ثلاثية سعدني السلاموني بين السيرة الذاتية والأدب الشعبي

حسن الحضري*
تُعَد ثلاثيَّة “ما بين الحياة والموت” للكاتب المصري سعدني السلاموني، صدًى للواقع الشخصي الذي عاش أحداثه المؤلف، وفي الوقت نفسه هي صورة مستوحاة من الأدب الشعبي المحلي، الذي يكشف عن صور تكوين النسيج المجتمعي وطرق التعايش بين الجماعات الصغيرة التي يتآلف منها المجتمع.
وفي بداية ثلاثيته يذكر سعدني السلاموني معاناته التي بدأت في صغره؛ حيث حُرِم التعليم بسبب الفقر، ويذكر قول أبيه لخفير القرية حين أخبره بضرورة تسجيل ابنه في التعليم: «اكتبوه ميتًا»، ثم يتخذ السلاموني من هذه المأساة المبكرة نقطة انطلاقة نحو النجاح وتحقيق الذات، فيذكر أنه تعلَّم القراءة والكتابة في السابعة والعشرين من عمره ليثبت لهم أنه ليس ميتًا، ثم عمل خطَّاطًا، ثم قال الشعر، وانتقل من قريته إلى القاهرة، وتم تدريس ديوانه الأول “رغاوي الألم” في الجامعة الأمريكية؛ وكلما ذكر السلاموني في ثلاثيته شيئًا من ذلك أعقبه بقوله «وأنا في نظرهم ميت»؛ ليبيِّن مدى التَّحوُّل والمفارقات التي عاشها، وقدرته على التحدي وتخطِّي العقبات.

ويتناول السلاموني المراحل المهمة في حياته بشيء من التفصيل، بأسلوب السيرة الذاتية، فيذكر مثلًا قصة عمله في “نِجارة السواقي” ويذكر انقراض هذه المهنة، واضطراره إلى البحث عن مهنة أخرى يعيش منها، حتى اهتدى إلى مهنة الخط فعمل خطاطًا مدة من الزمن، واجه في أثنائها بعض الحروب بسبب شهرته في مهنته، إضافة إلى انتشار أشعاره وأزجاله في الوقت الذي لم يفلح فيه بعض أصدقائه ممن نالوا قسطًا من التعليم.
ويتداخل الجانب الصوفي عند سعدني السلاموني، ويترك أثره في القَصص الشعبي الذي يرويه في هذه الثلاثية، فيذكر قصة “الشيخ فضل” الأعمى، «وهو رجل مُسِن، يعيش كما ولدته أمه عاريًا، وحين اعترضه أهل القرية وألبسوه الملابس رغم أنفه؛ قام بهدوء أمام أعينهم فدخل الفرن وهو مشتعل، فأحرق كل ما يرتديه وخرج للناس، فقالوا: وليٌّ من أولياء الله!! وتركوه في حال سبيله»، ويسرد السلاموني بعض التفاصيل عن حياة ذلك الشيخ، إلى أن يصل إلى إرسال العمدة من يأتي به، ويربطه في عمود، ثم يدأ يضربه بالكرباج، حتى «انتفض الشيخ وهو يحتضن العمود الخرساني، ارتج العمود وارتج الدوار، وكأنه أحدث زلزالًا فى القرية، فإذا بالعمدة يُلقِي بنفسه على أقدام الشيخ ليقبِّلها ويرجوه أن يعفو عنه».
ومن التِّيمات الشعبية في هذه الثلاثية مكانة “الحمير” عند الفلاحين، بوصفِها وسيلة نقل سهلة وآمنة ومتاحة، لذلك اهتم السلاموني بذكر حمارة والده، يقول في سياق ذِكر ذهاب والده لتأدية واجب العزاء بإحدى القرى: «تدبُّ أقدام الحمير على أرض الجسر في انتظام، حمارة والدي تتقدم كل الحمير كعادتها»، ويقول عن والده: «إنَّ عِشقه لحمارته السوداء يفوق كل عشق»، وقد جاء هذا الكلام في إطار الربط الذي قام به المؤلف، بين سيرته الذاتية التي يرويها في ثلاثيته، وبين سرد القَصص الشعبي، في سياق ما يتعلق به من تداخلات، ومن هذه التداخلات ما يمكن إدراجه ضمن العناصر التخييلية في السرد الروائي، ومنها ما يمكن إلحاقه بواقع المجتمعات العشوائية كالقرى والنُّجوع المهمشة؛ ومِن ذلك قصة “مصطفى مشمشة” الذي «ظهر وهو (متشابك) مع كلبةٍ، عاريًا تمامًا كما ولدته أمه، وعشرات من الشباب الصغار يطاردون الكلبة بالنَّبابيت كي تترك مصطفى، ولكنها لا تستجيب».
ويَقرن سعدني السلاموني بين قصة مصطفى مع الكلبة وقصة امرأة فاجر، وذلك في سياق متصل مِن دون فصل، يقول: «“عبده” الذي أمامكم الآن عاريًا تمامًا، بجوار زوجة الرجل الطيب، سنوات و”عبده” يتردد عليها في البيت، ولا يراه أحد من أهل القرية، ولا أهل زوج “الكلبة”»، يشبِّه هذه المرأة الخائنة بالكلبة، ثم ينتقل في مسارٍ متمدد مِن دون فصلٍ، إلى قصة الصياد الفقير، الذي يقول عنه: «من البحر إلى البيت ومن البيت إلى البحر، في كل صباح تخرج زوجته الطيبة أم أبنائه وهي حاملة الأسماك تبيعها، وتأتي بالفطور ومتطلبات البيت اليومية، لو لم يخرج “محمد نصر” يومًا للصيد لجاع الأولاد، وها هو تتقدم به السِّن، والأسعار كل يوم في زيادة، وأبناؤه يكبرون وتكبر معهم بطونهم»، ويرسم المؤلف صورة واضحة لحياة ذلك الصياد؛ ومنها أنه «قديمًا كان يأتيه الجنون المؤقت»؛ حتى يتقبَّل المتلقِّي احتمالية وقوع ما ستقوم به هذه الشخصية فيما بعد من سلوك منحرف.
ثم يوازن السلاموني بين الماضي والحاضر: «كان الفلاحون يدخلون على الفقراء في الخفاء ببعض اللبن والبطاطس والقصب والباذنجان وغير ذلك من خيرات الله، ولكن ضغوط الحياة قطعت هذه العادات»، ويُحكِم السلاموني نسج قصة محمد نصر فيذكر أنَّ أباه كان الصديق الوحيد لهذا الرجل، الذي يختم حضوره في هذه الثلاثية بقيامه بقتل زوجته وأولاده لعجزه عن الإنفاق عليهم، وفي سياق انتزاع هذه القصة من عالم الخيال وإلقائها في عالم الواقع؛ يذكر السلاموني أنَّ أباه “عبدالفتاح السلاموني” كان له موقف مشهود تجاه محمد نصر، الذي وقف على سطح بيته وهو يَصِيح معترفًا بقتل زوجته وأولاده، ويقول السلاموني في استدعاء ذلك الموقف: «وراحت يد والدي تجفِّف دموعه؛ ليرفع وجهه إلى صديقه ويترجَّاه أن ينزل ويُسلم نفسه لرجال المصحة»، يروي السلاموني قصة الصياد محمد نصر باعتبارها جزءًا من الواقع الذي عايَشه بنفسه، ويذكر أباه باسمه الحقيقي، بوصفِ الثلاثية سيرة ذاتية له، فيظهر فيها باسمه واسم أبيه، وهذا من شأنه أن يَتِم توصيف أيَّة قصة يرويها، على أنها حقيقة مِن قلب الواقع، وبذلك يمزج بين السيرة الذاتية والأدب الشعبي ومتعلقاته الفنية؛ الواقعي منها والتخيِيلي.
ويتخذ سعدني السلاموني لنفسه طريقة خاصة في صياغة الأدب الشعبي؛ فيأتي بأبطاله من خياله، ويجعل خصومهم من الأبطال الشعبيِّين المعروفين عند العامة؛ فنجد عند السلاموني قصة “محروس الشقيري” الذي يحرص السلاموني على أن يجعله اسمًا على مسمًّى، فهو محروسٌ من الغدر، بينما يستدعي السلاموني من التراث شخصية “أدهم الشرقاوي” فيجعله أجيرًا مستأجرًا لقتل محروس، فيقوم أدهم الشرقاوي بدور مخالف لدوره المعهود عنه في الواقع؛ حيث كان هو البطل الذي يتم البحث عن وسيلة لقتله، بينما في ثلاثية السلاموني يجعله أجيرًا مستأجَرًا لقتل إحدى الشخصيات المثالية: «استأجر عبدالمقصود باشا، أدهم الشرقاوى لقتل محروس الشقيري؛ الذي لا ينام منه الباشا ليلًا ولا نهارًا؛ فمحروس ابن الفقراء حامي حمى البلاد، والباشا يمتلك مئات الآلاف من الأفدنة، ومحروس لا يمتلك إلا القوة وحب الناس وسِتر الله»، ويجعل السلاموني النصر في ثلاثيته للبطل الشعبي الخاص به؛ وهو محروس: «وها هو أدهم يخر منكسرًا أمام محروس الشقيري».
وجريًا على عادته التي اتبعها السلاموني في ثلاثيته؛ يربط بين سيرته الذاتية وبين قصة محروس الشقيري: «الباشا هو المتحدث الرسمى باسم قرية “زاوية الناعورة” قرية البشاوات، ومحروس المتحدث الرسمى لقرية “نادر” قريتي»؛ فقرية “نادر” هذه هي الاسم الحقيقي لمسقط رأس سعدني السلاموني، وهو لا يكتفي بهذا الرابط؛ بل يذكر أن ابن عمه «ناصر إبراهيم السلاموني يقول: سعدني السلاموني سوف يكون نسخة ثانية من محروس الشقيري»، نلاحظ أن السلاموني يمزج بين عالمه الواقعي الذي عاشه، وبين العنصر التخييلي الذي يُعَد أحد أركان الرواية، ولكنه في قصة محروس الشقيري تحديدًا يُحِيل عنصر الخيال بعيدًا عنه ويحمله على ابن عمه ناصر السلاموني، الذي يروي على لسانه أنَّ «الطبيب حين فتح صدر محروس الشقيري وجده بقلبين»، ثم يقول السلاموني في سياق تأكيده أن هذا كلام ابن عمه وليس كلامه: «مع أن الله خلق الإنسان بقلب واحدٍ، إلا أن خيال ناصر الجامح وجد له قلبًا آخر!!!»، والواضح أن المؤلف قد لجأ إلى هذه الحيلة السردية في التهويل المخالف للواقع الثابت بالنص الإلهي وهو قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]، فجعل الكلام المخالف للآية الكريمة على لسان شخصية أخرى؛ للتخلص من سوء ظن المتلقِّي من جهة، ومن جهة أخرى يكون هو شاهدًا على القصة ونافيًا لهذا الكلام، مستشهدًا بمعنى الآية على نفيه، وهذا الموقف يجعله مصدر ثقةٍ عند المتلقِّي، فيما يذكره في روايته من سيرة ذاتية وقَصص شعبي وغير ذلك.
وعلى هذا النحو يمضي سعدني السلاموني في ثلاثيته؛ ينتقل من أسطورة إلى أخرى، في سياق القَصص الشعبي الذي يمزج فيه بين الواقع والخيال، ويجعل لنفسه دورًا في كل قصة يسردها، فيربط بين سيرته الذاتية وبين القصص والأساطير التي يأتي بها، مع حرصه على الفوز بثقة المتلقِّي، من خلال توسُّعه في ذكر الوقائع المؤلمة التي عاشها، وذلك في الجانب المتعلق بسيرته الذاتية، وحرصه كذلك على ذكر اسمه واسم أبيه وأسماء إخوته واسم قريته بشكل صريح، وحرصه أيضًا على الظهور في قصصه وأساطيره بالشكل الذي يمنحه القوة والحضور، بوصفه بطلًا لثلاثيته، بجانب كونه هو الراوي الذي يروي أحداثها ويُبلور وجهات النظر لدى شخصياتها، ويستطيع بالحِيَل السردية أن ينتصر لصوته الخاص ووجهة نظره التي يعبِّر عنها.
كاتب من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي