بوصف الشهد والحاضر. وهذا هو سر الشاعر، وتلك هي حكمة القصيدة عند الشاعر حكم حمدان.

 شاعر من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …