
الشاعـر محمـد الشحـات، ورحلـة البحـث والنجـاة باستدعـاء شخصيـات الأنبيـاء – محمــد فـوزي صقــــر*
ـ1ـ
الموروث الديني من المناهل العذبة الثرَّة؛ فمنه تتغذى تجربة الشاعر بنفحة روحية عبقة، وبه يتم تشكيل النص الأدبي تشكيلًا جميلًا وجليلًا. أضف إلى ذلك أن الإنسان ـ على حدّ قول العقاد ـ ديني بالفطرة؛ فكل ما له صلة بالدين يشدُّ المتلقي، ويجعله يصغى إليه بكل يقظة وانتباه، مما يفضي إلى التفاعل معه والتأثر به وتقبله قبولًا حسنًا. ومن ثم فإن استدعاء محمد الشحات للتراث الديني في شعره ، والاقتباس منه، والتناص معه، وتوظيفه بكل ما يملك من آليات وفنيات، يرنو من وراء ذلك إلى تعميق وتوثيق لرؤيته المعاصرة، في الموضوع الذي يقدمه، أو القضية التي يفجرها، أو الرسالة التي يطرحها، مع تعزيز لموقفه بتسليط تجارب الماضي على الحاضر؛ فينماز الحاضر بنوع من القوة والقداسة، وحينئذ يتقبله المتلقي ويتفاعل معه إيجابًا أو سلبًا.
وليس الشحات بدعًا في ذلك، فقد استلهم كبار الشعراء الأوربيين المصادر الإسلامية في أعمالهم الأدبية، ومنهم “دانتي” الشاعر الإيطالي في ملحمته “الكوميديا الإلهية”، واستلهامه لمعجزة المعراج. وكذلك “جيته” الشاعر الألماني،
واستلهامه للقرآن الكريم في ديوانه ” الديوان الشرقي للمؤلف الغربي”. والشاعر الفرنسي “فيكتور هيجو” عندما استمد من القرآن الكريم في ديوانه “المشرقيات”. إضافة إلى ما يزخر به ديوان الشعر العربي قديمًا وحديثًا. ومن البدهي أن النص الأدبي ليس بنية مغلقة، على حدّ تعبير جوليا كريستفيا، فكل نص يحيلنا إلى نصوص أخرى. وقد يأخذ التناص أبعادًا أخرى يقيمها النص الأدبي مع ما يحيط به في المجتمع، على حدّ تعبير لورون جيني.
وفي دواوين محمد الشحات تتوافر تقنية توظيف النص القرآني، والاقتباس منه بشكل جليِّ أو بشكل خفي، أو باستدعاء قصة أو جزء من قصص بعض الأنبياء. فمنذ ديوانه الأول “الدوران حول الرأس الفارغ 1979م” نلحظ التناص بآلياته المختلفة، وكذلك في جُلِّ دواوينه الشعرية، حيث تم استدعاء شخصيات الأنبياء بالاسم تارة، وبقولها أو دورها تارة أخرى؛ لتغذّي النص بدلالات ثرَّة تتمخض من العوامل السياسية والاجتماعية، فهما من أهم ركائز استدعاء الشاعر لشخصيات الأنبياء؛ للانعتاق من الذات المغتربة المكلومة إلى تجارب أفضل النماذج البشرية/ أنبياء الله ورُسُله. في محاولة إبداعية من الشاعر؛ لإضفاء لون من الدرامية، حيث تعدد الأصوات، والتقنيات الشعرية. أضف إلى ذلك أنه من المهم انتقال الشاعر من مرحلة عن الموروث إلى مرحلة التعبير بالموروث، على حّد قول علي عشري زايد، في كتابه الرائد: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، صـ 25. حيث إنه ينبغي تطور علاقة الشاعر بالتعبير عن الموروث إلى التعبير بالموروث، شريطة التوظيف الفني الجيد. أو قل بدينامية تجمع الماضي مع الحاضر، في جديلة فنية فاعلة ومتفاعلة. وبمعنى أدق أن تتناسب الشخصية مع التجربة المعاصرة للشاعر.

ـ2ـ
ويستوقفنا في الجزء الثاني من المجموعة الشعرية للشحات، دار الأدهم للنشر 2021م ثلاثة دواوين، على النحو الآتي: 1ـ من يوميات ثورة 30يونيو، دار وعد، 2013م. 2ـ البكاء بين يدي الحفيدة، دار وعد، 2014م 3ـ الحياة بلا وجه، دار الأديب، 2018م. والثيمة الظاهرة القوية التي تشدُّ المتلقي في الدواوين المذكورة آنفًا، أنها تعبر عن مرحلة مهمة ومفصلية في تاريخ الشعب المصري؛ إذ شهد على ذلك ميدان التحرير، بجمالياته المكانية التي أبهرت العالم قاطبة. فقد احتضن كل أطياف الشعب المصري العظيم في نسيج واحد؛ بحثًا عن الوطن المغتصب المكلوم. وقد تعايش شاعرنا الوطني هذه الملحمة بحضوره الواقعي، وبحضوره الشعري في آنٍ واحد لماذا؟ بحثًا عن وطنه، وتطلعًا إلى الأمن والأمان والعيش الكريم، وأملًا في عودة ذاته وكرامته. والأهم البحث عن الحرية والنجاة من بحر لُجي!!
ومما يثبت صحة ما قررته، القصائد الثلاثة التي انتقيتها من دواوينه المذكورة آنفًا: “لن تقايض أرضًا…بدم، صـ 75″ و”كيف أنجو بنفسي؟ صـ 290″ و”قبل أن بغرقنا الطوفان، صـ 449”. والشحات في رحلته البحثية، نجده مهمومًا بآلام الوطن وآماله/ الأمن، والكرامة. وتصريحه بكلمة “بحث”. يقول في قصيدته ” لن تقايض أرضًا ..بدم”:
بينما كنتُ أبحث
في غرفتي
عن رداء
يوشحني.
وفي قصيدته “كيف أنجو بنفسي” يقول:
رحلة البحث عن النجاة من الإغواء. وفي قصيدته “قبل أن يغرقنا الطوفان” يقول: سأوى إلى جبل
لأنجو
من المعصرات التي
حاصرتني…..ولا تقتل النفس
وانج بنفسك من غيِّها
..فكيف ستنجو
سنُبحر.
ـ3ـ
وشاعرنا في أثناء رحلة البحث عن ملاذ آمن والنجاة لوطنه، ولحريته، ولذاتيته مع الآخر، وظَّف تقنية التناص؛ لأنه ـ على حد تعبير ليون سمفيل ـ التناص هو المكان الذي ينبغي أن تحسب فيه الأنا مع الآخر. من أجل ذلك قام الشحات باستدعاء شخصيات الأنبياء، ووظّف قصصهم، بآلية التناص الخارجي والداخلي، الظاهر والمستتر. ومنهم ـ عليهم السلام ـ آدم، والمسيح، ويوسف، وموسى، ونوح، وسليمان، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. فلكل نبي رسالة في حياته، أو قل حكاية بحث مُقدّس. ففي قصيدته “قبل أن يغرقنا الطوفان” في ديوان: الحياة بلا وجه، ج2، صـ 449 استدعى الشاعر أنبياء الله، ومنهم: نوح، وآدم، ومحمد. يقول:
سأوي إلى جبل
لأنجوَ
من المُعصِراتِ التي
حاصرتني
ليعصمني
من الشرِ
والإيواء إلى جبل. ونرى العتبة الثانية من القصيدة، استدعاء لحوار نوح مع ابنه عندما عَمَّ الطوفان: <قال سآوي إلى جبلٍ يَعْصِمُني من الماءِ قال لا عَاصِمَ اليومَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بينهما الموجُ فكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ/ هود43 > ففكرة البحث عن مأوى/ الجبل، تحيل المتلقي إلى المشهد الدرامي للطوفان/ ثنائية الحياة والموت، لكنه استدعاء مقلوب، أو قل تناص التضاد أو التخالف؛ للبحث عن النجاة طلبًا للحياة. وهذا التوظيف يذكرنا بقصيدة “تجديف” لمحمد أحمد العزب، في ديوانه “مسافر في التاريخ”، حيث وظَّف شخصية نوح عليه السلام؛ لتأتي بميلاد جديد: ماذا حَمَلَتْ في الماضي كُلُّ سفائن نوح؟ فهم الوطن ويتجسد في البناء الشعري المتناص بكل جمالياته، الذي يتمخض منه تأويلات ودلالات عميقة/ الآمال والآلام، الحرية والقيد، التفاؤل والتشاؤم..
ثم يستدعي الشاعر قصة آدم في القصيدة ذاتها، في مشهدها التصويري الثاني
: لأهبط للأرض
كما كان آدمُ
في أوّل الخلق
تجرَّدتُ من كلِّ سوءٍ.
فقصة آدم في الجنة، والأكل من الشجرة المحرمة، ومحاولة التطهر، وقبول الله توبة آدم <فَتَلقَّى آدمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عليه إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحيمُ/ البقرة37 > هي في الحقيقة انتقال من حياة إلى حياة، بحث عنها آدم بعدما أن ندم، واعترف بذنبه. فثمة حبل سُري بين توظيف الشخصية واستدعاء قصتها، والتجربة التي في بوتقتها الشاعر والوطن من حوله. إنه ميلاد جديد لحياة جديدة، ينشدها الوطن في رحلة بحثه، وهو يتخلص من الأدران والأرجاس. وفي القصيدة ذاتها يستدعي الشاعر قصة نبي الله نوح:
وحاولت أن أصنع الفلكَ
رأيتُكَ
تسخرُ من كلّ شيء
فلا تركب الفلك
واترك لنا فلكنا.
فالتأثر جلي بالنص القرآني <وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبِني في الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ/هود 37 > إنها سفينة النجاة التي ينشدها الوطنيون؛ إذ تجسد الوطن الذي يبحث عن النجاة، فلا عاصم إلا بركوب سفينة الوطن. وهذا ما صرَّح به الشاعر ويرجوه: علَّنا نُبحِر. إنه إبحار للوطن إلى مرافئ السلامة والنجاة. وقد اعتمد الشاعر على تكثيف الإشارة بشفرات النص، دون ذكر الاسم؛ ليتم استحضار الصورة والمشهد بكل أحداثه ودلالاته وعلاماته/ سيموطيقا التداخل النصي.
ويعلو صوت الشحات تارة أخرى بشعرية سردية مليئة بالتنوع الأسلوبي من توكيد إلى نهي، إلى أمر.. ويؤكد لمغتصبي الوطن:
أنَّك لن تخرق الأرض
ولن تبلغ الجبال طولا
فلا تمشِ في الأرض مَرَحًا
ولا تقتل النفس
وانجُ بنفسك من غيّها.
فمازالت فكرة النجاة والتعلق بها متجسدة بالتناص الذي استحضرالنص القرآني، مع التقديم والتأخير فيه، خِلافًا للآية القرآنية <ولا تَمْشِ في الأرضِ مَرَحًا إِنَّكَ لن تَخْرِقَ الأرضَ ولَن تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولا/ الإسراء 37> فعمق التجربة استدعى الاستحضار، والتقديم والتأخير؛ لفداحة الحدث وللتأكيد على فكرة النجاة قبل العقاب لشخصية جُبِلت على التكبر والتمرد
: يا قاتل النفس
لعلك تغسلُ صدرك
كانت عيون المنيَّة
في كل ركنٍ
ومن قتل يُقتل.
هذا السطر الأخير إنذار ووعيد موثّق من الحديث النبوي، باستدعاء آلية تناص القول للشخصية النبوية، ومدى ارتباطها بالسياق، وبالمستوى الدلالي؛ فالأمر جلل، والبحث عن النجاة من عيون الموت، ـ ومثلما عبَّر أبو ذؤيب الشاعر الجاهلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ـ لعودة الحياة إلى الحياة
: وقد أغرقَكَ الدماءُ
فكيف ستنجو
سنبحرُ
حتى إذا ما وصلنا
إلى أول الأرض
سننبتُ في كل شبرٍ
ونغسلُهُ
لعل الحياةَ تعودُ.
وعادت الحياة بكل ما تحمل كلمة “عودة” من تكثيف ودلالات، إلى ربوع الوطن بعد موت مؤقت. إنه استشراف لمستقبل مشرق للوطن المكلوم، بعد أن تخطّفته شرذمة خائنة، ومن ثم استطاع الشحات أن يُوثق تجربته ـ كما ذكرت آنفًا ـ باستدعاء قصص الأنبياء: آدم، ونوح، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولقمان الحكيم. وتجلَّى التناص بكل آليات الاستدعاء؛ ليعطي دعمًا قويًّا للتشكيلات الفنية للنص، وليحظى بقبول حسن لدى المتلقي، شريطة التفاعل مع بنية النص، والبوح عن الدلالة، كما هو الشأن عند رائدة التناص “جوليا كريستيفا”، ومستوى الواقع كما عند “بيرزيما”، ثم مستوى التعبير الجمالي كما عند “جيرارجينيت”، ومدى دور التناص في تشكيل الصياغة.
ـ4ـ
وفي ديوان الشاعر “من يوميات ثورة 30 يونيو” تطالعنا قصيدته “لن تقايض أرضًا…بدم، صـ 75”. وانمازت القصيدة باستدعاء أنبياء الله: موسى، والمسيح، ويوسف عليهم السلام. إضافة إلى التناص مع النص القرآني، وتداخل النص بكل أنواعه. وعلى حدّ قول جيرار جنيت في كتابه مدخل لجامع النص في مقاربته للتعلق النصي: بمعنى التواجد اللغوي (سواء كان نسبيًا أم كاملًا أم ناقصًا).
وأظن أن هذا الزخم في تلك التجربة الثرَّة، يشير من طرف خفي وجليٍّ في آنٍ واحد، إلى أهمية التجربة وعِظم الرسالة، وما يمور في فكر الشاعر ووجدانه من رؤى عميقة، تجسدها تشكيلات جمالية؛ خاصة أنه مازال يبحث عن وطنه المكلوم المقيّد بأغلال الخائنين، ويرنو إلى نجاته من الأيدي العابثة. ففي أول سطر من القصيدة، يخبرنا بسردية شعرية:
بينما كنتُ أبحث
في غرفتي
عن رداءٍ
يُوشّحني
حين أخرج
إلى ساحة النصر.
إذ بصوت الحق على لسان الأب:
كان صوت أبي
حين يبدأ
هزَّ مسامِعنا
يُرتِّلُ
(والعصر…)
فهل كنت في خُسرٍ
وأنت تبيحُ دمي
وتبيع بلادَك
وكنتَ تقايضُ
أرضًا بدم…
ويتوالى صوت الحق والحكمة/ الأب، من خلال الاقتباس من آي القرآن الكريم: سمعت أبي
كان يقرأ
(والتين
والزيتون
وطور سنين
وهذا البلد الأمين)
فالوطن مقدس بدلالة قول الحق: وطور سنين، وما يحمل من دلالات مقدسة في الوادي المقدس طوى، وموسى عليه السلام، وبدلالة استدعاء الشاعر لأنبياء الله في نهاية القصيدة: هلَّا رأيتَ كليمَ اللهِ/ بالوادي المقدس. فدلالة المكان والتصريح به في النص القرآني، ثم تناص الشاعر معه، يؤكد على قدسية الوطن وجلاله وجماله. وتنطلق الدفقة الشعرية، والوهج الشعري بعد استدعاء موسى عليه السلام، يستدعي الشاعر توًّا المسيح وأمه، ويوسف عليهم السلام، وينهي بهم قصيدته:
والمسيحَ وأمَّهُ ويوسف الصديقَ
تلك الأرضَ
كانت مبعثًا للنورِ
فلن تطفئ مشاعلنا
فأغلقْ عيونَكَ
وانزوِ
واسقط بعيدًا
عن ترابي.
إنه استدعاء لأنبياء شرفت بهم أرض مصر المباركة، فشخصية المسيح وما تحمل من تسامح وسلام، ويوسف بما تحمل شخصيته في جانب منها الخير وحُسن الإدارة.. هذا كله يتضافر فنيًا؛ ليعطي دلالة عميقة مؤدَّاها أن الوطن لا يقبل المقايضة. ومن ثم كانت علاقة وشيجة بين سيمياء القصيدة في عتبتها الأولى “لن تقايض أرضًا…بدم” وبين نهايتها التي وردت بصيغ الأمر من أبناء الوطن المخلصين:
اغلق عيونك
انزو
اسقط بعيدًا
عن ترابي.
لماذا؟ لأن الإجابة في القصيدة كلها محتواها: أرض مقدسة شرفت بموسى، والمسيح وأمه، ويوسف عليهم السلام.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن استدعاء الأنبياء في القصيدة، لم يأت من طرف خفي في ثنايا القصيدة؛ لتشكيل ضفيرة جمالية في كل سطورها الشعرية؛ ليكون التناص أوقع لدى المتلقي، خاصة عندما يتم التناص الداخلي مع البناء الفني؛ فيذوب في كل ثنايا القصيدة كما تذوب قطعة السكر في كوب الماء. لكن على أية حال، فإن وهج التجربة جعل الشاعر يُلقي ما في مخزونه الديني؛ لتدعيم قضيته المقدسة/ الوطن بكل آلامه وآماله. وانتكاساته وانتصاراته؛ باستدعاء الأنبياء.
ـ5ـ
وتتجلى فكرة البحث والنجاة في أبهى صورهما الفنية، في قصيدة “كيف أنجو بنفسي صـ 290” الواردة في ج2 من ديوان “البكاء بين يدي الحفيدة” حيث وردت فكرة النجاة: “كيف أنجو بنفسي” وفي السطرين الشعريين:
وكيف سأنجو بها
….
كيف سأنجو.
وإذا كانت النجاة في ظاهرها تشير إلى نجاة النفس، التي تعكسها نجاة يوسف عليه السلام من إغواءات زليخا امرأة العزيزـ على نحو ما ورد ـ فإن شاعرنا يذهب إلى أبعد وأعمق من ذلك من خلال توظيف آلية التناص، وإذابتها في النص الشعري بكل ما يحوي من درامية، وأفعال قوية، وإيقاعات مُعبِّرة بتكرارات مؤكدة؛ لتعطي صورة جمالية عن جماليات الوطن أثناء تعرضه لمحاولة اغتصابه، متجسدًا في نبي الله يوسف عليه السلام، والصراع مع الخائنين متجسدًا في زليخا زوجة العزيز. ومع الثنائية المتصارعة المعبرة من خلال المونولوج، ومن إيقاعات سريعة جُلها على المتقارب؛ ليعكس دلالات ثرّة، تسهم في الإشارة إلى الدلالة الكلية:
تُراودْ فتاها
وقد ضاقها
أن كُلَّ النساءِ
أردْنَ
وقد هَزَّها
أن زهرًا ترعْرَع
في بيتها
وقد حان وقت قِطاف صباها
وقد قدَّها شوقُها
فقدَّتْ قميصًا من الصدرِ
لعل عيونَ الفتى ترى شوقَها.
ففكرة ثنائية الصراع بين الخير والشر، أو بمعنى أدق هنا بين الفضيلة والرزيلة، جعلت الشاعر يستلهم قصة يوسف في سورته، ويوظفها توظيفًا فنيًّا. فتارة يعبر عن التركيبة السيكولوجية، وما تُكنه من شغف لا حدود له: تراود فتاها. فهي أسيرة الجمال، وفي بداية المشهد الوارد في الآية القرآنية < وَرَاوَدَتهُ التي هو في بَيْتِهَا/ يوسف 23> فثمة علاقة وطيدة بين مراودة جمال يوسف وكذا جمال الوطن. وفي المقابل فإن الخونة كانوا أسرى لأنفسهم الأمارة بالسوء والمتبعة للشيطان الرجيم. فهذا المطلع يأخذ المتلقي إلى عالم الفضيلة والرزيلة وقد جسَّدتها سورة يوسف، ثم يوظف الشاعر الصراع الدرامي، ويستمده من مشهد الآية القرآنية < واسْتَبَقَا البابَ وقَدَّتْ قَميصَهُ مِنْ دُبُرٍ../ يوسف 35> رغبة في تكثيف المشهد، وتحوله من القول إلى الفعل، أو قل من حيز الكلام المعسول، إلى دائرة الإرهاب الملعون!!
فمثل هذا الاستدعاء مع إعادة الصياغة: فقدَّت قميصًا من الصدر.. لتصوير المشهد الدرامي الحركي، وما أصاب الوطن على أيدي أعداء الداخل/ الفئة الضالة المضلة. ثم دلالة توظيف القميص؛ ليشير إلى براءة يوسف . فمثل هذه الأنظمة الدلالية، مع الدلالة القرآنية من خلال الشخصية، أعطى بُعدًا دلاليًّا قصصيًا دينيًا انعكس على إثراء الدلالة الشعرية. ويتداخل الشاعر مع قول الحجاج بن يوسف الثقفي، ومقولته الشهيرة: “أرى رؤسًا قد أينعت وحان وقت قطافها” إذ بالشحات يتناص مع هذه العبارة المسكوكة، فيما يعرف بتناص العبارات المسكوكة، حيث الإحالة إلى معان ثَرَّة لصورة مكثفة عميقة، من صراع أيديولوجي لواقع مرير في ذلك الحين، لذلك قلب التناص : وقد حان وقت قطاف صِباها. فقطف الشرف أشد وقعًا وجرمًا من قطف الركاب، والدلالة المعجمية لكلمة “صبية” بشاعريتها وما توحي بالجمال والنضارة، فثمة علاقة وطيدة بينها وبين مصرنا العزيزة الجميلة.
ثم تكرار تيمة المراودة مرة أخرى بعد المشهد في اللوحة الشعرية السابقة، وقد ألحّ عليها الشاعر: تراود فتاها/ عن نفسه. ويتكرر المشهد بصيغة الجمع: وكل العيون تُراودني. فلم تعد فكرة المراودة؛ لاغتصاب الوطن قاصرة على أعداء الداخل فحسب، لكنها تجاوزت ذلك إلى أعداء الخارج الكُثُر، ومحاولاتهم الفاشلة مرات ومرات.. إنها تجربة شعرية متوهجة تستحق قدرًا كبيرًا من التأمل، ومزيدًا من البحث العميق. فما قدّمته من مقاربة غيض من فيض، عن التناص الديني وإسهامه في النصوص الشعرية، في ديوان شاعرنا الوطني الكبير محمد الشحات. وبالله التوفيق ومنه المدد والعون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* استاذ الدراسات الأدبية كلية الآداب ـ جامعة العريش
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي