قصبة”أيت سعيد والصالح” أيقونة من أيقونات دادس[1]

عمر أيت سعيد*
في زمن الحجر الصحي، أيام سيطرت مرض كرونا على العقول والأجواء ، بين الجدران داخل المنزل، كانت لي فرصة الاشتغال على الذات، والعودة إلى الماضي الجميل، تكتشف بيتك ومنزلك من جديد، شرفة شرفة، رفا رفا، وأحيانا تتصفح خزانتك كتابا كتابا. وبينما كنت أتصفح أحد الكتب الموثقة لبعض جوانب التاريخ الاجتماعي والعمراني لواحة دادس للإثنوغرافيين الذين قاموا بدراسات وصفية للعمران بدادس، اكتشفت صورة لقصبة عائلتي الكبيرة “أيت سعيد والصالح ” الصورة التاريخية التي تؤرخ لهذه القصبة والتي قامت بالتقاطها الإثنوغرافية D.jacquesMeuniéسنة 1962 في كتابها ARCHITECTURES ET HABITAT DU DADES من تقديم المؤرخ هنري تراس.

ما استفز فكري في هذه الوثيقة وجعلني أكتب هذه الكلمات هو إحساسي بتفريطنا في الكتابة عن أيقوناتنا بواحة دادس وغيرها من المناطق بالجنوب الشرقي، والمناطق الزاخرة بالتراث المادي واللامادي في المغرب عموما. كيف ارتاح لنا البال ونحن لا نكتب أي شيء عن هذه الجواهر والأيقونات؟ وهذا يدفعنا إلى طرح الكثير من الأسئلة من قبيل: لماذا لم نكتب أي شيء عن هذه القصبة ”tighrmt”طيلة حياتنا وننتظر الآخر، (الأجنبي) كي يكتب عنا وعن تراثنا؟ لماذا نحتقر ذواتنا وأشياءنا وعراقة حضارتنا؟
القصبات هي الوجه المادي لحضارتنا، والشعر و”أحيدوس” و”أحواش” وغيرها من الأنماط الشعرية هي الوجه اللامادي لهذه الحضارة التي أثقل كاهلها نكراننا لها، وغضنا الطرف عنها منذ عصور، واهمالنا لها في السياسات الثقافية. والبناء علامة على الاستقرار يضم في تفاصيله مزيجا من العلامات التي تشكل ثمرة تثاقف وأخذ ورد بين الحضارات المنتشرة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. ففي كل قصبة ”تغرمت” يمكن أن تلمس مساهمة الرومان والأمازيغ والفينيقيين وربما قد تجد رائحة الإغريق والعرب ضمن كل تلك النقوش والعلامات التي توشي الجدران الطينية التي تعد لوحات ووثائق شاهدة على التاريخ. فالإبداع في مثل هذه الأمور يكون إنسانيا وعالميا. وأنا أتأمل هذه القصبة لا أدري هل يليق بالبكاء على مصيرها أم على مصيري. أو أندم لأنني لم أصرخ و معي غيري من الغيورين على ما حل بها؟ فهي أم المنازل في قريتنا شأنها شأن كل القصبات التي لها تاريخ في واحة القصبات والورود واحة دادس.
من خلال هذا المنبر نناشد كل الضمائر الحية وكل الغيورين على التراث الثقافي المادي للواحات، من مسؤولين وإطارات لها صلة بالموضوع، الالتفات إلى مثل هذه الأيقونات بدادس وغيرها من الواحات. هذه القصبات التي يعبث بها الزمن والإنسان، يحاربها الزحف الإسمنتي الذي يأتي على الأخضر واليابس ، فيحارب الجمالية ليجعل من قرانا مدنا اسمنتية ميتة.
هذه القصبة لها تاريخ عريق سواء فيما يتعلق بمراحل بنائها أو حتى بعد سقوط أحد أبراجها. كيف تمكنت العائلة الكبيرة من إصلاحه، وجدرانها تحمل رموزا وزخرفات عريقة، كما تضم عدة غرف تتماشى وتنسجم وحاجيات القاطنين بها عبر التاريخ. داخل القصبة بئر عذب صاف ماؤها.
لا شك أنها ستصير متاحف للتبادل الثقافي، وستستفيد منها الساكنة والجماعة المحلية، وستفتخر الأجيال اللاحقة بالعمران المادي الذي خلفه الأجداد. ولن يتأتى هذا إلا إذا تم الاعتناء بمثل هذه القصبات وإصلاحها وإعادة ترميمها.
معلومات إضافية استقيناها لكم من خلال الرواية الشفوية والملاحظة.
توطين وتعريف قصبة أيت سعيد والصالح:
أولا القصبة بنيت في عهد الأخوين:
(الحاج موح والحاج يوسف) نيت سعيد.
- مكان القصبة: قبيلة أيت حدوش
- الجماعة: جماعة سوق الخميس دادس
- سنة البناء: 1925
- مساحة القصبة:180مترا مربعا تقريبا، تحيط بها أفضية أخرى تصل مساحتها الإجمالية إلى 750مترا مربعا.
- أركان القصبة :
- تتكون القصبة من طبقين سفليين وطبقين علويين أي R+2
- تعلوها أربعة أبراج.
- قصبة أيت سعيد لها حكاية مع تحديات المناخ والطبيعة في فترة السبعينيات، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في سقوط أحد أبراجها، وتم ترميمه بعد ذلك.
- المشاركة في بناء القصبة: المعلم أو صاحب اللمسة الفنية “أتلعربيت” من زاوية البئر. أما العمال الذين ساعدوه فأغلبهم من قبيلة أيت الطالب.
- للقصبة قصة وميثولوجيا: بمحاذاة القصبة توجد مساحة بها بعض الصخور يأتي العرسان خلال حفلات الزفاف للقيام بدورات حولها قصد التبرك، تسمى هذه الساحة‘’ tagurramt ‘’.
[1]ملاحظة: تحية شكر وعرفان للأستاذين علي الصالح وحميد أيت سعيد اللذين ساهما في هذا النص بهذه الصور النادرة القيمة.
باحث من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي