أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / المقاومة في التخييل الروائي: سيرة الحب والتحدي في أعمال عمرو عبد الحميد نموذجا – محمد دخيسي أبو أسامة

المقاومة في التخييل الروائي: سيرة الحب والتحدي في أعمال عمرو عبد الحميد نموذجا – محمد دخيسي أبو أسامة

المقاومة في التخييل الروائي: سيرة الحب والتحدي في أعمال عمرو عبد الحميد نموذجا

  

محمد دخيسي أبو أسامة*

 

الملخص

اخترت الاشتغال على موضوع ينخرط في محاور المؤتمر الدولي الذي ينظمه “مركز القرويين للدراسات والبحوث”، بتنسيق مع “الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية”، في موضوع “أدب المقاومة، مقومات الإبداع، ورهانات التحرير”؛ حيث ركزت على محور “ذاكرة الشعوب المقاومة في مرآة السرد الروائي والقصصي.”

عُرِّف أدب المقاومة تعريفاتٍ عدة، راوحت الأفكار فيها بين الثورة على الحاضر، والتمرد على الظلم والقمع، والرغبة في التحرر وغيرها.. وقد تنوعت مجالات البحث في هذا النوع الأدبي/ الفني، فلم تقف عند حدود الجنس الأدبي المكتوب، بقدر ما تجاوزته إلى الفنون السمعية، والسمعية البصرية والتشكيلية وغيرها. وقد تنوعت أيضا المقاربات النقدية لإبداع المقاومة، فسارت الدراسات مسرى الإبداع، وتقمصت سمْتَ المقاومة الفكرية والتنظيرية الأكاديمية منها وغير الأكاديمية.

أما موضوع دراستي، فسأتناول فيه بالقراءة والتحليل أعمال الكاتب الشاب والمبدع المصري عمرو عبد الحميد، الطبيب الذي اختار الرواية التخييلية ليقارب مجال المقاومة في بعدها الإنساني، بعيدا عن الصراعات القومية أو التحريرية الواقعية. والهدف الأسمى يبقى دائما الإنسان الحر، الذي يرفض الذل والإهانة والقمع والاحتلال النفسي والجسدي والمكاني. لذلك حضر هذا البعد التحرري بقوة في رواياته، سواء في ثلاثيته الأولى (أرض زيكولا- أماريتا- وادي الذئاب المنسية بين 2010 و 2023)، أو الثلاثية الثانية (قواعد ﭼارتين- دقات الشامو- أمواج أكما بين 2018- 2020).

وقد اخترت عنوانا مثيرا للمشاركة في الندوة، فكان: “المقاومة في التخييل الروائي؛ سيرة الحب والتحدي في أعمال عمرو عبد الحميد”، لأن الروايات الست، تجول بنا في أفُق التحرر المكاني والتحرر العاطفي، بالانتقال من الرفض، فالتحدي، ثم الثورة على الكائن، ونخص بالذكر الثورة على القوانين الوضعية التي تميز بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ فتخلق نوعا من التمييز في الحصول على الحقوق، وعدم تكافؤ الفرص في سبل العيش والحياة. كما سيتم التركيز على الثلاثية الثانية، التي توظف هذه الأبعاد بصورة أوضح، وأكثر تجسيدا لأدب المقاومة كما جاء في أرضية الندوة.

لذا، ستكون الدراسة مجزأة إلى قسم نظري، وشق إجرائي، يلامس بعض الجوانب الإبداعية التخييلية في الروايات المذكورة، على أساس ربطها برموزها الواقعية، وتنزيلها إلى أرض الواقع الحقيقي، لتكون بؤرة موضوعية لقراءة أكثر تنويعا وعمقا.

تقديم

ليس من السهل الجمع بين تيمة المقاومة بوصفها قضية إيديولوجية أولا، ومبدأ شخصيا أو وطنيا ثانيا، وبين التخييل الروائي الذي يسم النص بخصوصية عدم الواقعية، وأحيانا يصل درجة الفانتازيا أو العجائبي. لكن اطلاعنا على مجموعة من الأعمال الروائية العربية، جعلتنا نقتنع أن الركون إلى الواقعي في الإبداع لا يكون دائما ناجحا؛ إما بسبب نفور قارئ القرن الواحد والعشرين -القارئ المستعجل، أو القارئ الرقمي السريع-، عن النصوص المباشرة، أو خدمة للتطور الفني والإبداعي عامة، ما يتطلب الرقي بمستوى الكتابة، والبحث عن السبل الحديثة والموسِّعة لمدارك المتلقي.

لقد خلصنا إلى هذا الموقف، انطلاقا من استنتاجات توصلنا إليها بخاصة بعد قراءة أعمال الكاتب المصري عمرو عبد الحميد. ولا ندعي هنا أنه النموذج الأمثل لهذه القضية، بقدر ما نقول إنه نموذج أو عينة دراسة في هذا الموضوع؛ إذ لاحظنا أنه يمزج بين مكونات ثلاثة في أعماله الروائية الأخيرة، وهي:

أولا: التخييل المعتمد على سعة الفكر، تجارب الحياة؛

ثانيا: التخييل العلمي، وذلك بالاستفادة من مجموعة من المعارف الخاصة والعامة، ونذكر هنا اشتغاله في مجال الطب، بوصفه طبيبا مختصا في الأنف والحنجرة..؛

ثالثا: تركيزه على تيمة المغامرة في مجاهل الكون، والعودة إلى تواريخ قديمة، أو الغوص في استشراف المستقبل؛ مع استحضار تيمتي الحب والتحدي، ما يوفر مساحة أوسع للأبطال، للمقاومة بشتى الوسائل المتاحة. وهنا يمزج الكاتب بين التخييل والمقاومة، بتقريب المتلقي من وسائل مختلِفَة ومختلَقَة جعلها عمرو عبد الحميد دعامات لتفجير الوضع، والبحث عن البدائل الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية وغيرها.

انطلاقا من هذا التقديم، نقول إن خطة العمل في هذه الدراسة تخرج قليلا عن السير العادي لأدب المقاومة، لكنها في الوقت ذاته تلج عالما أكثر شساعة، تقدم قيمة مضافة إلى هذا المجال، وتشرك الإبداع المنتج لنصوص جديدة ضمن دائرة الاهتمام. وهذا هو هدفنا من هذا المقترح.

 

1- بين المقاومة والنضال والتمرد والثورة.. صور متعددة لصوت واحد

يمكن القول، إن الرفض هو السمة المشتركة بين مجموعة من المصطلحات التي تؤكد على مبدإ القوة المعاكسة، أو رد الفعل على موقف معين. إن الرفض لا يعكس فقط موقف عدم القَبول، الذي يؤديه المعنى اللغوي العام، ولكن يتجاوز ذلك إلى فكرة البحث عن البديل، أو خلق العالم الذي يرتضيه الفرد، في ظل رفض نسبي أو مطلق لعالم واقع.

وبالعودة إلى تاريخ الرفض، يمكن الاحتكام إلى الموقف الديني الذي يخدم أساسَ بناءِ الفرد والمجتمع، فيكون الجهادُ إحدى الوسائل المتاحة لعقاب الرفض، ويكون الرفض هنا مبدأً غير مقبول، لأنه يصدر عن فئة لا ترتضي الحق، ومن ثمة يكون الرفض بناء مفهوميا قائما على الحق لا الباطل.

يعرف ابن حجر الجهاد بقوله: “الجهاد شرعا بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق.”[1]

فمن خلال هذا التعريف الأولي، نفكك عناصره حسب ما يأتي:

أولا: هناك الجهاد المادي؛ بالفعل المادي المشاهد، وذلك بقتال المشركين المنشقين عن لحمة الإسلام والمسلمين، الرافضين مبدأ الاستسلام والإسلام؛

ثانيا: الجهاد المعنوي الداخلي؛ الذي يخص الفرد لقمع رغباته، ووقف هواجس الذات ومفاتنها؛

ثالثا: الجهاد مبدأ شرعي، أي أنه واجب على كل مسلم لمقاومة الآخر/ المشرك.

فالمقاومة هنا موقف من الآخر الرافض لفكرة التحول، أو رافض للدين الجديد. لذلك، تعكس المقاومة هنا الحكم الديني الذي يفرض على المسلم الجهاد في حالة رفض الدخول إلى الإسلام، وتصدي المشرك للمسلمين بالقتل والتعذيب.

أما النضال فيأخذ شكلا مختلفا، إذ لا يقف عند الموقف الديني، بل يتعداه إلى الجانب الوطني؛ وإن كان المجالان متداخلين، لا يمكن الفصل بينهما. فقد اقتفينا أثر النضال بمعزل عن الجهاد، حتى نثبت أن المقاومة موقف إنساني عام، يجذب كل من يحس بالقهر والظلم، فيختار رد الفعل المضاد.

يعرف ابن منظور النضال بمرادفه الدفاع والحجاج، ولم يثبت موقف المقاومة: “ويقال: فلان يُناضِلُ عن فلان إِذا نَصَح عنه ودافع وتكلم عنه بعذره وحاجَجَ.

وفي الحديث: بُعْداً لكُنّ وسُحْقاً فعَنْكُنّ كنتُ أُناضِل أَي أُجادل وأُخاصِمُ وأُدافِعُ؛ ومنه شعر أَبي طالب يمدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كَذَبْتُم، وبَيْتِ الله، يُبْزَى محمدٌ *** ولَمَّا نُطاعِنْ دونَه ونُناضِل

في الهامش: “قوله [يبزى] في النهاية في مادة بزي ما نصه: يبزى أي يقهر ويغلب؛ أراد لا يبزى، فحذف لا من جواب القسم وهي مرادة أي لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع. “[2]

غير أن المعاجم المعاصرة، حاولت أن توسع دائرة الاهتمام، كما سبقت الإشارة، لترمز للنضال بمفهومه العام، الذي يثبت دور الدفاع عن النفس والعِرض والمال والأهل….

ولنأخذ مثالا على ذلك من هذا التعريف:

“ناضلَ عن /ناضلَ من يناضل، مُناضَلةً ونِضالاً، فهو مُناضِل، والمفعول مُناضَل عنه؛

ناضل عنه في غيبته حامى عنه ودافع؛

ناضَل عن أفكاره، ناضلتِ الشعوبُ المستعمرة عن بلادها عسكريًّا وسياسيًّا، إنّه في نضالٍ دائم عن العدالة المطلَقة، ناضل من أجل الحرِّيَّة: كافح وجاهد، وبذل وسعَه؛

ناضل في سبيل الاستقلال، مُناضِل في سبيل الحقّ، – نضال سياسيّ، – يعشق المناضلة المسلَّحة بالقلم”[3].

ما يمكن أن نستنتجه من هذين التعريفين المقتضبين، هو أن النضال شكل من أشكال المقاومة، ويهم الدفاع عن النفس، والتضحية بالنفس لإرجاع حق سُلب، أو ظلم ارتُكب في حق الإنسان. لذلك، تتوسع دائرة الاهتمام في هذا الشأن لتصل درجة الثورة أو التمرد أحيانا. وقد لا ننتبه كثيرا للتطور اللغوي الذي جعل التمرد موقفا فرديا أحيانا، وجماعيا أحيانا أخرى، حين تتوطد العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، لتشكل دور الجماعة للتصدي والوقوف ضد الآخر.

وهناك العديد من الأمثلة والنماذج التي سعت في مسارها النضالي، لِترسم رؤية إيديولوجية عامة، تقف في وجه كل أشكال الثبات، محاولة التغيير، والبحث عن سبل الخلاص من قيود الماضي. لذلك نجد حركات التحرر، والحركات التاريخية التي كافحت من أجل الاستقلال، ودفع أشكال الاستعمار الوطني، والفكري، والاقتصادي وغيرها. وقد ذهب جان جاك روسو في تقعيده لأواصر العقد الاجتماعي إلى اقتراح أشكال تمردية خاصة، يكون دافعها النهج السياسي المسيطر، أو حين تتحول الأمور إلى شكل أكثر خطرا، بمناقضتها الخير العام: “ومما لا ريب فيه أيضا أنه لا يمكن في مثل هذه الحال ملاحظة جميع الشكليات المطلوبة بعناية كبيرة؛ تمييزا للعمل المنظم المشروع من شعب تمردي، ولإرادة جميع الشعب من ضجيج عصابة، وهنا لا يجوز، على الخصوص، أن تمنح الحال الممقوتة غير ما لا يمكن إمساكه عنها في أوثق نطاق الحق، ومن هذا الالتزام أيضا يستخرج الأمير فائجة عظيمة لحفظ سلطانه على الرغم من الشعب، ومن غير أن يمكن القول بأنه اغتصبه؛ وذلك لأنه بظهوره غير مستعمل لغير حقوقه يكون من السهل عليه كثيرا أن يوسع مداها وأن يزجر بحجة الراحة العامة”[4]

وهو ما يثبت أن الحجة القائمة للسلطة، تكون دائما بحجة الدفاع عن الحق العام، أو جلب الخير للشعوب؛ غير أن هذه الشعوب تطمح أكثر للمزيد من الحريات، مما يدفعها أحيانا إلى البحث عنها خارج السلطة، ومن ثمة يبدأ الانشقاق، أو التمرد في أقصى صور الثورة.

ولنا في ما أُطلق عليه الربيعُ العربي الصورة الحقيقية للثورة العربية، بعد أن كُشف الغطاء عن أشكال تسلطية، وأنماط حكمية غير عادلة في نظر المتمردين. ولا يمكن -طبعا- إثبات أو نفي أحقية المتمردين أثناء نزوعهم إلى الفعل الثوري، غير أن النتيجة كانت واحدة في أغلب الدول العربية التي عرفت أشكال التمرد، وهي كون السلطة الحقيقية هي التي تنبثق من صلب المقاومة، وإن استغل البعض هذه الثورات ليبسط حكما جديدا؛ ربما يكون أكثر سلطة من سابقه.

لقد توغل بعض الباحثين في عمق المشكل، وحاولوا أن يقدموا أدلة على كون الثورة أو النضال أو الانتفاضة أو غيرها.. كلها سبل للتغيير، بناء على واقع هش، جعل الأغلبية (الجمع) يقود الشعب (الأمة) لكسب رهان الانتقال من جدل الحضور، إلى بديل الثورة والتغيير. كما أن بعض المهتمين بالمجال الاجتماعي استطاعوا أن يقدموا نماذج للتفكير الثوري؛ سواء منه الغربي أو العربي في إطار ما سمي ب”الربيع العربي”. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ أحمد شراك الباحث السوسيولوجي الذي قدم بعض التفسيرات لمفهوم الثورة وبعض المصطلحات المجاورة.

يقول في هذا الصدد: “نميل أولا إلى مفهوم ثورة، دون غيره من وصف حالات التحول والتغير التي وقعت، والتي لم تنته بعد، وعندما نستبعد المفاهيم الأخرى، كالتمرد والانتفاضة، والعصيان المدني والنهضة.. إلى غير ذلك من المفاهيم…”[5]

ويأتي اختياره لمفهوم “ثورة” في سياق إيبستمولوجي ودلالي، يرد مصدره إلى:

  • المستوى اللغوي: ثار بمعنى هاج…؛
  • المستوى الدلالي: الثورة تدل على التغيير الشامل؛

لذلك يميل: “إلى الحديث عن ثورات بالجمع، لا بالفرد”[6]

وحين نرجع قليلا إلى القضية الأساس؛ وهي أشكال هذه المقاومة في الإبداع الفني (الأدبي خاصة)، فسنقف عند ما قدمه بعض المفكرين العرب، الذين شغلوا الناس برؤاهم الثورية، ونذكر على سبيل المثال جوابا عن سؤال “من هو المثقف الثوري؟”، حيث خلص زكي نجيب محمود إلى كون: “المثل الجديدة التي ترتسم في ذهن المثقف المعتزل فيكفيه ارتسامها، والتي يحاول المثقف الثوري أن يجاوز بها حدود ذهنه إلى حيث العالم الخارجي ليرغم هذا العالم على أن ينقاد للمثل الجديدة وأن يتشكل على أساسها، ليست مجرد رغبات وأمنيات يرغب فيها المثقف لنفسه ويتمناها لذاته…  إن التفرقة بين (المثقف) و (المثقف الثوري) هي نفسها التفرقة بيت (العلم للعلم) و(العلم للمجتمع)..”[7]

إن اقتباسنا لهذه الفقرة، لا يعني البتة إيماننا الكلي بما جاء به زكي نجيب محمود، بقدر ما يلقي الضوء على فكرة أساسية نود الإشارة إليها في هذا الصدد، وهي القول إن الثورة الحقيقة لا يمكن أن تتم دون إشراك المثقف[8]، بعيدا عن المثقف العضوي الذي يعي الانتماء والانخراط في الفعل الإبداعي، كما عرفه غرامشي بذلك: “العنصر المفكر والمنظم في طبقة اجتماعية أساسية معينة. ولا يتميز هؤلاء المثقفون العضويون بمهنهم، التي قد تكون أية وظيفة تتميز بها الطبقة التي ينتمون إليها، بقدر ما يتميزون بوظيفتهم في توجيه أفكار وتطلعات الطبقة التي ينتمون إليها عضوي.”[9]

لذا، يُقدم المبدع العربي على مثل هذه المواضيع، لتقليص الفجوة بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والإبداع. فينتقل من التوثيق إلى التخييل، ومن تسجيل الوقائع التاريخية كما يشاهدها ويعيشها، إلى درجة التمثل الفوقي، أي الابتعاد عن الواقع إلى ما فوق المحسوس.

ولعل هذا النهج ليس غريبا على الفكر العربي، بل نجد له أصولا في كثير من المصادر والمراجع، سواء منها الفكرية الفلسفية، أو الإبداعية عامة والسردية خاصة. لأن الوظيفة التأثيرية تبقى أساس العملية الإبداعية، والتأثير لا يمكن أن يقتصر على ما هو واقعي، بقدر ما يطمح المبدع من خلال إبداعه إلى خلق جمالي يتجاوز الحقيقة.

وحين نتحدث عن التخييل في المتن الروائي، فلا تغيب عنا الفروق اللغوية التي تصحب هذا المفهوم، فمن ذلك نذكر المادة اللغوية (الجذر اللغوي) “خ.ي.ل” والألفاظ التي تشتق منها، وهي:

الخيال- المتخيلة- التخيُّل- التخييل- الخيالي- المخيلات[10]

فالخيال أو المصورة هو ثاني قوى الحس الباطن، أما المتخيلة، فهي القوة الباطنة الثالثة، وهي لدى الكندي المصورة أو الفنطاسيا أو التخيل أو التوهم..، ثم التخيل، وهي قوة نستعيد بها نوعا من عدة أنواع من الصور.. والتخييل الذي يهمنا في مجال دراستنا، وقد عرفه علي آيت أوشان كونه نوعا من الانفعال: “وهو عبارة عن التعبير عن صور العالم الخارجي المنطبعة في المخيلة (تعظيم، تهوين، تصغير) تبعد عن الحقيقة الفعلية. والتخييل قد يحبب إلى النفس أمرا مكروها منها، وقد ينفرها من شيء مرغوب عنها..”[11]

فمن خلال هذا المدخل التنظيري نصل إلى تحديد بعض الخلاصات الأولية:

  • تداخل مجموعة من المصطلحات التي تدل على حقول دلالية مختلفة، فمن الجهاد المرتبط بالمحور الديني، إلى النضال الذي يؤكد صلة الفرد بالأرض، ثم الانتفاضة، فالثورة… والرابط بينها هو المقاومة، بوصفها تشكل نقطة التواصل بين الفرد/ الجماعة، وقوة الضغط الخارجية؛ مما يؤدي إلى تبني فكرة التغيير والبحث عن الخلاص؛
  • عدُّ الإبداع أحد المنافذ التي تتيح الفرصة للإنسان للتعبير عن مبدإ أو موقف ما، فالثورة أو المقاومة أساس بناء المجتمع الجديد، فيقف المبدع في مواجهة قوى الثبات، بالتعبير عن الفكرة أولا، لننتقل إلى الإجراء ثانيا؛
  • رصد التغيرات، لا ينبني على الإفصاح المباشر، بقدر ما يتبنى الإشارة والتلميح، وقد يلجأ المبدع إلى التخييل لربط الصورة بالخيال، فيقرب المفاهيم بطريقة أكثر تأثيرا؛
  • السرد أحد الأجناس الأدبية التي قلصت الفجوة بين الواقع والخيال؛ فاستطاع الروائيون أن يأخذوا طريق التعبير الحر، بعيدا عن الإحراج أو التضييق.

وحين الحديث عن التخييل، أو الخيال عامة، تحضر الأسطورة بوصفها متضمنة الإطار العجائبي أو الغرائبي، مما يوحي بتبني أفكار غير واقعية، في محاولة من المبدع إعطاءها الصبغة القريبة من الواقع.

لذلك جعل تودوروف الخيال أوسع نطاقا، وأكثر قوة على جذب القارئ، وتحريك دواليب الفكر والوجدان على السواء، وهو مستوى من مستويات العجائبي والغرائبي، إذ: “العجائبي السائد في مجتمعات تعتقد فيما وراء الطبيعة، حيث الغيبيات والسحر والكائنات غير المنظورة، إلى الشكل الخيالي تماما أو الخالص الذي ليس له تفسير، ثم إلى الغريب الذي يفسر كل أشكال الغرابة التي تنتجها القوى اللاشعورية.”[12] ولعل هذا ما قام به بعض المبدعين والروائيين منهم خاصة، حين غيروا المواقع، فجعلوا الواقع خيالا، والخيال واقعا. والأسطورة أكثر تعبيرا عن الحقائق غير المرئية، ومن ثم القدرة على تقريب بعض الرموز الواقعية، باستلهام الأساطير القديمة، أو استحداث أخرى من خيال المبدع: “إذ هي توحي بالعطاء المجنح للعقل الإنساني.. توحي بالحلم حين يمتزج بالحقيقة، وبالخيال وهو يثري واقع الحياة بكل ما يغفله ويطويه، وفي إسار من الوهم يخفيه ليخلق منه دنيا جديدة هي شعر الأحداث، وتهويم الطموح الإنساني نحو المعرفة ونحو المجهول.”[13]

وبطبيعة الحال، هناك فرق بين الخيال الذي يشتغل عليه الروائي، للكشف عن خيوط اللعبة السردية، والانطلاق بالقارئ إلى أجواء حياتية غير الحياة التي يعيشها، والخيال العلمي الذي يستند فيه الكاتب إلى أسس علمية واقعية، سواء من العلوم البحتة أو العلوم الإنسانية؛ فيرشد المتلقي إلى عوالم علمية ذات بعد إبداعي. وهذا يعكس السبيل المعتمد في التخييل الفانطازي، أو العجائبي والغرائبي الذي نسعى إلى توضيحه في هذه القراءة. ولعل الفرق بين السبيلين يكمن في الوسيلة المعتمدة؛ فما بين العلمي الذي يخدم الإبداع، إلى الخيال الذي يخدم الإبداع؛ سبيلان مختلفان شكلا ومضمونا. لذلك نجد أن الخيال العلمي أحيانا سباقا إلى الكشف العلمي الحقيقي. وقد أثبتنا سابقا هذه المعادلة في مقال استحضرنا فيه أثر العلم في الإبداع، أو استباق الإبداع للخلق العلمي[14]. كما أن: “الخيال العلمي غير الأدب العجائبي القائم على السحر والعلاقات غير الطبيعية/ المنطقية، والقوى الخارجية التي جسدتها الإنسانية في أدب الملاحم؛ /الأسطورة/ الفنتازيا (المصباح السحري، السجاد الطائر، التنين القاذف النار..)”[15] ولنا في الأدب العربي مجموعة من النماذج السردية الطويلة التي اختارت هذا المنحى، فمن ألف ليلة وليلة (مع اختلاف في أصلها)، إلى كليلة ودمنة، وحي بن يقظان، ورسالة الغفران للمعري، والتوابع والزوابع لابن شهيد وغيرها كثير لا يسع المقام لذكره.[16]

انطلاقا من هذه المقدمات، نصل إلى المحور الأساس، الذي سنقارب فيه التخييل الروائي، المتبني فكرة المقاومة، باستحضار كافة أشكال هذه المقاومة. كما أن الدراسة ستأخذنا إلى أحد أشكال المقاومة في التخييل الروائي مع رمز من رموز الرواية العربية المعاصرة -وإن كان اسمه غير متداول- وهو الكاتب المصري عمرو عبد الحميد.

 

2- عمرو عبد الحميد واكتشاف طرق المقاومة في السرد العربي

عمرو عبد الحميد كاتب مصري شاب، من مواليد 1987، تخرج من كلية الطب المنصورة (2010)، تخصص مجال جراحة الأنف والأذن والحنجرة.[17]

من مؤلفاته الروائية:

 

أرض زيكولا (2010) خالد شاب مصري، دخل سرداب في غرفة مهجورة بقريته، ليجد نفسه في عالم غير عالمه، العملة المتداولة هي وحدات الذكاء. تأخذ الرواية في أجزائها الثلاثة مسارات مختلفة: ذاتية، فنطازيا، تخييل…
أماريتا (2016)
وادي الذئاب المنسية (2024)

 

قواعد ﭼارتين (2018) يقول عمرو عبد الحميد: “سنسافر مع الطبيب فاضل الذي غادر مسقط رأسه إلى منطقة تسمى بني عيسى، ليبحث هناك عن وظيفة.. لينتهي به الحال بمقابلة الفتاة ديما تنتمي لمدينة ﭼارتين. ولكنها أصبحت ملعونة، ويجب عليها القيام برحلة طويلة صحبة الطبيب..”[18]
دقات الشامو (2019)
أمواج أكما (2020)

 

لماذا إذا الاستشهاد بروايات عمرو الحميد للكشف عن المقاومة؟

كتب عمرو عبد الحميد ثلاثيته الثانية “قواعد ﭼارتين” على امتداد ثلاث سنوات، وقد ضمنها سرد أحداث تجمع بين الواقع والخيال، غير التخييل الذي استوحاه الكاتب من استحضار حياة سكان مدينة جارتين، فكان الهدف منها مقاومة هذه القواعد التي تضر بفئة معينة.

بالعودة إلى الرواية (الثلاثية: قواعد ﭼارتين، دقات الشامو، أمواج أكما) يمكن اكتشاف صور المقاومة من خلال ما يأتي:

أولا: عدُّ المقاومة شكلا من أشكال رفض الواقع، لذلك سنبحث عن صيغها بدءا من المواقف الذاتية ومرورا بالقواعد الخاصة، وصولا إلى الانتفاضة الجماعية؛

ثانيا: ربط أدب المقاومة بالتخييل، مما يوحي بأهمية الترميز والإيحاء، أو الإشارة إلى أمور خفية يتوجب علينا البحث فيها؛

ثالثا: الأبعاد الإنسانية العامة لأدب المقاومة من خلال روايات عمرو عبد الحميد.

 

3- أشكال المقاومة في رواية قواعد ارتين:

يقول الكاتب عمرو عبد الحميد في مقطع من رواية “قواعد ﭼارتين”: “رأيت بعيني كيف كان يقاوم روحه النسلية[19]، وأدركت جيدا أن تمالك نفسِه أمام من تعمدوا إيذاءه لم يكن إلا قوة فحسب. لو ترك المجال لتلك الروح بداخله لتقود جسده لقتلهم على الفور، لكن حينها لن يكون لجسده سبيل إلا المنصة الملعونة ليتركنا جميعا.. هذا الذي أعطى لنا أملا كبيرا لنمسي أشخاصا عاديين لا نقل عن الشرفاء في شيء.. كان بتعلميه لنا يدرب نفوسنا للسيطرة على الروح الآثمة وقتما يتعلق الأمر ببقائنا أحياء.”[20]

من خلال هذا المقطع، نخلص إلى المقدمات الأولية للمقاومة (التخييلية) في الرواية، وهي على الشكل الآتي:

  • المقاومة الداخلية: مقاومة الروح النسلية؛
  • المقاومة المضادة: عدم مجابهة الآخر، قوة في حد ذاتها؛
  • المقاومة الفعلية: التعليم ومقاومة الجهل؛
  • مقاومة القواعد والقوانين: المنصة الملعونة؛
  • المقاومة المسلحة: القتل.

فالملاحظ إذًا، أن كل هذه الأنماط التي استنتجناها في ثلاثية عمرو عبد الحميد، جُمعت في هذا المقطع من الجزء الأول. وهي عبارة عن بؤرة دلالية تفي الغرض، وتهدف إلى تبسيط مفهوم المقاومة كما سيأتي ذكرها لاحقا. لذلك، ما يمكن الإشارة إليه، هو أن الكاتب في هذه الرواية استطاع أن يتجاوز مفهوم المقاومة البسيط، أو المفهوم المتعارف عليه؛ بتسليط الضوء -سواء عن قصد، أو عن غير قصد- إلى أنماط مختلفة من المقاومة، وهي تسير وفق تسلسل منطقي، يبدأ من السهل للوصول إلى الأسمى والأصعب، وهو المقاومة المسلحة التي تبناها الكاتب في آخر الرواية، ما جعلت “فئة” أو “طبقة” النسالى تحوز النصر، وتفوز بالمعركة الكبرى لاسترداد الحقوق المسلوبة سابقا.

وسنعرض من خلال التحليل اللاحق، أنماط المقاومة كما أشرنا إليها سابقا. وطبعا، بتقديم أساسين اثنين:

أولهما: التركيز على المقاومة، بوصفها المحور الرئيس في هذه المقاربة النقدية؛

ثانيهما: الاستئناس بتيمة التخييل، للخروج من دائرة التعريف اللغوي البسيط للمقاومة، إلى صيغ جديدة ذات أبعاد وظيفية مختلفة.

3-1- المقاومة الداخلية:

إذا كانت المقاومة في تعريفها العام، تخلص إلى العلاقة بين الأنا/ النحن، والآخر/ الهو- الهُم، على أساس مناهضة فعل معين، أو نتيجة لضغط خارجي يفرض الانتفاضة، والنضال لاسترجاع حق مسلوب؛ فإن المقاومة الداخلية نقصد بها مقاومة فعل داخلي يعيشه الإنسان، سواء عن قصد أو دونه.

بالعودة إلى رواية “قواعد ﭼارتين” يقربنا الكاتب عمرو عبد الحميد من هذا المفهوم بتشخيص حالة كل من البطلين: نديم وآدم. فنديم وهو نسلي (الطائفة المنبوذة)، يعيش حالة الضغط الداخلي، الذي ينشأ على فوران الذات، وعيش حالة التمرد، التي تظهر عبارة عن انتفاضة قوة داخلية، تبرز على شكل قوة خارجية، يقوم خلالها البطل بلكم الجدار أو أي حاجز أمامه: “عاد سيدي إلى انتفاضاته وزئيره الصارخ المتواصل.. كان الزئير تلك المرة أقوى من المرات الكثيرة الماضية.. ومعه انتفخت عروق جسده، وخاصة رقبته بصورة مرعبة، جعلتني أظن أن الدماء ستنفرج منها.. حتى أن الخوف قد سيطر علي، فابتعدتُ مهرولا إلى ركن بعيد بالكوخ، واستعدتُ للهروب بعدما ظننت أنه سيقطع الحبل السميك الذي قيته به، لكنه انهار بعد فترة من الوقت، وهو يقول لي:

  • هناك شيء ما يتحرك بداخلي..

كنت أشفق عليه كثيرا، فقلت:

  • ستعبر هذا العام..

لكنه واصل همهمته وهو يلهث:

  • هناك شيء ما يتحرك بداخلي بقوة.”[21]

ما يهمنا في هذا المقطع الذي يسرده “ريان” أحد أصدقاء نديم، أنه يصف الحالة التي يكون عليها نديم حينما يصبح في حالة ثورة، وحالة هيجان، تتبدل معها صفاته الإنسانية، ويَعْبُرُ إلى عالم “الحيوان” بقوته وجبروته. لذلك طلب نديم من صديقه ريان أن يقيده حتى لا يقوم بأعمال عنف في حق ذاته، وألا يتصرف بطريقة جنونية تترك آثارها، وكدماتها على جسمه.

لذلك، أطلقنا على هذا النمط الأول، سمة “المقاومة الداخلية“، كون “النسْلِيِّ” الذي يحمل هذه القوة، يستطيع أن يتغلب على كل أشكال العنف الخارجي، لكن الحالة الاجتماعية التي يعيشها تفرض عليه ألا يقوم بإبراز هذه القوة، وهذه الانتفاضة؛ وإلا سيكون مصيرة الإعدام. وسيأتي ذكر نمط آخر من المقاومة لاحقا يحمل هذه الصفة. فنديم يقوم بانتفاضة داخلية، ليعَبِّر عن الرفض الذي يقتنع به، يستمر على هذه الحالة حين يتعرض لنوع من الاستفزاز أو الضغط الخارجي.

ومن الأمور التي تجعل القوة الداخلية سمة من سمات المقاومة، هو انتقالها إلى شخص آخر في حالة الإعدام مثلا، وهو الواقع الذي جعل “آدم” يعيش القوة الداخلية نفسها، وإن كانت ذات موقف مضاد؛ جعله يهاجم أبناء جلدته في البداية. فآدم، بطل من نوع خاص، يملك القوة النسلية الداخلية التي تفرض سلطتها وجبروتها على باقي النسالى. ويملك القدرة على الانتقام بشتى الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة، ليكرس مبدأ القوة الكامنة، والمستترة، التي تأخذ طابع القوة الداخلية.

والجدير بالذكر أن البطلين معا، سواء نديما أولا، أو آدم لاحقا، يفقدان الوعي أثناء هيجانهما، فيقومان بأعمال عنف على ذاتيهما، ويفرغان القوة الداخلية في صورة مقاومة للحواجز والعقبات التي يجدانها أمامهما. تحكي سيرين وهي رفيقة آدم، وقد اعتنت به منذ لقائها به: “أصابني الفزع الشديد حين رأيت آدم ملقى على الأرض تسيل الدماء من قبضتيه.. وأسرعت نحوه وجثوت على ركبتي بجواره لأتأكد أنه لا زال حيا…”[22]

ويختار المؤلف في هذه الرواية تشخيص حالة المقاومة الداخلية، بإكساب النسلي المتحول -كما سماه- صفة الحيوانية المتوحشة، وهو دليل على كون المقاومة الداخلية تأخذ صبغة قصوى تتجاوز ما هو كائن، لتصل إلى درجة التخييل السردي، المعتمد على القواعد الأساس التي تبعد المتلقي عن الواقع، وتجعله يقبل هذا الشكل من الانتفاضة الداخلية، بناء على فوضى الحدث، أو الابتعاد من المحسوس إلى المتخيل.

كما أن المقاومة في هذا الحيز الأول، تكشف حقيقة الذات المناهضة للظلم والاحتقار، فينتقل من النضال المسلح، أو النضال الثوري الواقعي، إلى شكل من أشكال التفريغ الذاتي. وهو ما تشير إليه بعض الدراسات النفسية التي تسوغ هذه الحالة إلى مبدإ التعويض.

ويعد التعويض في علم النفس من أهم الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان للتكيف مع واقعه، بتكريس القوة الباطنية التي تشغلها ذاته؛ فيؤسس عليها قواعد شخصية يحاور من خلالها النواقص، فيحولها إلى قوة، قد تكون سلبية فلا تظهر ملامحها، وقد يصيِّرها إيجابية بتفريغها في قوالب غير الأصل التي نشأت عليها.

لذلك، فلجوء الفرد إلى مثل هذا السلوك، منبعه قديم، ومرجعه نفسي، يعود إلى الماضي الذي عاشه، إن كان واقعيا أو خياليا؛ كما في حالة نديم وآدم في روايات عمرو عبد الحميد، حيث انتقال روح نديم إلى آدم، ولَّد لديه شعورا لا واعٍ بأهمية النضال، وأفرز داخله القوة النسلية التي لا يمكن الانفصال عنها: “إن شعور الفرد الاجتماعي هو الذي يحدد هدفه في التفوق، ونحن لا نستطيع الحكم على الفرد بدون أن نقارن بين هدف الفرد في التفوق وبين مدى ودرجة شعوره الاجتماعي، لأن الهدف مبنى -إذا تم تحقيقه- يعد بإمكانية الشعور بالتفوق، أو يرفع الشخصية لمستوى سيجعل الحياة -تبدو كما لو كانت- تستأهل الجهد المبذول من أجلها، وأن هذا الهدف هو الذي يعطي قيمة للخبرات التي نمر بها، لأنه يربط وينظم مشاعرنا، ويشكل خيالاتنا، ويساعد على توجيه القوى الخلاقة فينا، ويحدد ما سوف نتذكره وما يجب علينا أن ننساه.”[23]

ومن هنا، نكشف العلاقة بين الذات والواقع من جهة، والخيال والأهداف المسطرة من جهة ثانية؛ إذ الكاتب عمرو عبد الحميد جعل قواعد ﭼارتين أساسا لتسطير الأهداف التي يسعى النسلي المناهض توظيفها أولا، ثم تجاوزها بأي شكل من أشكال المقاومة والنضال. فكان السبيل الأول هو المقاومة الداخلية، وهي سبيل للوصول إلى القوة التي ستضرب في النهاية كل القواعد، وتسيطر على الواقع، فتخذل الأشراف، وتقوي كفة النسالى.

3-2- المقاومة المضادة:

المراد بالمقاومة المضادة شكل من أشكال الانتفاضة المعكوس؛ فحينما نؤكد أن الصراع الحقيقي في رواية “قواعد ﭼارتين” بأجزائها الثلاثة قائم بين الأشراف والنسالى، فهذه المقاومة اتخذت نمطا مضادا؛ رسميا ونهائيا مع “غفران” حينا، واستثنائيا مع “آدم”.

فغفران -بصفتها ضابطة الشرطة- التي أحبت “نديم”، انتفضت ضد القواعد “الﭼارتية” حينما قامت بإعدام عشيقها نديم، فانتقلت للعيش وسط النسالى، حتى صارت قائدةً ومسيرةَ أمورهم. ومن ثمة انتقلت من الدفاع عن الأشراف، ومناهضة النسالى، وتحقيق السلم والأمان داخل مدينة الأشراف، وباقي المناطق التابعة لها؛ إلى رمز من رموز النسالى، فتشبعت بروحهم، وأخذت الوشم المميز لهم، ودافعت عن حقوقهم. لذلك: “أصدر القاضي الكبير بسحب صفة الشرف منكِ، مع إبقائها لأخيك بعدما تبرأ من قرابتك رسميا بأوراق دار القضاء.”[24]

أما النموذج الثاني، فيمثله “آدم”، الذي سبقت الإشارة إلى محطته الأولى في المحور السابق. فآدم الذي أخذ روح نديم -عشيق غفران- في يوم الغفران، انصهر داخل مجتمع الأشراف، بسبب علاقة الصداقة التي ربطته بزهير ابن أحد قادة الأشراف. وقد عبر عن مقاومته بمساهمته في قهر المتحولين من النسالى خلال مختلف مراحل الحروب التي دارت بين الأشراف والنسالى.

كما أن “زهير” ارتاب من تصرفات آدم، وقد أخبر والده القائد بذلك، فتم تكليفه بحماية الأشراف من آدم، ومراقبته والتصدي لأية مقاومة يمكن أن تصدر عنه. وبذلك يتأكد أن المقاومة المضادة تكون دائما محفوفة بالمخاطر. وقد تركزت قوة الأشراف في الاستفادة من هذه القوة لمقامة النسالى بالقوة نفسها التي يملكونها.

قال والد زهير لابنه، حينما كلفه بمراقبة آدم، وفي الوقت ذاته دفعه إلى القيام بالضغط على النسالى، وإبراز قوته، والبرهنة أنه يقوم بثورة مضادة:

“إن كان ما تعتقده بشأنه صحيحا، فإن قدرته على إخماد أرواح النسالى هي أقوى ما نمتلكه الآن. لكنا لن نطلب من أن يقوم بها، سنرى إن كان سيفعلها من تلقاء نفسه من أجل حماية بلدنا أم لا..”[25]

كما أن غفران ذاتها، عانت من الضغط نفسه، فحين قررت المقاومة لصالح النسالى، وقد كانت سابقا ضابطة في صفوف الأشراف، مكلفة بإعدام النسالى المجرمين أو المذنبين؛ كان فعلهم (النسالى) مترددا في البداية، ولم يستطيعوا أن يركزوا على تمردها، بقدر ما أصابهم الشك في كونها ستعود لا محالة إلى أصلها، فتدمِّرَهم جميعا، وتنتقم منهم. ولعل مقاومة ريان، وثورته على الأشراف -وقد كان ملازما لنديم وصديقا له- جعل تصديقه لغفران أمرا مؤجلا، فحاول أن يبرر مواقفها، في محالة إبعاد الشكوك.

لكن ما أكد له صدقها، هي مقاومة الأشراف أنفسهم، والبرهنة على صدق نواياها، بالتفكير في سبل الانتقام والتحدي. ومن المؤكد أن الإيمان بأفكار “غفران”، والانصياع لأوامرها لم يأت من فراغ، بل كانت وراءه تحديات صعاب؛ واجهت النسلي الذي شكك كثيرا في نوايا هذه “الشريفة/ الضابطة”، وفي الوقت ذاته، كان الحماس يأخذهم إلى تبني أفكارها، لمقاومة الاضطهاد، فكانت المقاومة مضادة من قبل “غفران” التي تبنت أفكارهم، وساهمت بقسط وافر في توفير لهم سبل الحياة الكريمة. وقد كان لريان، صديق نديم، رأي مخالف في البداية، إلى أصبح من قادة غفران: “قال في نبرة حادة:

مكانك ليس هنا سيدتي.. أتعلمين، قبل أن أراك اليوم تمنيتُ كل لحظة لو جاءتني الفرصة لأقتلك بما فعلته بسيدي.. لكي الآن لا أعلم ماذا أصابني.. ارحلي فحسب، دعينا وشأننا، ويكفينا ما حدث.”[26]

إذاً، من خلال هذه الالتفاتة إلى سمة المقاومة المضادة، يتضح بالملموس، أن الذي يفكر في الانتقام من الظلم والظالمين، لا يهمه إن كان مع أو ضد انتمائه. فآدم، وإن قام بمقامة معكوسة، فإن الحقيقة ظهرت له أخيرا، ونكص عن جحوده، وعاد إلى هديه، وقاوم “المقاومة المضادة”. أما غفران، فقد انبرت عن واقعها الظالم، ودافعت عن الحق الذي يؤمن به النسلي، فتجردت من لبوس الأشراف، إلى صفة النسالى، بعقيدتهم النضالية، ووشمهم المرسوم على ذواتهم؛ كأنها بذلك رسول الحق، وناصر العدالة الاجتماعية في ظل الحقد والظلم والغبن الذي سلطه الأشراف على النسالى.

 

3-3- المقاومة الفعلية: التعليم ومقاومة الجهل

من القضايا ذات الأولية، الصحة والتعليم، وقد لاحظنا أن الكاتب عمرو عبد الحميد في رواياته يركز على هذه الثنائية، فبداية “قواعد جارتين” تختار الطبيب فاضل أساسا لبناء الفعل السردي، ويجعل منه قوة ضغط إيجابية سواء بالنسبة للمريضة ديما، أو من خلال مشاركته في كل الحملات الطبية، أو العلاجية، ومساهمته في التطهير النفسي، والتفكير في الحلول المناسبة والفعلية التي يقاوم بها الظلم والجبروت المسلط من قبل الأشراف.

إلى جانب المحور الصحي، نجد أن المقاومة الحقيقية التي أسست بها “غفران” قضيتها، وركزت عليها ببناء مجتمع قادر على المقاومة ضد أشكال القهر الاجتماعي، هي “التعليم”. ولم يكن بوسعها التصدي لأشكال الجهل بالقضية والمبدإ الاجتماعي المشكل لتيمة النص الروائي في “قواعد جارتين”، بقدر ما استلهمت فكرة التحدي الاجتماعي، وممارسة تغيير بنية الفكر السائد، وتنوير الآفاق لتحقيق السلم الاجتماعي أولا، والتدرج لاختيار الفئة القادرة على التغيير ثانيا، والاستفادة من خدماتها للقضاء على كل جوانب الفقد داخل المجتمع الذي يعيشون فيه ثالثا، ومنه إلى المقاومة الفعلية “المسلحة” التي تكون قاب قوس أو أدنى من الرؤية المستقبلية، المستشرفة للنصر والتفوق العسكري.

إن ما قامت به غفران، لا يخرج عن نطاق التأسيس الفعلي للمقاومة الحقيقية، وهي مقاومة الجهل والأمية والرذيلة. لذلك، فأول ما قامت به حينما التحقت بوادي النسالى، أنها لفكرت في بناء المدرسة، أو بالأحرى إعادة الحياة لها، بعد أن انقطع نديم عنها، وانتقال روحه إلى جسد آدم.

فمن غير المعقول إذاً، أن تمارس فعلا معينا بعيدا عن نوايا سليمة، أو العكس كذلك، ومن ثمة فما قامت به “غفران” لم يكن تحديا شخصيا فحسب، بل تراها منصاعة أمام أهوائها ومبادئها على السواء، تقوم بتعليم الفتيات، والصغار، وتحارب فعل الرذيلة الذي كان يدفع الشابات إليه. ولعل الهدف الأسمى من ذلك، تخطي الواقع، ليصير ممارسة يومية، أو بعبارة أخرى مخططا ونهجا سياسيا وإيديولوجيا: “يهذب العمل الصالح المجرمين، كالعلم تماما، دعهم يجدون أنفسهم التائهة منذ سنوات طويلة، لا بد وأن أرواحهم قد عانت كثيرا.”[27]

انطلاقا من هذه المدخلات، نستطيع التأكيد الآن، أن المقاومة كما عرفتها كتب النقد والسياسة، لا تصطدم بالواقع فحسب، بل قد تتجاوزه إلى الخيال. ولنا فيما قدمه عمرو عبد الحميد في ثلاثيته “قواعد ﭼارتين” خير مثال، ونموذج على التحدي الذي سوغه وسيلة لتأكيد المقاومة ضد كل أنواع القهر والاضطهاد والظلم والعبودية.. في مدينة عاش فيها أهلها منقسمين إلى فئتين: الأشراف والمنبوذين/ النسالى، فلم يكن أمامهم إلا مجابهة الظلم بالظلم ذاته في البداية، فكان النهب والسرقة وقطع الطرق؛ وهي وسائل كانت تسبب لهم فعل الانتقام، إلى حل العقل مكان الجهل؛ فقامت “غفران” بفعل مضاد، وقاومت الأصل الذي عاشته، فوجدت المساعدة من ريان صديق عشيقها نديم، ومن الدكتور فاضل الذي كان لتعيينه بمنطقة بني عيسى ورحلته إلى ﭼارتين مدخلا أساسا للتعريف بأدب المقاومة، من حيث تبنيه الأفكار البانية بدل الهدامة، وتحديد المواقف السليمة التي توجه أكثر مما تشتت.

والملاحظ أنه حينما فقد النسالى الثقة في القائدة غفران، رجع الجهل يتوغل إلى عقولهم ووجدانهم، وهذا أيضا دليل على كون المقاومة المضادة تبقى نسبيا غير ناجحة في البداية، بسبب تردد التابعين، وعدم إيمانهم المطلق بفكرة الآخر، الذي كان سابقا عدوا، مما يجعل الاتباع في أصله محفوفا بالمخاطر، إذا لم يوطد العلاقة بين الجهتين. وإذا لم يبرهم المقاوم على حسن نيته، بالإصرار على الفعل الحسن، والتنظيم المعقلن.

ولعل هذا ما قامت به “غفران”، إذ لم تستلم، وإن خالجها نوع من الفتور أحيانا، فاستمرت في التحدي، وجندت كل أفكارها لتجعل الآخر يؤمن بفكرة المقاومة. فمن بين السبل المتاحة أنها وضعت الوشم الذي يميز النسلي عن الشريف، ولبست الزي المميز لهم، واتبعت كل العادات التي كانوا يزاولونها، دون أن تنصاع طبعا إلى الأهواء التي قد تشتت ما بنته سابقا.

“لقد قررت أن أكون النسلية الأولى التي لا تكف عن نخر جدران ذلك الإطار.. كان النسالى يفتقدون قدوة منهم، وقد ساعدنا سادة ﭼارتين على تحقيق هذا الأمر..

إنني أفتخر بوجود هذا الوشم على كتفي، لا أخجل منه، وسأواصل ما بدأته حتى آخر لحظة من عمري، ومتى شعر النسالى بهذا الفخر، سيواصلون طريقهم معي أكثر مما مضى.. سيسقط منا الكثيرون.. لكن هناك صغارا قادمين سينشؤون على هذا الفخر.”[28]

إنه الاستمرار الذي يؤسس لفعل التحدي، وبناء المستقبل القائم على التضحية، والتضحية المتبنية لمبدإ المقاومة والنضال والثورة ضد أسباب القهر والجهل والفقر وغيرها…

3-4- مقاومة القواعد والقوانين: المنصة الملعونة

تأتي القوانين والقواعد المتعامل بها في الغالب في إطار من التوافق والتكامل بين الأطراف، وتستجيب غالبا لمتطلباتهم، وتحوز قسطا وافرا من المصداقية والشمولية والتفكير القائم على المساواة والعدل وغيرها. وحين تغيب هذه الضوابط، نصطدم بمجموعة من الاحتجاجات التي تفقد معها العلاقات أواصرها، وتبدأ الاحتجاجات التي قد تصل إلى فعل المقاومة والثورة. ولعل التغيير في دساتير مجموعة من الدول العربية بعد الربيع العربي 2011 دليل على قوة الضغط التي توفر مساحة من المراجعة القانونية.

بالعودة إلى قضية المقاومة، وما تقتضيه من مسببات، فتكون منساقة وراء مجموعة من الدوافع الذاتية والموضوعية. لذلك، تأخذ العلاقات الاجتماعية والسياسية سبيلا مخالفا حين يبدأ طرف معين في الاحتجاج لتغيير القواعد، وهذا ما حدث مع النسالى في روايات عمرو عبد الحميد.

نبدأ من العنوان ذاته “قواعد ﭼارتين”، حيث تشير إلى وجود قواعد وقوانين تحكم هذه المدينة. وتستمر أو تتوقف حسب درجة التفاعل معها، وقد يحتكم أحيانا إلى القوة البدنية والجسدية لتمريرها، أو توقيف عدم المنصاعين لها.

في الجزء الثاني من الرواية “دقات الشامو”، نقرأ مقطعا من حوار للطبيب فاضل، الذي يؤشر فيه إلى العلاقة الضمنية التي اكتشفها أثناء تفاعله مع أعراف وقوانين ﭼارتين:

“- منذ خلق هذا الكون، ويقوم قانون الحياة بين قطبين، أحدهما ظالم والآخر مظلوم.. أما النسالى فقد شغلوا الجانب المظلوم في ﭼارتين، جانب مظلوم ضعيف يتماشى بقوة مع هذا القانون.. لو تركنا نرحل لتبقى الأشراف فقط، لكن هذا القانون لن يتوقف عن عمله، ولن يرحمهم.. سينقسمون بين أنفسهم إلى ظالم ومظلوم يمتلكان القوى نفسها تقريبا.. سيأكلون بعضهم بعضا إلى أن ينهار هذا البلد، لذا يظل بقاء النسالى هاما لبقاء ﭼارتين.”[29]

ولتأكيد المقاومة التي تبنتها مجموعة من أبطال الرواية، يمكن الإشارة إلى بعض أشكالها من خلال ما يأتي:

  • تمسك غفران بحبها لنديم، بالرغم من القواعد العامة التي تجرم ذلك. وقد أكدت والدة غفران ذلك، حين أشارت إلى أن: “النسالى خائنون.. كاذبون.. أنانيون.. كان يعلم من اليوم الأول أنك امرأة شريفة، ومع ذلك واصل غوايته لك كي يعلق قلبك به، شيطان من شياطينهم.”[30]؛
  • مقاومة “غفران” قواعد المنصة، وقتل نديم الذي اقترف جرما بواسطة خنجرها، بدل رميه بالرمح، وهو ما يعد خروجا عن القانون، وعدم تطبيق قواعده، مما يلزم فاعله العقاب. لذلك، سارعت “غفران” إلى تنازلها عن وظيفتها مقابل الالتزام بما اتفقت عليه مع نديم، حين أخبرته أنها ستتزوجه متحدية كل الأعراف، وأنها ستقتله بخنجرها إن ارتكب إثما. فقامت بنزع سلاحها، والاستسلام أمام قرارها النهائي: “ثم وجدتني أخلع حزامي الجلدي المحيط بخصري لألقي به على الأرض بجواره، ثم فككت أزرار سترتي العسكرية التي تحمل شارتي وخلعتها..”[31]؛
  • خروج غفران إلى وادي النسالى، متجاوزة القوانين؛
  • الإعلان عن أول زواج شرعي بين النسالى: بين “حيدر” و”سبيل”؛
  • تعيين قاض من النسالى لإعلان الزواج؛
  • اختراق “خُشيب” قواعد ﭼارتين” بالموت التطوعي حين يبلغ الخمسين، وقد أكد ذلك بقوله: “أُدعى خُشيب، كنت من أشراف مدينة طُبيرة قبل أن أخترق القاعدة الأولى.”[32]؛
  • أما عن القواعد الأصلية، فقد تم الاتفاق على تدوينها بجدار ﭼارتين، وقد أكدت ذلك النقوش المرسومة بالكهف الذي دل عليه العجوز “خُشيب”، بعد أن نزل عند غفران بوادي النسالى، وهي تشير إلى:
  • يُقتل كل من تزوج من في الباحة خلال الأشهر الماضية رجالا ونساء؛
  • يقتل كل النسليات الحوامل سواء عن زواج أو رذيلة؛
  • يقتل النسالى البالغون ويقتادون إلى سجون جويدا مقطوعي الألسنة…[33]

هذه بعض القواعد التي تم الاتفاق عليها، بين النسالى المضطهدين والأشراف أصحاب القوة والنفوذ، ونحن نعرف أن القوة تكون دافعا للسيطرة، والنفوذ لا يتم إلا عن طريق فرض ما يجعل الضعيف منصاعا أمام الآخر؛ وهذا ما وقع بالضبط في حالة رواية “قواعد ﭼارتين”.

 

3-5- المقاومة المسلحة: القتل

باستمرار المقاومة ضد الاضطهاد والقهر والظلم الاجتماعي، يتفق المناضلون على تكريس مبدإ أساس، وهو أن المقاومة لا يمكن أن تستحوذ على الشكل السلمي دائما، وأن اختيار النضال المسلح قد يكون حلا أحيانا لتجاوز العقبات التي تفرضها القوانين الداخلية. لذلك، غالبا، ما يستأثر التسلح بأولويات بعض الشعوب أو الدول. كما أن اختيار النهج الثوري القائم على رفض القوانين والأنظمة، لا يمكنه الاعتماد على الكفاءات المحلية دائما، بل يستفاد من بعض الدعم الخارجي، لفرض السيطرة وتأمين النصر.

في “قواعد ﭼارتين”، تم تشكيل فرق مقاومة محلية داخل وادي النسالى، لكن قوة الأشراف واعتمادهم على سر غلبة النسالى (التحول إلى قوة حيوانية مع آدم الذي كان يسير باقي النسالى، ومن ثمة طاعتهم له فرضت نوعا من اللاتوازن الحربي)، جعلهم يفقدون القوة، ويتكبدون هزيمة نكراء في بداية الواقعة.

في آخر المطاف، وبما أن القوة المسلحة تُضبط بالذكاء، ويسرها العقل البشري أكثر امتلاكا للمناورات العسكرية، فإن آدم استرجع وعيه، بعد قتل طفل سبيل، وتحويل دمائه إلى مصدر قوة ونصر: “بعدها سمعت غفران زئيرا قويا للغاية ينبعث من القفص المعلق فوق العربة الحديدية لنجد آدم قد استحال إلى هيئة زائرة بجسد قوي ضخم لم تر زائرا يتمتع به من قبل وبدأ يضرب قضبان القفص بقبضته بقوة..”[34]

فمن خلال هذا التحدي الذي صاغة الكاتب عمرو عبد الحميد، في “قواعد ﭼارتين”، ينبع الجانب الإنساني الذي يخدم القضية الأساس، ويجند كل الطاقات ليخلق القواعد المبنية على أنقاض المقاومة الحقيقية: مقاومة كل أنواع الاستبداد والعنف، إلى جانب -طبعا- المقاومة المعرفية، والمقاومة المسلحة التي يتزعم حركتها أناس يملكون قدرا من الوعي السياسي، والوعي الاجتماعي، إلى جانب القدرة على التكيف، والزعامة والقيادة، وهي من الأسس التي تجعل التابع مؤمنا بالفكرة قبل الانصياع الكلي مع القائد. وقد لاحظنا في الرواية أن شخصيات كغفران، وريان والطبيب من جهة، وأفراد النسالى المتحولين كنديم وآدم ونمور الشامو أدوْا وظيفة مثلى للتغلب على كل أشكال الجهل.

فالرواية التي نحن بصدد تحليل مكونات المقاومة في متنها، لا يمكن أن تنقطع عن الواقع الحقيقي. فما قامت به غفران قد نتوقع حدوثه في أي واقع إنساني، تتفشى فيه روح الظلم والجبروت؛ فيخرج من بين القوم الظالمين فئات معادية للظلم، ومدافعة عن الطبقات المضطهدة.

كما أنه من الأخلاق الإنسانية العامة، التشبث بالأمل في الحياة، والعمل على بث روح التسامح أحيانا حتى لا يغلب الشر على الخير، وتستمر الحروب بين أفراد ومجتمعات مختلفة. ولعل هذا ما أشارت إليه غفران حين وقفت أمام آدم، توجه مسدسها نحوه، لكن عفوها سبق الزناد، فهرب آدم، مخلفا وراءه زوبعة غبار.

لكن في الوقت ذاته، تكون المقاومة سبيلا لتحقيق النصر المزدوج؛ النصر الشخصي للفرد مقابل فرد آخر، والانتصار الجماعي ضد الفئات الطاغية. وقد عبر ريان عن الموقف الجماعي للمقاومة، بوصفه رؤية للتغيير الجذري للواقع، وعودة الهيبة للنسالى الذين ماتوا، أو قتلوا في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية.

جاء في رد لريان على غفران، حينما عفت عن آدم وتركته يفر هاربا: “ولحسن حظنا أن نهاية هذه الرحلة ستكون مريحة لنا في الحالتين: إما أن يقتلنا كيوان ونرتاح أخيرا من ذلك الشقاء، وإما أن ننتصر ونزيل القواعد التي سببت لنا كل تلك المتاعب.”[35]

وهذا المقطع، يمكن عده خلاصة الرواية ككل؛ إذ إن النسالى عاشوا حياة ذل منذ فرض القواعد الجارتية عليهم، ولم ينعموا بحياة الكرامة إلا حين قادت “غفران” حملة الثورة ضد أشكال القمع والاستبداد والظلم، فكان من نصيب الفرد أو الشعب النسلي أن عرف قيمة المعرفة، وقيمة العلم، وقيمة التعلم. كما ساير غفران في كل مراحل المقاومة التي شنتها ضد الأشراف، وهي أصلا واحدة منهم سابقا، لكن مقاومتها العكسية جعلتنا تقف وقفة المدافع عن العدالة الاجتماعية، وإن كان ضد الأهل والصحاب.

 

تركيب

نخلص مما سبق، أن:

  • الرواية التخييلية لم تسلم من دفاعها عن الإنسانية عامة، وقيامها بدور المقاومة في شكلها السردي الخيالي؛
  • اعتماد عمرو عبد الحميد في ثلاثيته “قواعد ﭼارتين” على قواعد النضال الاجتماعي والسياسي، فكان النصر حليف الضعيف، بما أوتي من قوة وذكاء؛
  • استناد الرواية إلى البعد الوظيفي للتخييل، الذي يتجاوز الخيال العادي، إلى الخيال المبني على التفكير العميق في كل أشكال المقاومة؛
  • البرهنة على قيمة المقاومة بأنماطها، دليل على كونها متعددة الجوانب، لكن بأساس إنساني واحد.

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع

 

  • ألفرد آدلر، Alfred Adlerالطبيعة البشرية، ت. عادل نجيب بشرى، منتدى مكتبة الإسكندرية، 846، ط. 1، 2005.
  • علي آيت أوشان، التخييل الشعري في الفلسفة الإسلامية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط. 1، 2004.
  • ابن حجر، فتح الباري لشرح صحيح البخاري، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، ط. 1، 1991.
  • شاكر عبد الحميد: الخيال، مجلة عالم المعرفة، ع 360، فبراير 2009.
  • فاروق خورشيد: أديب الأسطورة عند العرب، جذور التفكير وأصالة الإبداع، مجلة عالم المعرفة، ع 284، أغسطس (غشت) 2002.أحمد محمد دخيسي أبو أسامة، ما قبل الحدث، استباق الأحداث وتجلياتها الإبداعية، جائحة كورونا (كوفيد 19) نموذجا، عالم الفكر، العدد 185، يناير مارس 2022.
  • جان جاك روسو، العقد الاجتماعي Jean Jacques Rouseau , Du Contrat Social، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، مصر، ط، 1، 2012.
  • أحمد شراك، سوسيولوجيا الربيع العربي، مقاربات لنشر والصناعات الثقافية، فاس، المغرب، ط. 3.
  • أنطونيو غرامشي، كراسات السجن، Antonio Gramsci, Selctions from Prison، ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، ط. 1، 1994.
  • زكي نجيب محمود، وجهة نظر، مؤسسة هنداوي، القاهرة، مصر، ط. 1، 2017.
  • ابن منظور، لسان العرب، دار الفكر، بيروت، ط. 3،1414- 1994.

 

روايات عمرو عبد الحميد

  • عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، عصير الكتب للنشر والتوزيع، القاهرة، ط. 1، يناير 2018،
  • عمرو عبد الحميد، دقات الشامو، عصير الكتاب، القاهرة، مصر، ط. 1، 2019.
  • عمرو عبد الحميد، أمواج أكما، عصير الكتب، ط. 1، 2020.

 

المواقع الإلكترونية

  • موقع المعاني:
  • https://www.almaany.com/ar/dict/ar (تاريخ الزيارة 31 غشت 2024، 11.52)
  • الكبير الداديسي، الخيال العلمي والرواية العربية، ديوان العرب، 27 أيلول سبتمبر 2018، تاريخ الزيارة 25- 08- 224، 11.56. https://www.diwanalarab.com
  • https://ar.wikipedia.org/wiki تاريخ الزيارة 1شتنبر 2024، 13.05.
  • صفحة الكاتب عمرو عبد الحميد، Amr Abdelhamid، موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.

[1]– ابن حجر، فتح الباري لشرح صحيح البخاري، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، ط. 1، 1991، ج 6/ ص. 2.

[2]– ابن منظور، لسان العرب، دار الفكر، بيروت، ط. 3،1414- 1994، 11/ 665- 666 (إضافة إلى اهمش الصفحة 665).

[3]– انظر موقع المعاني:

https://www.almaany.com/ar/dict/ar (تاريخ الزيارة 31 غشت 2024، 11.52)

[4]– جان جاك روسو، العقد الاجتماعي Jean Jacques Rouseau , Du Contrat Social، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، مصر، ط، 1، 2012، ص. 133.

[5]– أحمد شراك، سوسيولوجيا الربيع العربي، مقاربات لنشر والصناعات الثقافية، فاس، المغرب، ط. 3، 2018، ص. 82.

[6]– أحمد شراك، المرجع السابق، ص. 82- 83 (بتصرف).

[7]–  زكي نجيب محمود، وجهة نظر، مؤسسة هنداوي، القاهرة، مصر، ط. 1، 2017، ص. ص 260- 264.

[8]– نشير هنا إلى كون الروائي عمرو عبد الحميد قد جعل من الدكتور فاضل رمزا للمثقف الذي يساهم في المقاومة ضد الظلم (سيأتي تفصيل ذلك في المحور التطبيقي.)

[9]–  أنطونيو غرامشي، كراسات السجن، Antonio Gramsci, Selctions from Prison، ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي، القاهرة، مصر، ط. 1، 1994.

[10]– علي آيت أوشان، التخييل الشعري في الفلسفة الإسلامية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط. 1، 2004، ص. 85.

[11]– علي آيت أوشان، المرجع نفسه، ص. 88 (بتصرف)

[12]– شاكر عبد الحميد: الخيال، مجلة عالم المعرفة، ع 360، فبراير 2009، ص. 203.

[13]– فاروق خورشيد: أديب الأسطورة عند العرب، جذور التفكير وأصالة الإبداع، مجلة عالم المعرفة، ع 284، أغسطس (غشت) 2002، ص. 19.

[14]– محمد دخيسي أبو أسامة، ما قبل الحدث، استباق الأحداث وتجلياتها الإبداعية، جائحة كورونا (كوفيد 19) نموذجا، عالم الفكر، العدد 185، يناير مارس 2022، ص. 259 وما بعدها.

[15]– الكبير الداديسي، الخيال العلمي والرواية العربية، ديوان العرب، 27 أيلول سبتمبر 2018، تاريخ الزيارة 25- 08- 224، 11.56. https://www.diwanalarab.com

[16]– هذه عينات فقط، ومنها ما هو عربي أصيل، وآخر ينسب لغير العرب، والأهم في ذلك هو استحضار الخيال للكشف عن العلاقات الإنسانية، وأحيانا الاستناد إلى عالم الحيوان ترميزا لهذه العلاقات.

[17]– يمكن الرجوع إلى بعض المواقع الإلكترونية، منها:  https://ar.wikipedia.org/wiki تاريخ الزيارة 1شتنبر 2024، 13.05.

[18]– من صفحة الكاتب عمرو عبد الحميد، Amr Abdelhamid، موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.

[19]– “النسالى هم حاملو العار في ﭼارتين.. إن قواعد جارتين تختص جميعها بأرواح البشر.. يقولون إن قبل بناء جدار ﭼارتين كانت البلاد قد شهدت من الجرائم والخطايا ما لم تشهده بلد قط، فكانت القاعدة الثانية من قواعد بلدنا: يلحق العار بالروح المذنبة إلى الأبد.” قواعد ﭼارتين، عصير الكتب للنشر والتوزيع، القاهرة، ط. 1، يناير 2018، ص. 30.

[20]– عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 158.

[21]– عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، 1/ 60- 61.

[22]– عمرو عبد الحميد، دقات الشامو، عصير الكتاب، القاهرة، مصر، ط. 1، 2019، ص. 31.

[23]–  ألفرد آدلر،  Alfred Adlerالطبيعة البشرية، ت. عادل نجيب بشرى، منتدى مكتبة الإسكندرية، 846، ط. 1، 2005، ص. 28.

[24]– عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 304.

[25]– عمرو عبد الحميد، أمواج اكما، عصير الكتب، ط. 1، 2020، ص. 57.

[26]– عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 211.

[27]– عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 239.

[28]–  عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 318.

[29]– عمرو عبد الحميد، دقات الشامو، ص. 105.

[30] –  عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 105.

[31]–  عمرو عبد الحميد، قواعد ﭼارتين، ص. 177.

[32]– عمرو عبد الحميد، دقات الشامو، ص. 115.

[33]– المرجع نفسه، ص. 174.

[34]– أمواج أكما، عصير الكتب، ط. 1، يناير 2020، ص. 293.

[35]– عمرو عبد الحميد، أمواج اكما، ص. 203.

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً