الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء السادس)
مصطفى أسدور*
لست أدري أهي صدفة أم عن تخطيط وقناعة، لكنها بالفعل حالة منفردة في الدُّوَّارْ، فهذا الثلاثي لم يتميز بانفراده بتلك العلاقة الاجتماعية الخاصة فقط، والتي جعلت من أسرهن، أبناء وأزواجًا يتقاربون أكثر، لدرجة أن بدأ نوع من النفور يسمم علاقة أطفال تلك الأسر بأطفال الدورا؛ فقد صادف أنَّ عائلة كبورة وفاضمة تقطنان في مزارع، وزوج حَدِّيَّة يشتغل سائق جرار في إحدى تلك المزارع، ما خلق فضاءات متنوعة يقضي فيها أطفالهم معظم أوقات الفراغ والعطل، بينما باقي أطفال الدوَّار يُحرمون من الدخول الى المزارع لأسباب يجهلونها، لكن الأمهات تعرفن كيف تَصْرِفهن عن التفكير في الدخول الى المزارع:
- وَيَّاكُمْ تَمْشو تْلَعْبُو فَى لْفِيرْمَا دْيَال نْصَارَى !!
وحين تُدَوِّرُ عيون الأطفال في محاجرها، يأتي الخطاب بصيغة من الترهيب والتهديد:
- والله تَّا يْدُّوكُمْ للحَبْسْ، وَلَّا يْشَدُّوكُم عَنْدْهُم كِي العْبِيدْ.
هي طريقة فقط لصرف الأطفال عن التفكير في اللعب مع أبناء المزارع تجنبا للمشاكل ليس الَّا. فبعض ساكني المزارع من الأطفال من فرط ما عاشوا بها ترسخ لديهم – في مكان من ما وعيهم- الشعورُ بالانتماء، وملكية المكان، حتى أنهم لا يترددون في القول أحيانا: – فِيرْمَتْنَا هَادِي.
يحدث هذا حينما يصر بعض أطفال الدوار الدخول عنوة الى المزرعة، ما يطرح حزازات بينهم، وتنشب بعض المعارك الصغيرة، التي لا تنتظر كثيرا لتنتقل الى الكبار، بما يسببه ذلك من حساسيات وخصومات بين الأمهات، وبعض الكبار الذين لا يترفعون عن صغائر الأمور كشجارات الأطفال.
ليس هذا فقط ما يميز وينفرد به هذا الثلاثي عن أهل الدوار، فنجد أيضا شبهَ إجماع بينهن على عدم الحضور لمأدبة “نْهَارْ لْفَقِيرَاتْ”، وهي مناسبة دينية تنظمها المتقدمات في العمر من نساء الدوار يوم كل جمعة، يجتمعن حول ما “كْتَبْ اللَّهْ في دِيكْ السَّاعَة”، ليذكرن الله ويؤدين بعض الأوراد التي تعلمتها بعضهن ونقلتها بشكل أو بآخر الى باقي النساء.
إلا أن “ماكْتَبْ اللهْ فديكْ السَّاعة”، غالبا ما يكون وفيرا ودسما، بحيث يتحول يوم “الله” الى يوم الزردة و”التَّخَامْ”؛ فكل واحدة من النساء تدخر أعز ما لديها من مأكول لتخص به نْهَارْ الفَقِيرَاتْ، من لحم، وفواكه وغيرها، ومنهن من تُساهم بـ”دِيكْ بَلْدِي مْجَرَّدْ” (بترقيق الراء)، تكون في الغالب قد ندرته لقضاء حاجة ما.
هو يوم لا حدود فيه بين الأرضي والسماوي، فما يحدث فيه من تناول للأعراض وغيبة ونميمة أكثر ما يحدث فيه من عبادة؛ وكلما أثخنت النساءُ في أعراض الغائبات منهن، التفتن إلى نَحْنَحة “لَمْقَدْمَة الغَالية” التي لا تتأخر في طلب التقرب الى الله والكف عن الغيبة، فتبادر الى ترديد بعض الأذكار كيفما اتفق، لتتبعها النساء في ذلك.
في هذا العالم الغريب، المَطوي المنسي المتواري خلف
تلك الطبقة من الحراشيف التي تكسو كل تقاسيم الحياة البدوية، حينما نبحث في الأشياء نجد “شيئا” من الدين في كل شيء، وحين نبحث عن الدين لا نجده، كل شيء في هذا العالم فيه نوع من التدين، سواء تعلق الأمر بما يعتقده “المُوَحِّدون” من وجود إلاه في السماء، ووجوب عبادته، أو تعلق الأمر بمعتقدات يصل فيها الناس الى حد الإيمان بوجود الرُّوح في بعض الأشياء وبعض المخلوقات، ومهما فعل القروي البسيط أو القروية البسيطة في “عُشِّهما” المتواضع الذي لا مجال فيه للكمال، فجُل ما يقومان به، في نقطة أو جزئية ما، مرتبطٌ بخط روحي، مهما تكن نقطة الارتباط تلك.
ولأن الروح هي روح الله التي أودعها الانسان والحيوان، البشر والحجر، فذلك يقتضي العناية بهذه الروح وتقديسها وتعظيمها؛ قد يكون مجرد حيوانٍ أليف اختلف في اللون أو الشكل، أو حل في وقت معين، كوقت الغروب أو وقت كسوف الشمس أو خسوف القمر، ليتحول الى “كُودْ” يستدعي الكثير من الإيحاءات والإيماءات الروحية. وحين يَطْلُبُ بعض القرويين “التَّسْليم” عند ملاقاتهم بعض الحيوانات المشتبهة، أو الظواهر الغريبة، أو حتى تلك الظواهر الطبيعية التي تحولت بفعل الخوف من الموت إلى ظواهر خارقة، كفرقعة الرعد في الليالي المظلمة، إنما يفعلون ذلك ليس تسليما لهذه الظواهر والمخلوقات، بل تسليما للخالق، الذي تجسدت قوته في هذه القوى الخارقة من ظواهر ومخلوقات، فالأشياء هي تَجَلِّيٌّ للمُشَيِّئِ. والقرويون في اعتقادهم هذا هم أقرب إلى المعتقد المسيحي وثقافة الثالوث، التي تقر بألوهية المسيح الذي هو تجليٌّ لله تفردَ به المسيحُ، ولكون ولادته كانت على درجة من الغرابة والخُروق للطبيعة، وتعني الطبيعة هنا ببساطة وبقوة المُعْتقد: كل ما هو مألوف عند الإنسان، وبالتالي حينما يحدث أمر ما، لم تألفه العيون والأسماع، وربما يكون مألوفا عند أناس آخرين وفي أماكن أخرى، يتحدث الناس عن الخوارق، التي تستدعي التفكير في الطبيعة أو الخالق وتعظيمهما من خلال تمجيدهما بشكل أو بآخر مع تفاوت في درجة التمجيد.
لذلك نجد الدين أو التدين يأخذان أشكالا غريبة عجيبة، لكنها في النهاية تشكل عامل استقرار وعامل قوة يُعِين المَكْدُوحِينَ في هذا العالم على تحمل أعباء حياة الكدح والشقاء، ومواجهة القوى الخارقة التي تتربص بالنساء والأطفال، وبقليل من الرجال.
حينما تُسْأَل حَدِّيَّةَ عن عُزوفها عن الحضور لـ”نْهَارْ لْفْقيراتْ”، تمتعض وكأنها تبتلع شيئاً مرًّا، ولا تجد إجابة تبرر بها موقفها، وبالأحرى تقنع الأخريات. هي لم تنس أنها في البدايات الأولى لهذا اللقاء الأسبوعي حرصت على الحضور وكانت متحمسة ولم تكن تدري سر الحماسة، فقط تحمست على ما يبدُو لتبدُوَّ متحمسة، أو ربما لئلَّا تُقال عنها أشياءٌ هي في غنى عن سماعها؛ لكنها نسيت -أو هكذا تدَّعِي- متى وكيف ولِمَ انقطعت عن هذا اللقاء !!
لا تتذكر أي من النساء الثلاث، وكثيراتٌ من نساء الدوار لا تتذكرن أيضا متى وكيف بدأت هذه اللقاءات أصلًا، فلكل منهن روايتها الخاصة التي تصر- وتحت الأيمان الغليظة- أنها الحقيقة. لكن، ومن خلال تلك الشذرات المتناثرة عبر جغرافيا الذاكرة، يمكن القول بأنها عادةٌ حديثة العهد، تعود لما بعد زمن المجاعة والأوبئة، لأن الظروف القاسية التي عاشها الناس في تلك الأيام، كادت تُنسيهم الدنيا وخالقها، ولم يكن لديهم الوقت الكافي للتفكر في الخالق ولا المخلوق، حقبة اكتسحتها المجاعات والفقر وانتشر خلالها البؤس، وصار الكثيرون يقتاتون على أنواع من النباتات والعشب، من “الحُمَّيْضة” و”الݣارْصَة” وَ”الخُبَّيْزَة” و”الݣَرْنِينَة” ونبتة “إيرْنِي” التي تشوي الجوف بمرارتها، فأنى لهم التعبد وأنا لهم العبادة.
يذكر أحد الباحثين أنه في مثل هذه الظروف في زمن بعيد، ظهرت العديد من الطرق الصوفية مثل “حْمَادْشَة” و”عِيسَاوَة” و”بُوهَالاَ” ، و”هدَّاوَا” وغيرها، كنوع من الهروب إلى عالم الروح بعدما كشف عالمُ “المحسوسِ” عن قساوته.
صحيح أن لا واحدة منهن عاشت تلك الحقبة القاسية، لكن أثرها ظل عالقا في الأذهان، فأول عهد لهن بالنعيم أتى بعد سنوات طويلة من الانتظار والمعاناة والتوسل، والبحث عن هذا “الإله” الذي تركهم عرضة لكل المآسي والأوجاع والفقر والكدح والدُّونية، حتى تساءل البعض لم خلقنا هذا الإله؟ ألهذا العذاب خلقنا؟ وما الذي يستفيده من عذابات إنسان خلقه ضعيفا، وهو يعرف أنه ضعيف؟ أسئلة وجودية وضعت الكثيرين على حافة الكفر بالخالق، ونهضت تلك الغريزة الدفينة في أعماق البشر، للبحث عن قوى خارجية بديلة، قوى يَلمَسُها ويَرَاهَا ويُحِسُّ بها وتُحِسُّ به، ويستطيع أن يقرب لها القرابين، ليحتمي من بلايا لا أحد يفهم لمَ يتعرضون لها.
حينما تبلغ المأساة والمحن مبلغا متقدما في الفتك بالناس، وتتعاقب عليهم المحن، من الرياحِ الصفراء، والجُذامِ والجذريِّ، والقحطِ والجفافِ، ثم تكتمل الصورة بهبوب الرياح الصحراوية مُحمَّلة بجيوشٍ وأسرابٍ يُرى أولها ولا يُرى آخرها من الجراد، هذا المخلوق الذي يعرف كيف يمعن ويعمق عذابات البشر ويتفنن في إيلامهم، ولا يرقبُ فيهم إلاًّ ولا ذمة، فلا يُبقي أخضرا ولا يابسا، ولا يذرُ؛ يَحق التساؤل عن الاله، ويقع المحظُور، وتُطرحُ تلك الأسئلة “المتسعة” في
جوف الحرمان: مَنْ خلقَ مَن؟ أ آلله خلق الإنسان، أم الإنسان “خلق” الله؟ ليس بالمعنى الخلق المادي التكويني، وإنما خلقهُ كفكرة وكقوة افتراضية للاحتماء من جبروت الطبيعة منذ بدايات الخليقة؟ ماذا لو لم يكن هناك إله أصلا، وأن الإنسان ابتكر فكرة العبادة كضريبة تُدفعُ لمجهول، لكنه مجهول يتجلى في الكوارث والمخاطر والنعم أيضا وما تقدمه الطبيعة؟ ولئن كان الانسان في بدايات تكوينه قد توجه الى الشمس والقمر والغابات والجبال والبراكين، للتعبير عن دونيته، فقدم لها القرابين وتعبد بها، فإنه لا أثر -على الأقل على المستوى الأَرْكْيُولوجي- لفكرة الإله السماوي، بل على العكس تماما، هناك أدلة وقرائن قوية على أن الديانات السماوية وأولها الديانة اليهودية، هي استنساخ لديانات كانت منتشرة عند الحضارة السومرية والبابلية كالزرادتشية و “الوَانِيَّة”، بل حتى فكرة الإله وخلق آدم وحواء، والشجرة والتفاحة والأفعى، هناك آثار أركيولوجية تؤكد أنها طقوس تعود لملوك سومريين، وأن أول من “رفع” الإله إلى السماء هم اليهود، في قصة طويلة ومعقدة أرهقت حَميد، الطالب الجامعي الذي غدَا إلى الجامعة شابا متعبدًا، ليروح إلى أهله وقد شرب الإلحادَ حتى الثمالة.
حينما يتحدث إلى والدته كبورة عن الإلحاد والإله والدين ويقرن ذلك بالأفيون، والصراع الطبقي، وغيرها من أبجديات الماركسية، يشعر أنه يخاطب الرِّيحْ، فكل ما تقوم به كبورة أنها ترخي شفتيها، تتركهما تتدليان على ذقن بدأت تغزوه تجاعيد الزمن، وبين الفينة والأخرى، تشدُّ جفني عينيها بسبابتين معقوفتين كمِخطاف القراصنة، تشدهما بقوة حتى تبيض عيناها، فتبدوان وقد نَتأَت حَدَقَتُهما وبرزت، فاستحالت كبورة في تلك اللحظة إلى مخلوق شاردٍ وقد غلبه الهلعُ من هول ما يحكيه هذا “المَسْخُوطْ”، الذي لا تدري كيف حَملت به، وما إن كان حملها من روحٍ شريرة وليس من الفقير مْحَمَّدْ، فقد سمعت مرة من زوجة الطَّالبْ أن المعاشرة بدون البسملة، تسمح للشيطان بمشاركة الزوج في (..) زوجته !! حين تثار هذه المسألة بحضور النساء، وبأسلوب فيه من الخبث ما فيه، تعلق بعضهن:
- باسْمْ اللهْ؟ عْلَاه ياكَبُّورة الفقير خْضُو لْشِي بَاسْمْ الله؟
- إلَا ݣُلْتِي يا هَادِي.
كبورة لا يعنيها من حديث ابنها حميد غير أمر واحد، تكرر على لسانه أكثر من مرة:
- رَاهْ آ الوَلِيدَة غِير يْخَلْعُو فيكم، أمَّا رَاهْ مَا كَايْنْ لَا رْبِّي لَا سِيِدي بُوزَكْرِي.
هل يعقل أن يكون هناك وليٌّ صالح اسمه سيدي بُوزْكْرِي وَهيَ لَا تعلم؟ تكاد تردد عبارتها المألوفة:
- شَايْلَّاهْ آ سِيدِي بُوزْكْرِي، تَّسْلِيمْ.
لولا أنها في حيرة من أمرها.
حميد الذي تستهويه سردياته وأحاديثه عن ماركس والإلحاد، يخاطب نفسه ويطربها أكثر مما يخاطب من يقف أمامه، وما يرتجيه من هذه القروية الجاهلة، التي لا تعرف “كُوعُّو من بُوعُّو”، هو ضرب من المُحال.
ينتبه إليها وقد اختلط عليها الحابل بالنابل، والتبست عليها ابجدياتها البسيطة في العبادة، وأصيبت بغشاوة في الفهم، أمام هذا الشاب اليافع الذي تتعجب كيف خرج من بطنها، ليطوقها بأهوال الكفر والعيادُ باللهْ مَنْ الشِّيطَانْ الرَّجيمْ.
حين تستنفد كل قدراتها في الاستيعاب، أو على الأقل في التقاط بعض شذرات المعاني من هذا الزخم الجارف من الكفر، تستنهض سلطتها كأم لها عليه حق الطاعة، فتخاطبه بلسان صَرَمَ بين الحق والباطل:
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي