الرئيسية / الأعداد / بين النسيان والاعتراف: سرديات الطفولة والجرح في رواية (ليتني لا زلتُ منسياً) لـ “الحسن الگامح” – نجيب التركي

بين النسيان والاعتراف: سرديات الطفولة والجرح في رواية (ليتني لا زلتُ منسياً) لـ “الحسن الگامح” – نجيب التركي

بين النسيان والاعتراف: سرديات الطفولة والجرح في رواية (ليتني لا زلتُ منسياً) لـ “الحسن الكامح”

نجيب التركي*

 

مدخل

صدرت رواية “ليتني لا زلت منسياً” للكاتب المغربي “الحسن الكامِح” ضمن إصدارات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال – مراكش 2022.

الحسن الكامح” صوت أدبي مغربي جمع بين الكتابة الشعرية والسردية، حيث عرفه القارئ أولاً كشاعر قبل أن ينتقل إلى الرواية، مقدّمًا خطابًا أدبيًا يمزج بين الذاتية العميقة والبعد الفلسفي، وبين التجربة الشخصية والأسئلة الوجودية. ومن خلال هذه الرواية، يؤسس الكامح حضورًا سرديًا يقوم على استعادة الذاكرة الفردية ومساءلة الطفولة والجرح والهوية، ضمن كتابة تعتمد النبرة الاعترافية واللغة الشاعرية المكثّفة.

افتتاحية

تفتتح الرواية عالمها من بوّابة الذاكرة، ذاكرةٍ مثقلة بما يشبه العطب الوجودي أكثر مما يشبه مجرّد سردٍ لماضٍ شخصي. منذ الصفحات الأولى، يتقدّم الراوي ــ بصوته المتردد بين البوح والاختباء ــ ليعلن أن الكتابة محاولة لفهم أثره العميق في الروح؛ وأن كل جملة هي خطوة نحو منطقة لا يريد الدخول إليها، لكنه مضطر لذلك كي لا يُغرقه النسيان.

رمزية العنوان وتناصّه مع قول السيدة مريم: «وكنتُ نسياً منسياً»

يحمل عنوان الرواية شحنة دلالية عميقة تستند إلى طبقاتٍ من الألم والرغبة في الإفلات من ثقل الوجود. هذا العنوان يستحضر بصورة مباشرة أو إيحائية العبارة القرآنية الواردة على لسان السيدة مريم: «يا ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسياً». التناص يتأسس بوصفه مدخلًا نفسيًا وروحيًا لتأمل التجربة الإنسانية في أقصى حالات هشاشتها.

ففي السياق القرآني، تأتي العبارة تعبيرًا عن لحظة قصوى من الخوف والوحدة والانكشاف أمام المجتمع، وهي لحظة تتمنى فيها مريم أن تختفي تمامًا من الوجود، أن تُمحى آثارها، وأن تتحول إلى «نسيان» لا يحضر في الذاكرة ولا في الوعي. وعندما يختار “الحسن الكامح” عنوانًا يجاور هذا المعنى ويعيد تشكيله في صيغة: «ليتني لا زلتُ منسياً»، فإنه يضع بطله في مساحة يتقاطع فيها الشعور بالثقل مع رغبة دفينة في النجاة عبر الاختفاء.

هذا التناص يشتغل على مستوى نفسي وسردي في آنٍ واحد؛ فهو يعمّق صورة الراوي الذي يعاني من جرح قديم، جسديًّا كان أو نفسيًّا، ويجد نفسه محاصرًا بنظرات المجتمع وأحكامه. كما أنه يمنح الرواية بُعدًا روحيًا خفيًا: فالنسيان هنا هو رفض للمعاناة، وتمرّد على الذاكرة التي تواصل إعادة إنتاج الألم.

 التداول بين الفصاحة والتأويل: دلالة «لا زلت» في عنوان الرواية

يبدو العنوان «ليتني لا زلت منسياً» مثالًا بارزًا على التقاء اللغة بالمعنى، حيث يتجاوز البعد النحوي حدود الفصاحة التقليدية ليفتح بابًا واسعًا أمام التأويل. فعلى المستوى اللغوي المحض، تميل العربية المعاصرة إلى استعمال «ما زلت» بوصفها الصيغة الأدق في التعبير عن الاستمرار، بينما تُعدّ «لا زلت» استعمالًا شائعًا لكنه أقل جزماً من حيث الضبط النحوي القديم. غير أن الكاتب لا يبدو معنيًا بهذا التفريق بقدر ما هو معنيٌّ بالشحنة الدلالية التي تحملها «لا زلت»، إذ تمنح العنوان مرونة تأويلية لا تتيحها «ما زلت» التي تفترض وجود النسيان في الماضي واستمراره في الحاضر.

سياق سردي

يتوسّط الراوي المشهد بوصفه الشخصية المحورية والعدسة الوحيدة التي يطلّ منها على العالم الروائي. حيث يتحدث من مساحة هشّة تتجاور فيها الندوب الجسدية مع الندوب النفسية. ويقدّم نفسه كطفلٍ/شاب نشأ في بيئة قاسية، تُثقلها: سُلطة الأب، نظرات المجتمع، وتجارب الطفولة التي لا تُنسى.

السرد ينبض عبر استرجاعات ومنعطفات داخلية. نقرأ طفولةً مأزومة، مدرسةً كانت امتدادًا للعقاب، وبيئةً اجتماعية تتعامل مع الاختلاف كعبء. بهذه الطبقات المتداخلة، يشيّد النصّ فضاءً روائيًا يقوم على الاعتراف، وعلى محاولة الإمساك بالمعنى وسط ضجيج الأسئلة:

 من أنا؟ لماذا حدث كل هذا؟ ولماذا يبدو الماضي أثقل من أن يُحمل، وأثقل من أن يُنسى؟

الإشراقة الأولى: من الشاعرية إلى القلق الفلسفي

منذ الصفحة السردية الثالثة، وفي الإشراقة الأولى التي استبدل بها الحسن الكامح مفهوم «الفصول»، تتبدّى بوضوح هيمنة اللغة الشاعرية على المدونة السردية. هذه الشاعرية تثير تساؤلات وجودية تنفتح على بعدٍ فلسفي، حتى وإن لم يرد الراوي الاعتراف بانتمائها إلى الفلسفة بمعناها التقليدي؛ تلك الفلسفة التي وُجدت لتثبيت الحقائق ونقض المنطق عبر البحث والشك والاستنطاق. إذ يقدّم الراوي سؤالًا يبدو عابرًا في ظاهره: «لماذا خلق لنا الله هاته العينين؟»، غير أن هذا السؤال يختزن كثافة دلالية تتجاوز بساطته الشكلية.

ويلتحق به بعد بضعة أسطر سؤالٌ آخر لا يقل جوهرية: «هل سأل أحدٌ يومًا: لماذا نأكل؟ لماذا نفرز؟ ولماذا ننام؟». كلها أسئلة تنقّب في بداهات الحياة اليومية لتكشف عن هشاشة ما نظنه طبيعيًا ومألوفًا. وفي نهاية هذا المسار الاستفهامي، تأتي الإجابة: «نحن في غاب صغير، يأكل بعضُنا بعضًا، الأنا تتحكّم في الكل». هكذا تُختزل الأسئلة الوجودية في رؤية جذرية للعالم، رؤية تجعل الذات الفردية مركزًا للصراع ومحركًا للعلاقات الإنسانية داخل النص.

الوصف كمرآة للألم: بناء القسوة وتكسيرها في شخصية با علي»

لا يمكن إنكار حضور الوصف الزائد في بعض مفاصل الرواية، ذلك الوصف الذي قد يتجاوز أحيانًا حدود الضرورة السردية. مع ذلك… القارئ لا يستطيع الفكاك من التوتر الشعوري الكامن بين السطور؛ فالألم هنا بنية متجذّرة تُعيد تشكيل العالم الروائي من داخله. في مقابل هذا الاسترسال، تبرز إنسانية با علي بوصفها نافذة صغيرة يدخل منها الضوء. فهذه الشخصية، رغم بساطتها، تمثل التوازن الذي يحتاجه الراوي ليظل قادرًا على الاحتمال؛ إذ تمنح النص طاقة إنسانية خفيفة تذكّره وتذكّر القارئ معه بأن العالم، مهما اشتد قبحه، لا يخلو من بقايا رحمة. ومن خلال هذه المفارقة بين العنف والحنان، يتشكل نسيج الرواية ويشتد إحساسنا بثقل التجربة وعمق الجرح الذي يحمله الراوي.

الإشراقة الثانية: وجع الفقد وتكوين الوعي المظلم

تكشف الإشراقة الثانية عن انتقال لافت من أسئلة الوجود المفتوحة في الإشراقة الأولى إلى تجسيد سردي للألم كمكوّن بنيوي في وعي السارد. فموت الأم، التي يسمّيها الراوي «فاطنة الحليب» يظهر كمنعطف نفسي يجعل الضوء مهددًا بالانطفاء.

ويبرز الأب، من خلال معاقرته للخمر وقراراته المؤذية للأسرة (ومنها بيع الماعز الوحيدة)، بوصفه قطبًا للعنف اليومي، عنف يمتد ليشمل هشاشة الموارد وتهديد استقرار البيت. بهذا يتقاطع العنف الرمزي مع العنف المادي ليشكّلا خلفية تشكّل وعي الطفل/السارد.

أما مشهد موت الأب، وامتناع السارد عن حمل جثمانه، فيتحول إلى لحظة اختبار أخلاقي، تُبرز الصراع بين الذاكرة المثقلة بالألم وبين أثر الأم الذي يستعاد كقيمة موجِّهة. فصوت الأم، وإن كان غائبًا جسديًا، يبقى قوة أخلاقية تمنع السارد من السقوط في دائرة القسوة المضادة. وهذه المفارقة تمنح الإشراقة الثانية عمقها.

الإشراقة الثالثة: استعادة الذاكرة كشرط للانبعاث

تفتتح الإشراقة الثالثة بنبرة شعرية مألوفة في بنية الرواية، عبر سؤالٍ يحمِل شهوة الارتداد إلى زمن يفلت من الوعي:

«هل لي أن أعود بالذاكرة إلى أيام خلت لا أذكر فيها من أنا؟»

سؤال يعلن منذ البدء أن فعل الإشراق، الذي يعد به عنوان الإشراقة، هو عودة إلى الداخل، إلى تلك المساحة التي يتم فيها تفكيك الهوية قبل إعادة تشكيلها. السارد هنا يطلب من الذاكرة أن تمنحه نسيان الماضي؛ إذ يشتاق إلى أيام (لا يتذكر فيها من هو)، أي إلى لحظة ما قبل الوعي، ما قبل الصدمات، وما قبل تشكّل الألم كجزء من بُنيته النفسية، وتحمل النصوص الشعرية الافتتاحية نزوعًا إلى التطهر، كمحاولة لاستعادة الذات من قبضة التجارب التي شوهتها.

الحاج إبراهيم: نموذج الشخصية المركّبة بين النقاء المعلن والظلمة المستترة

يقدّم النص شخصية الحاج إبراهيم بوصفها أحد أكثر النماذج تركيبًا في الرواية، شخصية تتأرجح بين نقاء المظهر والتواء الجوهر. فهو في الواجهة رجل تقي، يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، ويظهر أمام الناس بصورة المؤمن الورع الذي لا تغادر السجّادة يديه، وكأن الكاتب يتعمّد تعريض القارئ لصورة متقنة للالتزام الديني، صورة تُستعاد عادةً في المخيال الجمعي كعلامة على الاستقامة والأخلاق.

لكن الرواية سرعان ما تفكك هذا البناء المثالي، لتكشف عن طبقة أخرى أكثر تعقيدًا: علاقته السرية بزوجة الجار، “الغالية”، عصر كل خميس. هذا التناقض يوظَّف كآلية سردية لإظهار هشاشة القيم حين تُعاش كطقوس خارجية لا كقناعات داخلية.

وجود هذه الازدواجية يضع القارئ أمام نموذج سردي للشخصية المركّبة التي تجسّد التوتر بين ما يعلَن وما يُخفى، بين القداسة الشكلية والانتهاك العميق. ومن خلال الحاج إبراهيم، يسلّط النص الضوء على المفارقة الأخلاقية داخل البنية الاجتماعية نفسها: كيف يمكن لشخص أن يمتثل شكلًا للدين، بينما يخرقه جوهرًا؟ وكيف تُستخدم الطقوس هنا كواجهة، لا كقيمة؟

سُلطة أم كلثوم وتقنية الاسترجاع وبنية الختام

تشكّل أم كلثوم حضورًا طاغيًا في الرواية بوصفها أفقًا شعوريًا ظلّ يحيط بالسرد من بدايته إلى نهايته. فهي تتسلل عبر الأب الثمل وهو يردد أغانيها، وعبر المشاهد التي تُسمَع فيها أغنياتها، وعبر إيراد السارد لقصائد غنَّتها بصوتها. هذا الحضور يتخذ شكل مرجعية وجدانية تعكس طبيعة الزمن الذي تتحرك فيه الشخصيات، وتُجسّد نوعًا من السلطة الفنية التي لا يقدر أحد على منافستها، لا داخل البيت، ولا في المحيط الاجتماعي للسارد.

هيمنة أم كلثوم في النص تكشف عن اقتصاد ثقافي لا يزال يميل إلى الرموز الكبرى، ويستعيدها كلما ضاق الأفق أو احتدم القلق. ولعل البلد أو الوسط الثقافي الذي تتحرك فيه الرواية يظل مرتبطًا بفكرة الفنان الواحد الذي يستحوذ على الذائقة، فلا يظهر في السرد اسمٌ فني آخر يحمل ثقلها أو ينافس أثرها. وهنا تتحول أم كلثوم إلى بنية مرجعية في الذاكرة، أكثر من كونها اختيارًا موسيقيًا.

أما على مستوى التقنية، فتبرز الاسترجاعات التي يوظفها الكاتب، خصوصًا في الإشراقة الأخيرة «فعل الكتابة» تنحني في نهايتها على ذاتها، وتدخل في علاقة ميتاسردية، حيث يعلّق السارد على فعل الكتابة ذاته، وعلى الكتب التي يرفضها لأنها «تؤطر العقل»، مقابل رغبة خجولة في أن يكون كاتبًا. وهنا يتقاطع موقف الهادي من المعرفة مع تجربته الوجودية: بين رفضٍ مُعلن للكتب الفكرية وقبولٍ ضمني بأن التقدم لا يتحقق دونها، كما يقول «الحكيم».

ويأتي الختام ليؤسس انفتاحًا شعوريًا لا يُغلق السرد بل يوسّعه: البحث عن القارئ الموعود، انتظار الحكيم، ثم الكتابة إلى الأم بوصفها الفضاء العاطفي الأول.

فالخاتمة نهاية للدوران حول جرح الأم الذي ظل أصل الذاكرة.

ناقد من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً