نافذة على الهايكـــــــــــو
لحظة الهايكو
حسني التهامي*
تمثّل “لحظة الهايكو” إحدى الركائز الجمالية والفلسفية في الهايكو كقالب فني مكثّف ومختزل، حيث يقوم الهايجن[1] بالتقاط مشهد عابر من تفاصيل الحياة اليومية، وإعادة صياغته ضمن ومضة مشعّة تُحوِّل المشهد الحسي من حالته العادية إلى لقطة استثنائية مدهشة. ترتكز هذه اللحظة على فعل تأملي تتماهى فيه الذات مع العالم، وتكشف عن حقائق كامنة في ظواهر الكون والوجود. يرتبط هذا البُعد ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الاستنارة المفاجئة “ساتوري” (satori)، أي الإلهام الشعري. يعكس هذا المفهوم مقولة “ر.هـ. بليث” (R.H.Blyth 1998-1964): “الهايكو نوع من الساتوري، أو الاستنارة نتأمل من خلالها حياة الأشياء”.
لا يقدّم الهايكو حقائق كبرى، أو يتناول قضايا مكتملة، إنما يتيح للمتلقي فرصة عيش لحظة عابرة من الـ”كينشو”Kinsho، أي “رؤية الطبيعة الأصلية للأشياء”، عبر ومضات جمالية تستثير الدهشة وتفتح أفق التساؤل.
يمكن تلمّس هذا البُعد في هايكو ماتسو باشو ( Matsuo Bashō 1644-1694 )، مؤسس هذا الفن:
على غصنٍ عارٍ
يجثو غرابٌ وحيد –
مساءُ الخريف الآن.
(باشو)
تجسّد اللقطة الشعور بالعزلة، لكنها تتحوّل إلى لحظةٍ تأملية مشعّة، تكشف عن إدراك داخلي لحقيقة (الغراب)، ذلك الكائن الذي يقدّم لحظة كشفٍ وجودي تجمع بين العزلة الإنسانية وبرودة المساء الخريفي. في هذه التجربة، يستيقظ وعي القارئ فجأة على طبيعة الزمن وعنصر الفناء. هكذا تتجلّى لحظة الهايكو في النص كومضة جمالية مكتنزة بالمعاني ومفتوحة على نطاق واسع من التأويل داخل المشهد اليومي.
فيما تأخذ ذات اللحظة لدى “كوباياشي إيسا” بعدًا مختلفًا، يتسم بالتعاطف مع الكائنات الهشّة، كما في قوله:
يعسوب أحمر
إنه أيضًا يحب المساء
أو هكذا يبدو[2]
في هذا الهايكو يصوّر إيسا لحظة جمالية تتكشّف عبر يعسوب أحمر، هشّ يرمز إلى الخريف. بينما يكشف السطر الثاني عن جمالية السابي Sabi التي تشير إلى رؤية الجمال في كل شيء، حتى في الأشياء القبيحة، وأفول الحياة وزوالها. يسقط الشاعر -باستخدامه لعبارة “إنه أيضًا يحب المساء“– على اليعسوب مشاعر إنسانية، بطريقة تذيب الحدود بين الذات والآخر، الإنسان والحشرة. وتأتي العبارة الأخيرة “أو هكذا يبدو” لتبدد حالة اليقين، حيث لا يعبّر المشهد عن حقيقة مطلقة، ويظل ومضة إدراك عابرة تُدخلنا في حالة من التأمل العميق لاستكشاف جمالية اللحظة التي من خلالها يعبر القارئ من العابر والجزئي إلى الأبعاد الكونية الأوسع.
بذلك، يمكن القول إنّ “لحظة الهايكو” تجربة جمالية تسعى إلى اثارة الدهشة، ويقظة الوعي نحو أفق وجودي أعمق يتجاوز المباشر والسطحي، ليقارب جوهر الحياة في أدق تفاصيلها.
غيْر آبِهَةٍ بِطعْمِهِ،
بِلهْفَة تتجّمّعُ حَلازِينُ المَاءِ
علَى غُصْنِ الدّفْلَى.
سامح درويش – المغرب
قمر مكتمل
ضباب همساتي
على قرطها الفضي
وليام كولين جونيور – أميركا
بأجنحتها الشفافة
تطير النملة الحمراء
إلى حتفها
هدى حاجي – تونس
حلزون نائم ،
طفلة تعطيه الوعود
ليخرج رأسه
علي شالكوهي – إيران
من البلكونة
للسهرة الراقصة
تنضم جميلات البلشون
حمدي إسماعيل – مصر
زقاق الحي،
من النافذة المكسورة تتسرب
رائحة شهية
عبدالجابر حبيب – سوريا
جدار صخري-
موجة وراء موجة
كلانا يرتج!
عبدالله سلمي – الجزائر
هبةُ ريحٍ،
ضجيجٌ يعلو
تحت أقدام المارّة
إبراهيم عبدو-سوريا
مطرٌ خفيف –
تثيرُ الزحمةٓ
صاحبةُ الفستانٍ المبلل!
بدوي إبراهيم- السودان
رياح الخريف
تطلق عِنان
دراجتي الهوائية
منير ناصح ابراهيم – تونس
خطوط ملوّنة
يسحب النهر
بريق الشمس
Zohre Zahedi – إيران
قاعة الرحيل
البعوضة التي قتلها
تنزف دمه
نورالدين البوشمّاوي- المغرب
مقعد الرصيف
قطرات المطر الراكدة
خير جليس
راتب كوبايا – كندا
شتاء بلا مطر ،
غصن أجرد
يشير للسماء !
ضمان عبداللطيف – المغرب
وسطَ الساحةِ الكبرى؛
الطفلةُ اللصّةُ
تختطفُ وهجَ المصابيح.
حميد العادلي – العراق
برق السماء
كأنه يرسم الذهول
على شجر عارٍ
عصام زودي – سوريا
زخات المطر –
على الطريق،
تتماوج أضواء المقهى!
عادل عطية-مصر
قمة الجبل
ظلّي يسبقني
إلى السماء.
كريمة علي – ليبيا
زلزال،
الحانة التي لم تسقط
تتمايل !
ضمان عبد اللطيف- المغرب
أسراب النحل
على الرابية
فوضى الطنين.
فريدة أبو حديدة – ليبيا
فوق قبرها
تنبت سنبلة القمح
بائعة الخبز
زيا يوخنا – استراليا
تَخْطِيطٌ عُمْرَانِيّ ؛
مُعْفَاةٍ مِنْ اَلِاسْتِبَانَةِ
مَدِينَة اَلْمَوْتَى !
توفيق أبو خميس- الأردن
مطر
عي زجاج النافذة
يسيل وجهي
عبدو الأسمر – السودان
قصيد هايكو
معلقة في السماء
قوس قزح.
فتحي مهذب – تونس
سَقَطَت الوَرقَة،
الشَّمسُ الباردة احتلَّت
مكان ظلها
مندانا مبكي – إيران
ريحٌ خفيفة
تزيح الرماد عن
وجه الشهيد
ليلى برني- المغرب
تلوي شعرها
صاعدة من البحيرة:
فينوس الريفية
— Ram Krishna Singh – الهند
ريحٌ عابرةٌ
لِبُرهةٍ يَتَعانَقانِ:
سَعَفَتا نَخيلْ
غالب كاسر – العراق
قفازة مدماة
يد تخلت عن يدها
فوق سلك شائك
عبدالله هدى – المغرب
زخات أيلول
رويدا رويدا تتلاشى
بركة الباحة
شهرة بو ذيبة – الجزائر
غابة الأرز،
كأي شيء..
آخذ حظي من الضوء.
حرية المرنيسي- المغرب
من يردعها ؟
الريح التي تتحرش
بتنورة الصبية!
خديجة وناس-المغرب
مطر ثلجي
لكل عشبة
قبعة
هالة شعار – سوريا
الرحلة الأخيرة،
الشمس تغرب
خلف قطار عاطل
عبدالحق موتشاوي – المغرب
غيمةٌ سوداءُ
عُقابٌ
يحجبُ ضوء الشَّمس.
درية توكل -مصر
بيتتا القديم
بقايا معطفي الشتوي
وسادة أرجوحة
تغريد نديم عمران – سوريا
على الوردةِ الذابلة
كمْ تُشبهني
تلكَ الفراشة!
حسني التهامي – مصر
[1] الهايجن: كاتب الهايكو
[2] – Issa in Mackenzie, 1957, p.65
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
