أوحسين الذي يسكننا
مبارك الصديق*
يأتي الموت فجأةً، فيأخذ منّا كل عزيز وغالٍ، وليس هنالك أشدّ ألماً في النفس من رحيل شخص عزيز.. عزيز وغالٍ جداً. يا أخي وصديقي ورفيقي إبراهيم أوحسين، يا كوكباً ما كان أقصر عمره!
رحلتَ، وما أصعبَ رحيلك! وما أصعبَ هذا الفراق وما أشدّه! ليس من السهل تقبّل موتك، لكن ما عسانا نفعل وإرادة الله أعلى علينا وعلى محبيك. وليس من السهل أن تجفّ الدموع على فراقك. وداعاً، هكذا يرحل الطيبون دون إذن مسبق…
عندما أردتُ أن أستوعب خبر موتك، وجدتك حيّاً في صميم قلوبنا، لم تمت… فارقتَ الدنيا، لكن ستبقى روحك الطيبة تسكن القلوب. فزتَ بجميل أخلاقك وطيب أصلك، فكل من رآك أو تعامل معك أحبّك. كنتَ بشوش الوجه، محبوباً بين الناس، كنت من الناصحين، ولقول الحق من الواضحين. تأثّر القلب لموتك وحزن الجميع لفراقك، لكن إرادة الله نافذة. إلى جنّات الخلد بإذن الله يا إبراهيم، يا شيخي في كل شيء، كنتَ أعزّ أخ وأعزّ صديق.. كنتَ الملجأ عند الضيق ومرساي عند التيه. رحلتَ عنّا ولم ترحل فينا، أيها الساكن فينا… وداعاً أيها الساكن فينا…
إبراهيم أوحسين؛ ذاك الإنسان الفريد الذي أعطى من كل شيء، وأعطى في كل شيء بسخاء. ذاك الإنسان الذي تجسّدت الإنسانية في كينونته، وبرزت الشهامة في مروءته. وقيل فيه ما قيل ودُوّن فيه ما دُوّن. إنه الأرض الخصبة التي تعطي زهور الأمل. إنه السماء لمن أراد غيث الفرج. لم يكن لتميزه ضجيج، فكفاه صدقه في ذاته. واعتاد أن يتجاوز مصاعب الحياة بمفرده، ولم يؤثر فيه صخب الحياة.. كان بسيطاً في كل شيء.. كلماته مازالت تتردد في مسمعي: “لستُ أفضل من أحد، ولستُ كأيّ أحد، ولستُ أقلّ من أحد.” مهما قلنا فيه وذكرنا من مزاياه، فلن نحيط إلا بالقليل.. فلا شيء يضاهي رقة قلبه ولين طبعه ورفقه بمن حوله. فكان تلك الشمعة التي تحرق نفسها لتضيء دروب الآخرين. فلكل من متعته في الحياة.. فكانت متعته العطاء في مساندة الآخرين لتحفيزهم.. لم يأخذ شيئاً قط منهم. يكفيه أن يراهم يتألقون.
فلا الكلم ولا العِبر ولا المواساة قادرة على وصف هذا المصاب الجلل ومدى هذه الرزية التي تكبّدناها، وتكبّدها المشهد الثقافي والإنساني ككل.. فقدانٌ مُرّ في وفاة رجل في زمان قلّ فيه الرجال. ما عساي أقول والقول لا يشفي الجراح، وأنا من بدأ معه أول خطوة وأول الطريق، فأوقفتني الظروف. ولم يجعل هو لطريقه العنان فاتحاً صفحاته منطلقاً ممتطياً صهوة المجد.. تاركاً بصماته في كل المجالات والمحافل الوطنية والدولية.. كنا نحلم معاً فتحقق الحلم في “شموع” 2004.. ديوان مشترك. فكانت البداية، وكانت شعلته نحو الشموخ.. ينعتونه بطه حسين، ثم المنفلوطي في كتاباته النثرية.. ثم بدر شاكر السياب وأحمد شوقي والبارودي… وما كنتُ أنا أنعته إلا باسمه “إبراهيم أوحسين”. ذاك البرج العالي والبدر الساطع لكل من أراد العلى والمضي قدماً إلى الأمام.. فأطلق بنادقه بطلقات مدوية “طلقات بنادق فارغة” ثم أعطى انطلاقته لقوافل الكلام، ديوان “قوافل من الكلام”، وهلم جراً من كتب ودواوين ومقالات متنوعة في كل المجالات.
إبراهيم أوحسين، الأخ والصديق والخل والرفيق، فسكننا بنحو غريب ويبقى السؤال: لماذا يذهب الموت بكل شيء جميل؟ فتجرّعناه كأساً زعافاً. فقدّر الله ما قدّر. وداعاً إبراهيم، وداعاً، ولنا لقاء آخر في جنة الخلد إن شاء الله عند العلي القدير…
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي