
العتبات النصية دراسة سيميائية لعناوين محمد الشحات في ديوانه (سيعود من بلد بعيد) أحمد عفيفي
تعد العتبات النصية بوابة الدخول إلى النص الأدبي، وتتنوع العتبات وتتشكل بدءا بالعنوان الخارجي وصورة الغلاف، واسم المؤلف، وأي إشارات أخرى على الغلاف الأول ، ثم يأتي الإهداء والمقدمة وعناوين القصائد وصورة الغلاف الأخير، وما سجل عليه من كلمات أو صور، و سوف أقصر حديثي هنا على أهم هذه العتبات النصية، وهو ( العنوان ) الذي يعد مفتاحا للدخول إلى عالم النص، حيث إنه أول شيء يستقبل المتلقي، ويؤهل نفسيته للدخول إلى أعماق النص دخولا موجها، يقتنص القارئ ويستميله، ليصير سلطة عليه وعلى النص معا ، أو ربما يجعله راغبا عن الكتاب وقراءته، فينصرف عنه، غير مبال بما فيه .
وبصرف النظر عما إذا كان العنوان جزءا من النص أو خارجه، إلا أنه يؤسس – من خلال موقعه المتميز – لسلطة الكشف والجاذبية والقيام بدوره السحري ليقود القارئ إلى أعماق العمل الأدبي من خلال إشاراته وترميزاته وإيحاءاته وفضاءاته الدلالية لمحتوى العمل ، و أيضا من خلال كيفية صياغته وبنائه النصي الجاذب والمقنع، أو ربما يؤسس هذا العنوان لتقليل قيمة العمل الإبداعي ، وبالتالي يكون الطريق مفتوحا لهروب المتلقي والابتعاد عن هذا العمل، وعدم العودة إليه مرة أخرى، ومن هنا ظهر للعنوان وظائف كثيرة، من أهمها الوظيفة الإغرائية التي تصنع جاذبية للمتلقي، وتشغل مخيلته بما يحتويه العمل وما يتناوله من أبعاد دلالية ، وهذه الوظيفة النصية ظهرت بوضوح في ديوان ( سيعود من بلد بعيد ) للشاعر محمد الشحات .
تتنوع وظائف العنوان تنوعا ملحوظا، لنجد الوظيفة التعيينية، والوصفية، والدلالية والإيحائية، والإغرائية….. إلخ ، وبنظرة سريعة سنجد أن عناوين ديوان محمد الشحات قد أدت وظائفها بشكل مميز، فعندما ننظر إلى عنوان الديوان ( سيعود من بلد بعيد ) في بنيته التركيبية والدلالية، فإننا سوف ندرك أن هذا العنوان يجرنا إلى منطق الدهشة كطبيعة العناوين الجادة المميزة، حيث سنجده جملة إسنادية ( فعلية ) إلا أن الأهم فيها ، وهو المتحدث عنه، كان مستترا وغير مصرح به، وهو القائم بالحدث ( الفاعل )، ولعل هذا يعطى مزيدا من التشويق الذي يكون من مهام العنوان المتميز، ويجر المتلقي لطرح مجموعة من الأسئلة المتنوعة التي لابد أن تشغل باله بعد قراءة العنوان، لا عن الفاعل فقط ، بل عن أشياء أخرى كثيرة ، تلك الأسئلة هي : مَن المقصود هنا ؟ ومتى سيعود؟ ولماذا سيعود؟ وماهي تلك البلد البعيد؟ وأين هي؟ وما الأسباب التي جعلت الشاعر يتمني عودته؟ هل ثمة مشكلات بين من سيعود وبين الشاعر؟ …. إلخ، وهنا يأتي السؤال الأكبر: لماذا وضع الشاعر هذا العنوان؟ ليستمر البحث حول المتوقع وغير المتوقع إلى أن تزول الدهشة مع العتبة الثانية، ثم بعد ذلك مع قراءة قصائد الديوان.
تستمر الأسئلة مع عناوين القصائد التي لا تقل في إثارة الدهشة عنها في العنوان الرئيسي، فنجد العنوان (غريب يلقاه غريب) يثير الأسئلة المدهشة نفسها مَن هو الغريب الأول؟ ومن وهو الغريب الثاني؟ ومتى تم اللقاء؟ أو متى سيتم؟ وأين؟ … الخ، لنجد عناوين كثيرة تفعل الفعل نفسه، وتشير إلى الغائب الحاضر، مثل: عاد إلى غربته- أولى خطواته – أعرف أنك ما عدت هنا -اذكرني إذا ما غبت – ما أكتبه – هل أكلته الغربة؟ – الاشتياق إلى من أحب …. إلخ، ليظل السؤال من هو المحب؟ ومن هو المحبوب؟ من هو العاشق؟ ومن هو المعشوق؟ من هو الحاضر؟ ومن هو الغائب؟ إلخ
وبتأمل عنوان الديوان من زاوية أخرى، فإننا نجده يحمل فضاءات نصية متنوعة، منها : الزمان – المكان – والإحساس بالغربة، فالزمان نشعر به منذ الوهلة الأولى حين تطلع الشاعر إلى الزمن المستقبلي ، الذي يعود فيه هذا الغائب، ومن خلال التعبير بحرف ( السين ) ندرك أن هذا الزمن المستقبلي سيكون قريبا ليعود هذا الغائب، فالأمل مجسد لدى الشاعر أن يعود الغائب في القريب، كذلك يوحي العنوان بطول مدة الغياب الذي يشي به بُعد هذا البلد عن مكان إقامة الشاعر والإحساس بشوق الشاعر إلى عودة الغائب، وعودة الابن هنا تقتضي مرحلة غياب طويلة عن الأب، هذه المرحلة قد أججت مشاعره، وجعلت لديه الأمل في عودة الغائب في أقرب وقت.

أما المكان هنا، فهو بلد متصف بالبعد، والمقصود هنا بعد المسافة، وعند وصف المكان بالبعد نشعر بحالة الاغتراب والوحدة التي يحس بها الشاعر، وهو الذي نجده داخل الديوان حين نجد الشاعر يحمل من الهموم ما يوجع القلب ويمزق الشرايين، هذا الوصف أيضا يشعرنا بكراهية الشاعر لهذا المكان الذي يغترب فيه ابنه. وإذا كان نص العنوان يشير إلى بلد بعيد، فإن العودة توحي بهذا المكان الذي سيحل فيه هذا الابن، وسيظهر بعد ذلك بأنه موطنه الأصلي. سيعود من بلد بعيدْ/قلت انتظرْ/كيما أرتب بعض أشيائي/وأغلق كوّةَ القلب العنيدْ/ظل الحنين يدق في جنباتها ،/ليمرّ من أسوار صدري،/علّه يلقاك أول ما تهلْ ./كنت احتبست بجوف عيني/رجفتين من الوداعِ/لكي أركَ/إذا اكتويت بجمر أشواقي اليكْ ./ماذا حملتَ من اغترابكَ/هل تركتَ على الطريق من البحارِ/إلى البحارِ
صدى حنينك للوطنْ/وطرقت ذاكرة الزمنْ/بعضُ الفطائر في انتظاركَ/وجهُ أمكَ/لم يزل يستقبل الليلاتِ/بحثا عنك في قصص الطفولةِ ،/فليكن هذا لمساءُ ،بدايةَ الحلم الجميلْ/فجأةً/قد راقها /أن تشتهى من نور وجهكَ/تسترد شاشةً
آنستُها في عرس أمكِ /وهْىَ ترتب غرفةً/ وخزانةً/وهياكل اللعب القديمةِ/والدفاتر والورود اليابساتِ/وبقيةَ الأشياءِ./لا أدرى إذا ما كنت تذكرها….؟ !!!/أترى يهمك أن تراها برهةً
ولعلنا نلاحظ أن العودة تقتضي الغياب، وأن البعد يقتضي القرب، لنرى أن الشاعر وظف ثنائية نصية متكاملة، بين الزمان المستقبل والحاضر، بين المكان البعيد والقريب، بين الغياب والحضور، وتوظيف هذه الثنائيات يعطى للعنوان أبعادا دلالية متعددة يتكشف عنها حجم الألم والمعاناة لأب يتحرق شوقا إلى ابنه الذي يعيش مغتربا في هذا المكان البعيد وربما الكريه.
وهنا نلحظ من خلال التركيب (بلد بعيد) هذا الاغتراب الناتج عن بعد هذا البلد الذي سافر إليه ابنه، وبالتالي يتولد عن هذا الاغتراب مجموعة من المشاعر المؤلمة، تلك التي تطبق على مشاعر الأب وتزلزل مشاعره.
وعندما نتجاوز عنوان الديوان، وهو يمثل العتبة الأولى، تقابلنا العتبة الثانية الممثلة في هذا الإهداء المؤكد لتلك الدلالات والمعاني التي ظهرت في عنوان الديوان، يقول الشاعر في هذا الإهداء:
(إهداء. إلى ابنى إسلام حيث يعيش في بلاد الغربة ، عله يذكرني إذا ما غبت ) هنا تفصح العتبة الثانية على هذا الغائب ، أنه إسلام ابن الشاعر ، كما نجد أن هذا الإهداء يدل على التساوق الدلالي مع العنوان، بل ويكمل دلالته، فإسلام ابن الشاعر يظهر هنا في الإهداء ، على حين أنه كان ضميرا مستترا في العنوان في قوله ( سيعود ) ، وتلك البلاد الموصوفة بالبعد هناك والموحية بالاغتراب الذى أشرنا إليه، اتصفت بالغربة صراحة من خلال تلك الإضافة ( بلاد الغربة ) ، وغياب الابن في العنوان يقابله غياب الأب في الإهداء ( عله يذكرني إذا ما غبتُ ) وإن كان الغياب في الحالتين مختلفا زمانا ومكانا ، فغياب الابن يقابله حضور الأب في الوقت الراهن ، على حين أن حضور الابن وتذكره للأب يقابله غياب الأب مستقبلا، فالتذكر إذن مرهون بالغياب، و غياب الأب مختلف عن غياب الابن في طبيعته وفي وقته.
هذا الغياب الحائر بين الزمن الحالي والمستقبل ليس هو أيضا غيابا واحدا، بل هو (غياب متكرر)، مرة للابن في الوقت الحاضر، ومرة للأب في المستقبل، كذلك فإن تلك الغربة التي نراها عند الشاعر هي أيضا غربتان:
الأولى: غربة نفسية يعيشها الشاعر في غياب ابنه.
الثانية: الغربة المكانية التي يعيشها الابن في كنف بلاد بعيدة.
يقول الشاعر في قصيدة غريب يلقاه غريب (صفحة 11 من الديوان: كنت انطويت بأن أداري، /ضيقَ صدري..، /إنه خوفي على وطني..، /وحُلمٌ قد تبدّل في بلادٍ/لم تعد تحنو على أبنائها/وأخاف حين ترى ملامحنا/تهزّك ثم تمضي/هو ذا غريب سوف يلقاه الغريبْ
إذن هو لقاء الغرباء، فكم هو مؤلم ومرير أن يحس الشاعر بالغربة والانكسار في موطنه، وأن يصل ذلك الإحساس إلى الابن القادم من بعيد، فيقرر الرحيل مرة أخرى. فأخاف حين يزيد ضيقكَ/أن تحن لغربة أخرى، /وتمضي
وهنا ندرك أن الغريب الأول هو الأب الذي يمارس الغربة النفسية في وطنه، والغريب الثاني هو الابن الذي اغترب في بلاد بعيدة، وما أقسى أن يشعر كل منهما بالغربة والوحشة، ليستمرا في حالة من الاغتراب.
هكذا نجد العنوان ثريا بدلالاته المتنوعة وفضاءاته النصية التي تشي بكثير من المعاني والدلالات التي تجسدت في الديوان.
وإذا انتقلنا إلى عناوين القصائد فإننا سنجدها تتمحور حول معاني الغربة وقسوتها والغياب والشوق والوطن والبكاء، وهذه كلها تقع ضمن الإرهاصات التي يتضمنها الفضاء النصي لعنوان الديوان، ومن هنا نجد عناوين القصائد:
أول ما يقابلنا في الديوان: (ثلاثية العشق والغربة) وتتوزع على ثلاث قصائد، هي:
الغيرة من الشوق – غريب يلقاه غريب – عودة الابن إلى أحضان أبيه
ثم تأتي بعد ذلك عناوين بقية القصائد التي تتمحور حول دلالات لا تبتعد عما هو متوقع وطبيعي، فنجد: الرحيل عن وطن يأكلنا – عاد إلى غربته – اذكرني إذا ما غبت – متى يعود الغائب – هل أكلته الغربة – العودة إلى الغربة – قسوة الموانئ – الحنين إلى الوطن – الاشتياق إلى من أحب – العودة إلى الوطن – البكاء بين يدي الحفيدة – أعرف أنك ما عدت هنا – الاعتذار للحفيدة بعد أن بكيت بين يديها – العودة إلى حضن الوطن – وطن بلا وطن.
فالملاحظ أن محاور الحديث كانت حول الوطن – الغربة – الاشتياق – الشوق – القسوة- الرحيل – الغياب – البكاء.
والملاحظ أن القصيدة الأخيرة جاءت بعنوان ميلاد حلم ، وهي تترابط مع الثلاثية في القصيدة الأولى ( غريب يلقاه غريب ) تلك القصيدة التي يقول فيها الشاعر : سيعود من بلد بعيدْ/قلت انتظرْ/كيما أرتب بعض أشيائي/وأغلق كوّةَ القلب العنيدْ/ظل الحنين يدق في جنباتها ،/ليمرّ من أسوار صدري ،/علّه يلقاك أول ما تهلْ ./كنت احتبست بجوف عيني/رجفتين من الوداعِ/لكي أركَ/إذا اكتويت بجمر أشواقي اليكْ ./ماذا حملتَ من اغترابكَ/هل تركتَ على الطريق من البحارِ/إلى البحارِ /صدى حنينك للوطنْ/وطرقت ذاكرة الزمنْ/بعضُ الفطائر في انتظاركَ/وجهُ أمكَ/لم يزل يستقبل الليلاتِ/بحثا عنك في قصص الطفولةِ ،/فليكن هذا المساءُ ،/بدايةَ الحلم الجميلْ
إن البحث عن قصص الطفولة هنا يرجع بذاكرة الشاعر إلى حفيدته التي تمثل طفولتها في قصيدة الحلم الجميل، عندما قال الشاعر: أجلسَ طفلتهُ /في مرمى عينيهِ /انتبهَ لحزنٍ /كانَ يغادرُ مِنْ مقلتها /حاولَ/أنْ يستبقَ الأحداثَ /بأغنيةٍ /كانَ يردِّدها /كيما تغفو /انتبهَ لطفلٍ/كانَ يغازلها /زمجرَ /قاومَ ضحكتهُ/وتذكَّرَ ما كانَ يمارسهُ /في أيَّامِ طفولتهُ
وهذا يدل على أن القصيدة الأولى في الديوان قد ارتبطت بالقصيدة الأخيرة ليتم التواصل بين عهدين وزمنين وطفولتين، كان الأب شاهدا عليهما: حلم الطفولة ، وهو بداية حلم جميل يتذكره الشاعر في صورة ابنه وفي حفيدته ، وحلم عودة الابن إلى الوطن والبقاء فيه، وهو بداية حلم جميل ، كما قال الشاعر ، بل ويتداخل مع الزمنين زمن ثالث ، وهو زمن الحفيدة التي هي واسطة بين زمنين ، وهنا نرى تعاقب الأزمنة وتداخلها ، حيث أراد الشاعر أن يصنع ربطا بين كل الفترات الزمنية تشابها في طبيعتها المتسمة بالحنين والشوق، وهو هنا يكمل الدائرة في قصيدة بعنوان ( أولى خطواته ) يقصد خطوات الابن مع قصائد متنوعة عن الحفيدة وماذا تفعل بقلبه الملتاع ، وهي تخطو خطواتها الأولى .
تأتي بعض العناوين مثيرة للتساؤل مباشرة من خلال صياغتها، كما في قصيدة (متى تورق كل شجيراتي ) وعندما نتشوق لمعرفة الإجابة نرى أن الشاعر يجيب إجابة مختلفة فيعترف بأنه لن يبقى حتى تورق كل شجيراته، فيقع المتلقي في مرحلة انجذاب كبرى متشوقا عن البحث في أسباب ذلك الحكم ، يقول الشاعر في تلك القصيدة : يبدو لي/أني لن أبقى/حتى تورق كل شجيراتي/أو حتى ألمح بعض بشائرها/كيما أشعر أن شجيرات القلب/ستبقى مخضرة/أو تزهر/حين تدور الأيام/وتكمل دورتها/كي يذكرني/من حاول أن يذكرني/حين يشم شجيراتي/حين تمر/ويعرفها من ملمحها/كنت أحاول/أن أترك في ذاكرة الأيام/ملامح وجهي/حتى حين يراها/من يعرفني/يذكرني/ويقول سلاما/يامن كنت هنا/ومضيت/وتركت شجيراتك/فأهدأ حيث تنام/وحاول/ألا تخرج من مرقدك/فسوف تجيئ اليك/ثمار شجيراتك
وهكذا تتلاحم العناوين وتتابع وتترابط في نسق دلالي واضح المعالم، متسق مع محتواه
وعندما قراءة عنوان قصيدة: (البكاء بين يدي الحفيدة) فلابد أن يذهب عقل المتلقي
إلى أن البكاء يقتصر على فراق الحبيبة، لكننا نشعر أن الشاعر تذكر طفولته فربط بين الطفولتين، فجاء البكاء تحنانا وحبا وشوقا لحفيدته، متذكرا طفولته التي غادرها منذ زمن بعيد، يقول الشاعر في تلك القصيدة: ياصغيرتى/وقطتي /وقبضة من الفؤاد/لو ملكت /أن أضمها وأغلق العينين / لعلني أعود للطفولة التي تركتها /على ضفاف النهر/كنت كلما أردت/ أن أراوغ الأوجاع /أن أضمكِ/وأملأ العيون/من براءة /رأيتها في شرفة الفؤاد تستحم بالضياءِ
تقابلنا في الديوان بعض العناوين التي يتساءل المتلقي أمامها عن علاقة هذا العنوان بالابن وغربته وبالحفيدة وبقسوة الشوق ومرارة الألم الممض إلى آخر هذه الدلالات المرتبطة بموضوع الديوان ، ففي قصيدة بعنوان ( من يومياتي في مدينة أمريكية ) لعلنا نتساءل ، هذه من مذكرات الشاعر ، ملا علاقتها بموضوع الديوان ، و تزول الدهشة و تنمحي ملامح السؤال، عندما نقرأ فيها قول الشاعر : هل أتاك حديث البيوت /التي لم تعد تحتوي ساكنيها /أنا الآن لا أستحي/حين أبقر جوف مواقيت حزني /وأنشرها/في البلاد التي لم تعد تحتوينا /هنا كان صمت /يمر وليس يلوح لي /هل أتاك حديث بكائي /على من مضوا دونما أي صوت /تنفسته في شجن/وعدت أمارس خوفي /رأيت بلادا /هنا أن تراني /وبت أقلبها /لم يكن لي حين أمضي /سوى وطني/كنت أرسمه فوق وجهي/وأحمله بين طيات شوقي إلى وجه أمي /أنا من بلاد /لها ما لها /ولى أن أهيم بها/كنت أخفيتها في /هنا حين تمضى /سيعرفك العابرون/ولن تتمكن من أن ترى/في الوجوه سوى/رجفة النازحين/ فأغلقت عيني /على كل ما كنت أحمله من بلادي
هنا نتأكد أن ملامح الغربة ومرارتها لم تأت بالكلام فقط، بل بالفعل والممارسة، فقد جرب الأب قسوة الاغتراب ومرارته، وهنا سيكون إحساس الأب بابنه أكثر عمقا وصدقا.
وهكذا تتلاحم العناوين وتتابع وتترابط وتتناص لتكتمل المنظومة الدلالية التي أراد لها الشاعر الاكتمال، لهذا نجد قصيدة (العودة إلى الوطن)، تلك التي تحكي تاريخه ومواقف الأيام منه وتتماثل معها أو تتقاطع قصائد أخرى في نسق دلالي واحد، مثل عودة الابن إلى حضن أبيه – الحنين إلى الوطن – العودة مرة ثانية – العودة إلى الغربة – عاد إلى غربته- … إلخ
وهنا نلاحظ تكرار العودة، تكرار العودة إلى الوطن، أو إلى حبه، والعودة للغربة، والعودة في الحديث حول الحفيدة، والعودة إلى الرحيل، كل هذا يؤكد أن الشاعر رصد مشاعره في أزمنة مختلفة متفاوتة، غير أنها مترابطة منسجمة متناسقة.
كما تغريك بعض العناوين بسهولة مقصدها، فنتخيل أن القصيدة يمكن أن تقف عند وصف الغربة فقط ، ولكن الحقيقة أن القصيدة تحمل- إضافة إلى ذلك – قسوة الواقع الذي يعيشه الشاعر ومرارة الإحساس بالغربة ، كما في قصيدة ( عاد إلى غربته ) ، حين يقول الشاعر : عاد إلى غربته/فتفسخ قلبي/وتناثر/وتدلى من محبسه/ شوقُ
كنت أحاول ألا ينفلت/فيفضحني/فأدق على أوردتي/كي لا أنفض ما قد علق بها/وأعاود غلق منافذها/حتى لا أبدو منزوع الشوق/فأدورُ/ كي لا تهرب من عينيَّ/ ملامحكَ
وأنت تغادرُ،/مر على ذاكرتي/واترك ما يحلو أن تتركه /حاول ألا تجعل وجهك/يبدو مبتئسا/فأنا أعرف أنك مسلوب الفرح/وأنك أفرغت حقائبك/لكي تترك متسعاً /لهواء تحمله كي تفرغه في غرفتك
إلى أن يقول الشاعر: دعني حين أخاطب وجهكً/ألا أخدعك/فأنا أرتجف/وترتجف شرايين القلب/فأشعرُ/ أن شغاف القلب ستنسحب /وأخشى ما اخشاه/أن أسقط /فأحاول أن أتماسك
تقابلنا في الديوان عناوين كثيرة مثيرة للتأمل، يظن المتلقي أنه تحكي عن اتجاه واحد، لكننا نفاجأ بتعدد الاتجاهات الدلالية، كما في عنوان قصيدة: (قسوة الموانئ) تلك القصيدة التي تحتوي على شيئين متضادين، يقول فيها الشاعر كل الموانئ، /لم تعد تزهو، /بمن يأتي لها، /فالراحلون محملون بحزنهم، /وبخوفهم، / من قسوة لن تنتهي، /وبغربة ستنام في أنفاسهم، /وبأعين ظلت تودعهم، /ومنديل تساقط لوعة، /والقادمون محملون بشوقهم، /وبرغبة كي يلحقوا ما فاتهم،
فتباين المشاعر بين القادمين والمغادرين صورة تستحق الإعجاب، ورصد الشاعر لها كان دقيقا وواقعيا، حيث يحمل القادمون شوقهم لبلادهم وأهليهم وفرحا بوصولهم، لتحقيق ما فاتهم من أحلام وآمال، على حين أن المغادرين محملون بالخوف والحزن وبإحساس الاغتراب الذي بدأ منذ لحظة الوداع من أناس امتلأت عيونهم بالحسرة والخوف عليهم
وقبل الختام نلاحظ أن عنوان الديوان ارتبط برسم جاء على غلاف الكتاب تحت العنوان مباشرة ، رسم اتسم بالسريالية والرمزية والعجائبية ، رسم يوحي بالخوف والوحشة ، حيث نرى على الغلاف صورة لفتاة غير واضحة الوجه، غير أن شعرها تمت تغطيته بغطاء طويل، يصل إلى الأسفل، تجلس على أريكة وجزؤها السفلي غير مغطى بالكامل، تمد الفتاة يديها ممسكة بحمامة تقطر دما، وخلفها فتاة أخرى مشوهة الملامح مقطوعة الكفين، لا نستبين ملامحها، وأمامها شكل عجائبي آخر، ربما يدل على بقايا إنسان، وهنا يأتي هذا الرسم السريالي رمزا سيمائيا لإنسان هذا العصر المشوه المبتور غير واضح المعالم الذى يحاول الوصول إلى السلام النفسي الممثل في الحمامة غير أنه لا يصل ، فالسلام النفسي للإنسان مفقود، وشكل الدماء مفزع مربك موحي بالموت ، كما تدل الصورة على أن إنسان العصر وصل إلى مرحلة كبيرة من العناء النفسي والتوتر والألم الموجع شوه فكره وعقله ، وأصبح السلام النفسي لديه مفقودا بسبب غربة أو فقد أو رحيل عزيز، وكأن الغربة موت لمن قاساها وتألم من نتائجها الصادمة.
وهكذا تجولنا في سيميائية عناوين محمد الشحات في ديوانه (سيعود من بلد بعيد) تلك العناوين التي تمثل مداخل ثرية الدلالة، مشوقة، مربكة أحيانا إرباكا شفيفا يحث المتلقي على التفكير واقتناص الدلالة، مما يعد ميزة من مميزات العنوان عند الشاعر.
أستاذ اللغويات بجامعتي القاهرة والإمارات من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي