
تفكيك العنوان الرئيس في ديوان (ملامح ظلي) للشاعر محمد الشحات الراجحي – صبري فوزي أبوحسين
بات معروفًا نقديًّا أن العنوان الرئيس عتبة رئيسة في قراءة أي عمل أدبي حداثي، وأن المبدع المعاصر يَقصِد إلى إبداعه قصدًا، وأنه يتأنَّق في إخراجه، ويجعله ذا حُمولات عاطفية ومعرفية وفنية مكثفة، وأنه يكاد يكون العبارة المفتاح إلى الديوان، وأحيانًا لا نستطيع قراءة تجارب من الديوان وتأويلها إلا عبر المرور من محطة العنوان الرئيس!
وهذا ما أحسست به عند مطالعتي ديوان(ملامح ظلي) للشاعر المخضرم محمد الشحات الراجحي ومفاتشتي إياه. ذلكم الشاعر السبعيني العمر، السبعيني الإبداع، و(ملامح ظلي) يمثل ديوانه الطازج، الصادر عن (الهيئة المصرية العامة للكتاب) سنة 2022م، تلك الهيئة الثقافية الرسمية، التي يخضع ما ينشر عنها للقراءة الفاحصة! وهو الديوان الحادي والعشرون، واشتمل على ثلاث وأربعين تجربة شعرية!
وهو ديوان يرى مَنْ عَرَّفُوا به أن قصائده تنتمي إلى مرحلة (ما بعد الحداثة)! وفيه اثنتان وأربعون تجربة تفعيلية النسق العروضي، ومتنوعة المضمون، وتكاد تكون مقاطع من سيرة مبدعنا الذاتية، وتسجل مشاهد من واقعه المُعاش والمُتَخيَّل، وفي بعضها تناص مع ثقافته الدينية والشعرية!
وأرى أنه إذا كان الشاعر قد أبدع قصيدة بعنوان(خماسية للحياة) فإنني بعد قراءة أولى عجلى أحس بحضور خماسية فنية مهيمنة في إبداع تجاربه، وهي: (التفعيل، والسرد، والترميز، والانفعالية، والتخييل)، والتي تمثل -في نظري- مخططًا أمثل لمقاربة هذا الديوان، وهي خماسية تحتاج مجهودًا عقليا كبيرًا: قرائيًّا، وتنظيريًّا وتحليليًّا، وتأويليًّا، ولكنني هنا في هذا المقالة سأقتصر على تفكيك التقنية الفنية الأولى فيه، وهي (العنوان الرئيس) عن طريق تحليل علاماتي ذاتي حر!
وليس هذا العنوان عنوان قصيدة في الديوان، بل إنه عنوان قصد شاعرنا إبداعه خصيصًا ليعبر عن محتواه، ويشير إلى مغزاه ومرماه!
فما (الملامح)؟ وما (الظل)؟ ولماذا (الظل)؟ وما (ملامح ظله)؟
أسئلة يثيرها هذا العنوان الرئيس، ولعل بعض جوابها يكون في الآتي:

جاء عنوان الديوان(ملامح ظلي) تركيبًا إضافيًّا، مكونًا من كلمتين، هاك تفكيكًا لهما مفردتين، ثم تفكيكًا لهما مضافتين، عبر متابعة لفظتي العنوان[ملامح/ظل]، والتحاور معهما، وتتبع حركتهما في المتن الشعري لتجارب الديوان، على النهج الآتي:
أولاً- لفظة (ملامح) في الديوان:
- لفظة (ملامح) لُغَويًّا:
وهي من الجذر اللغوي( ل/م/ح)، قال ابن فارس في بيان دلالته الكلية: “اللام والميم والحاء أصلٌ يدلُّ على لَمْع شيء”، أي برقه وضوؤه، قال الشاعر جران العود:
أراقِب لمحًا من سُهيلٍ كأنَّه إذا ما بدا من آخِرِ اللَّيل يطرفُ
ويقولون: ”لأُرِينَّك لمحًا باصرًا”، أي أمرًا واضِحًا، و(ملامح) جمع تكسير للكثرة، مفرده (ملمح) و(لمحة، على غير قياس)، وله دلالتان معجميتان: الأولى (ما يظهر من أوصاف الوجه ومن مظهر الإنسان) سواء أكانت محاسن أو مساويَ، والدلالة الثانية: (المَشابِه)… وبعد هذا التحليل اللغوي للفظة الأولى في العنوان، يكون السؤال: ماذا تعني لفظة(ملامح) في الديوان المقروء؟
كي نجيب عن هذا التسآل علينا أن نستضيء بحضور اللفظة في أشعار الديوان؛ فقد جاءت هذه اللفظة في عنوان قصيدة (ملامح من الحياة اليومية)، وتعني مشاهدات ومرئيات. ومن عجب أنها جاء في عنوان قصيدتين من ديوانه رجفة المقامات(سنة 2020م)، وهما(البحث عن ملامحي)، و(بعض ملامحنا)!
وقد كررت لفظة(ملامح) -في هذا الديوان المقروء- ثماني عشرة مرة، وجاء الفعل منها(لمح) أربع مرات! وبتدبرها في سياقها نجدها تتوزع إلى الدوال الآتية:
- (الملامح) دالاًّ حِسِّيًّا:
وفي قصيدة (مشاكسات لا تنتهي) نجد لفظة (الملامح) ما زالت في معناها الحسي، وهو (ما يظهر من أوصاف الوجه ومن مظهر الإنسان، سواءً أكانت محاسن أو مساويَ)، لكنها أسندت إلى الشاعر، حيث يوصي النادلُ الشاعرَ:
[ألا يخفى فيضَ مشاعرهِ/إذ ما طفحَ بداخله الشوقُ/وأخبرهُ/بأن تجاعيدَ الزمنِ/قد امتلكت كلَّ ملامحهِ/وأن مداومةَ العشقِ ستنجيهِ]ومن القصيدة نفسها:
[رفع لواءَ الغضبِ/اشتاط وزمجرَ/حين انعكسَتْ صورتهُ في المرآةِ/وكان الشيبُ يُغطي كلَّ الرأسِ/وفوق ملامحهِ/خطوطٌ لم يعهدْها]وما زالت دلالة (الملامح) الحِسِّية، التي فيها أثر الزمن وفعله في الذات المبدعة حاضرة في قولها من قصيدة (مشاهد من رحلة لم تنته):[العائدون من المعاركِ/أنهكتهم/رجفةُ الأعضاءِ/حين تحسسوا/ما قد بقيْ/ فتثاقلوا/ كيما يعيدوا ملامحًا/رحلوا بها/فتزاحمتْ/أصواتُهم/كلٌّ يحاولُ أن يعودَ لهيئة/كانت تلازمه/لتعرفه عيونٌ ودَّعته].
وفي قصيدة (محاولة لفك اللوغاريتمات) نجد اللفظة حاضرة بمعناها الحِسِّيَّ منسوبةً إلى الذات المبدعة، حيث يقول: [حالت رغبتهُ/في أن يوقف غضبتهُ/وقف على ناصيةٍ/طالت وقفتهُ/كان العشاق يمرون ويلتفّونَ/فتنفتح أساريرُه/وتضيق ملامحهُ/تجهم وانقبض حثيثاً/حين تخطي الوقتُ حدودَ الوقتِ/فلملم كلَّ مشاعرهِ].
- (الملامح) دالاًّ فاعلاً ثمينًا:
في الديوان المبحوث قصيدة كورونية بعنوان (اقتلع الطاعون)، ونجد فيها للَّفظة بعدًا آخر خاصًّا بالحالة الوبائية التي يعيشها إنسان الفترة الحالية، حيث يحتاج أن يتذكر الأحباب ويتصل بهم قبل أن يفارقهم أو يفارقوه، يتذكر (ملامحهم)، لما لها من قيمة، ولما لها من مكانة! يقول: [فلتحبسْ في رئتيكَ/هواءً/لن تعهدَه حين تغادرُ/دعْ كلَّ معارفِك/وحاول/أن تحملَ في عينيكَ/ ملامحَ طفليكَ/ووجهَ أبيكَ/استعطافَ أخيكَ/لإخفاءِ شقاوتهِ/ومنازلةِ الأصحابِ/ لكي تبهرها]
وما زالت لفظة (الملامح) مقدرة وفاعلة في هذا النص الكوروني، حيث يقول شاعرنا: [أغلقْ أبوابَ مدينتِكَ/ وغادرْ/فلقد حلَّ بها الطاعونُ/وسكنَ منازلها/ الجرذانُ/وغطى أطرافَ مدينتكَ/ الحزنُ/فحاولْ/ ألا تتركه يأكل ما بقي/وغادر دونَ ملامحِك/منزوع السمتِ/كي لا يعرفك المنهزمون/وحاول حين تغادرُ/ألا تغلقَ عينيكَ/وترسم ما يغنيكَ/لكي لا تهربَ منكَ/ملامحُ بيتكَ/حين تحنُّ إليه/تذكـــرْ] فالحالة الكورونية فرضت على الجميع إخفاء الملامح، واستدعت من الجميع تخزين ملامح البشر(طفليكَ/ووجهَ أبيكَ/استعطافَ أخيكَ) وملامح الحجر(بيتك) حيث الفراق المتوقع، والفراق المفروض، ومن ثم الوداع للأحبة من بشر وحجر!
وطبَعي أن تكون اللفظة مهيمنة على الشاعر في موقفه من قضية النيل في قصيدته النيلية المعنونة بـ(حزن النهر)، فنجده يقول: [فارتعشتْ كلُّ ملامحِ وجهي]
وفي قصيدة (الخوف من الوهن) نجد أثر الخوف في قول الشعر:
[كان لي حين لامستُ وجهيَ/أني أراني.. كما لم أكنْ/ندبةً تتشكل فوق ملامحنَا/فتفضح شيبتَنا/يفضح الضعفَ]، فتغير (الملامح) باد وهو سبب الخوف، ودليل الوهن! وكذا حال (الملامح) في قصيدة (العودة إلى وجهي) حيث يقول شاعرنا:[مررتُ علي وجهي/فلقد خفتُ بألا يعرفني/وحين رأيتُ ملامحهُ/امتعضَ/أشاحَ وأغلقَ عينيهِ/فأشفقتُ عليه/توددتُ إليهِ/خشيتُ/ إذا ما فُتح البابُ/يفرُّ ويهجرني]، فالأثر الحاد في الذات الشاعر ظهر حين رأى (ملامحه) فذكرته بحقيقة التغير، وحقيقة فعل الزمن فيه.- (الملامح) هويةً وطنيةً وحضاريةً:
ومن قصيدة (البحث عن صفقتين) تأخذ (الملامح) بعدًا حضاريًّا، فتكون رمزًا للهوية، ومعادلا موضوعيا لثوابت الوطن والأمة! حيث يقول:
[عاتبه سائلُ:/” أو ما زلت تحمل اسمَ ابيك؟/وهل كنت تعرف أنك/حين تبيع الملامحَ/ستهرب كي لا نراكَ؟!/أظنك حين تنامُ/تحاول أن تتخلصَ/من طيفهِ”/كي لا تزلّ على حافة النهرِ/كل الذي عشتهُ/ضاع/حين خسرتَ ملامحَك/ الهوية]وهذا البيع لـ(الملامح)، وهذا الخسران لـ(الملامح/الهوية) يذكرنا بقول الشاعر العباسي ابن الرومي:
ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
فبيع الوطن والتفريط فيه لا يصدر إلا عن طريق صاحب صفقة فيها ضياع وخسران!
- (الملامح) دالاًّ عامًّا
وفي قصيدة (الخروج من جلباب أبي) نجد (الملامح) -بمفهوم عام: حسي ومعنوي، وهوالمعبر عنه مُعجَميًّا بـ(المَشابِه)، وذلك بفعل صراع الأجيال: الأب والابن-حاضرة في هذا النص، حيث يقول:[ولا أعرفُ كيف أفرقُ أنفاسي عن أنفاسكَ/رجرجني خوفي حين نظرتُ إليكَ/ملامحك أراها تحلِّقُ فوقَ ملامحِ وجهي/حين أراني/تبهجك إشاراتُ الأصحابِ بأني جزء منكَ/أوقفني صوتُكَ/فض الأحرازَ/ودقق في كل ملامحِ وجهي/أربكني]؛ فـ(الملامح/المشابه الكثيرة) بين الأصل/الأب، والنسخة/الابن بادية وحاضرة بطريقة لا يستطيع الشاعر/الابن التخلص منها أو تناسيها!
وأرى أن (الملامح) في هذا الديوان تشمل ذات الشاعر، وحياة الشاعر، وعلاقات الشاعر، وحركات الشاعر، ومواقف للشاعر، وروحانيات للشاعر، وعشقيات للشاعر، وتساؤلات الشاعر، وقرارات الشاعر، ومراجعات الشاعر، رؤى جاءت في شكل مشاهد ومرئيات، ومن ثم غلب على التجارب السردية والمشهدية والذاتية…
ثانيًا: لفظة (الظل) في تجارب الديوان
- لفظة (الظل)لغويًّا:
قال ابن فارس في بيان الدلالة الكلية للجذر اللغوي(ظ/ل/ل): “الظاء واللام أصل واحد يدل على ستر شيء لشيء، وهو الذي يسمى الظل، وكلمات الباب عائدة إليه”؛ ففي معاجم العربية: يقال: (ظلَّ المَكانُ، وظلَّ اليَومُ): دام ظلُّه، وصار ذا ظِلّ، وأظلك فلان: كأنه وقاك بظله، وهو عزه ومنعته، و(اِسْتَظَلَّ بِالظِّلِّ) : جَلَسَ فِي الظِّلِّ تَتَظَلَّلَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حائِطٍ. و(الظِّلُ): ظل الإنسان وغيره، وهو عتَمَةٌ تَغْشَى مكانًا حَجَبَ عنه أَشِعَّةً ضوئيّةً حاجزٌ غيرُ شفَّاف، ويكون بالغداة والعشي، والفيء لا يكون إلا بالعشي، وتقول أظلتني الشجرة وظل ظليل دائم والليل ظل… و(الظِّلُ) من كل شيءٍ: شخصُه، وأُوّلُه، يقال: يصاحبه كظلِّه: لا يفارقه، ويقال: هو في ظِلٌ فلان: في كَنَفِهِ، و(الظِّلُّ الممدود): ظِلٌّ أَو خيال يقع على شيء مجاور للمرسوم من سقوط الضوء عليه… والجمع : أظْلال و ظِلول أظُلَل”.
فـ(الظل) وما يشتق منه يدور حول دلالات: الستر، والأولية، والاستمرارية، والشخوصية، وهي دلالات حاضرة في تجارب الديوان، على ما سنعرف لاحقًا. وبقراءة لفظة الظل وما يشتق منها في تجارب الديوان يتضح لنا أن لفظ (الظل) قد ورد في الديوان أربع عشرة مرة، ولفظ (ظلي) خمس مرات، والفعل الماضي (ظل) أربع مرات، والفعل المضارع(تظل) مرة.
- الظل زمنًّيا:
- استعمل الشاعر الفعل(ظل) بمعناه النحوي، حيث يقال: “ظَلَّ الوَلَدُ جالِسًا في مَكانِهِ: بَقِيَ، و(ظَلَّ يُراجِعُ دُروسَهُ): دامَ، و(ظَلَّ على مَوْقِفِهِ): اِسْتَمَرَّ عَلَيْهِ”؛ ففي قصيدة (مصالحة) يقول شاعرنا موظفًا الصيغة المضارعة: [وتظل اليمني غارقةً في أمواجِ النومِ]، ثم ينتقل إلى الصيغة الماضوية، في قوله: [ظلت أذني اليسرى/ترفض أن تستمعَ لشعري/أو تستوعبَ إيقاعَ النغماتِ]، و:[وجه صغاره في صورةٍ/ظلت معلقةً على مرمى العيونْ]، وفي قصيدة: (مشاهد من رحلة لم تنته) يقول: [أمطرني الرجالُ هنا بألف تحيةٍ/ظلت تُصاحبني/وأنا اسارعُ خطوتي… ظلت تلاحقني]، وأظن الزمن دالاًّ حاضرًا في هذا الديوان، ولذا تكثر ألفاظه من ليل ونهار، وصباح ومساء، ووقت وعمر وحياة، وهذا يجعلنا نستدعي ديوان الشاعر (تنويعات على جدار الزمن) الصادر في المرحلة الإبداعية الأولى من مسيرة الشاعر، سنة1984م! كما نستدعي عنوان ديوانه(الحياة بلا أي وجه) الصادر في فترته الإبداعية الثانية سنة 2016م، وديوان (يوميات ثورة 30 يونيو) سنة 2013م؛ فالزمن بنية فاعلة في دواوين الشاعر وتجاربه، وقد وردت لفظة (الزمن) ست مرات، ولفظة (الزمان) ثلاث مرات، ولفظة (الحياة) مرة في عنوان قصيدة، ومن أدل النصوص على حضورها قول الشاعر من قصيدته (ليلك مثل نهارك): [هذا زمانُ اختلاطِ المواقيتِ/فالعام ما عاد عاماً/ولا الساعةُ الآن يمكنها/ أن تواصلَ بعضَ حسابِ الزمنْ/وما عاد عقربُها يتحركُ/ كيما تمرُّ الدقائقْ/فقد أفلت الوقتُ/ما عاد كالسيفِ/بل صار كالصخرِ/ما عاد للوقت طعمٌ/كلُّ شيءٍ توقفْ/فقد أصبحَ الليلُ/مثل نهاركْ]، وهذه الحالة الشعرية تناسب حالته العمرية، ويمر بها كل من كان سبعينيًّا أو تجاوز السبعين!
ثالثًا: (ملامح ظلي) تركيبًا:
يأتي (الظل) اسمًا مفردًا في الديوان أحد عشر مرة، ويأتي مضافًا إلى ياء المتكلم خمس مرات، وتلك المواضع الستة عشر، في القصيدة الأولى (محاوراتي مع ظلي)، التي أرى قراءتها أساس تأويل العنوان ومتابعة تجارب الديوان. وهي خَبَبِية الإيقاع، مكونة من ثلاثة وثمانية سطرًا، موزعةً على ستة مقاطع، ويأتي (الظل) عنصرًا فاعلا في كل مقطع. وتأتي كذلك لفظة (الملامح) وما يشتق منها أيضًا في هذه القصيدة، وفي هذه القصيدة نجد العنوان الرئيس يكاد يكون حاضرًا في سطر شعري منها، حيث يبني قول شاعرنا: [لمح الظلُّ ملامحَه فوق الماء]، حيث جاء الفعل(لمح) مسندًا إلى الفاعل (الظل)-وهو المفردة الثانية في العنوان- والمفعول هو(ملامحه) والضمير عائد إلى الظل، وهو المفردة الأولى في العنوان! وتكرر الصنيع نفسه في قول الشاعر من القصيدة نفسها:[فما إنْ غابَ شعاعُ الشمسِ/حتى ضاعت كلُّ ملامِحهِ]حيث أضاف (الملامح) إلى ضمير (الظل) المذكور في قبل هذين السطرين!
وفي المقطع الأول يأتي (الظل) معادلاً موضوعيًّا للمبدع، حيث يقول الشاعر:[كنت أحاول أن أترك ظلي/يجلس خلفي/كيما يرقب ما يجرى/حتى حين أعود إليهِ…]، وهو والشاعر خاسران في آخر المقطع حيث يقول: [منكسراً عدتُ/وما إن نظر إليَّ/حتى انسحب/يجرِّر خيبته].
وفي المقطع الثاني نرى الظل المعادل الموضوعي منطلقًا مع النهر ثم منتهيًا! حيث يقول الشاعر:[حين جلست على شاطئ نهري/لمح الظلُّ ملامحَه فوق الماءِ/فقاومنى كيما يهبط/وارتسمتْ في عينيهِ… وحين اهتز الموجُ/وضاعَ الظلُّ/فعدْتُ]، فَبَيِّنٌ مدى التمازج بينه وبين الظل، ويزداد هذا التمازج في المقطع الثالث، حيث يأتي عاشقًا ويأتي معشوقًا، حيث يقول:[أجلسُ قربَ النافذةِ/أرقبُ وقعَ خُطاها/ما إن شعرَ الظلُّ بطيفٍ يعرفهُ/حتى أسرعَ كي يسبقني/حاول أن يتزينَ
ليرافقَ ظلَّ حبيبٍ أعشقهُ/ما إن صادفَه/حتى امتزجا]، وهذا بعد رومانسي عاطفي ظاهر في هذا المقطع!
وفي المقطع الرابع نجد الظل رفيقًا حيث يقول الشاعر:[أوقفنى ظلي/كى يتحسسَ ضوءَ الشمسِ/وحجمَ السُّحُبِ/ووقتَ السَّيرِ/وهل سيكون أمامي أم خلفي/امتثلَ الظلُّ لوقعِ خُطايْ]، وتكون نهايته كنهايته في المقاطع السابقة، حيث يقول: [و تعثر حين وقفتُ/فلم ألمحْهُ/حين اختفتِ الشمسُ] ونلحظ الفعل(ألمح) المتصل بلفظة العنوان الأولى(ملامح)، وهي هنا مسندة إلى الشاعر لا الظل!
وفي المقطع الخامس نرى (الظل) ذاتًا أخرى غير الذات الشاعرة، لكنها تتصل بها! حيث يقول: [أوقفني مصباحُ الشارعِ/كيما أعبُر وحدي/رفض مرورَ/ورفع بوجهي قائمةً/تجبره كي يوقفهُ/فلقد خرج الظلُّ/عن المألوفِ/افتعل الظلُّ مُشاكسةً/أوقعه ضوءُ المصباحِ]، و(الظل) في هذا المقطع منكسر أيضًا! في قول الشاعر:[وحاول أن يخنقَهُ/لاحت في الأفقِ هزيمتُهُ/فأعلنَ ظلي/رغبتَه كي يستسلمَ/ويعودُ/من حيث أتى] ثم يأتي المقطع السادس مفسرًا لـ(الظل) في المقطع السابق، حيث يقول شاعرنا: [أعلنَ ظلي رغبتَهُ/في أن يخرجَ مُنفرداً/كنت أحاولُ أن أثنيَهُ/وحين تمسَّكَ
غادرتُ/تركت له خارطةَ طريقٍ/وبقايا ضوءٍ/وجلستُ على مقربةٍ كي أرقبهُ….]
وكانت نهايته الخطأ في القيادة والمرور، ومن ثم العقاب حيث كان الحكم من رجل السلطة:[لا يمكنك التجوالُ بمفردكَ/وكبـــَّلهُ/أدخله في قلبِ الظلمةِ/كي يحبسَه]، وما انكسار الظل إلا إشارة إلى النزعة الواقعية الإيجابية، فـ(الظل) ذات المبدع المنطلقة المنفلتة، التي تنال عاقبة انطلاقها وانفلاتها! أو كما ترى الناقدة (هبة السهيت) أنّ الظل هو الجانب الخفي الذي يرمز إلى “وجهنا الآخر” و”شقيقنا المظلم” الذي من جنسنا، والذي رغم كونه غير مرئي، فهو لا يفارقنا أبدًا ويشكِّل جزءًا لا يتجزأ من كلِّيتنا، بل إنه “الطرف المقابل” لأنيَّتنا الواعية: “كلنا متبوع بظل، وكلما قلّ اندماج هذا الظل في الحياة الواعية للفرد كان أشدّ سوادًا وقتامة، واللقاء مع الظل على هيئة حوار بينه وبين الأنا، لحظة مُكرِبة جدًّا، فالأنا تتعرض لخطر الغرق في النوازع المكبوتة التي تقرّ بنسبتها إليها والتي تتضاد ونوازعَها الواعية”. ولعل ما يرشح هذا التحليل الفلسفي للعنوان ما ورد في معجم ألفاظ اللغة العربية المعاصرة من أن لفظتي(الملامح والظلال) من اصطلاح أهل الفن(الرسم)، وأنهما تعنيان: أماكن مضاءة وأخرى مظلمة، يقال: رسام بارع في الملامح والظلال”!
وإن مطالعة قصيدة (عودة محاكم التفتيش) لتدلنا على أن الدافع إلى إبداع هذا الديوان، وتوظيف لفظة (الظل) هو حالة القهر والكبت التي يعيشها المثقف العربي منذ السبعينيات، مما يفسر لنا ظاهرة اللجوء إلى الكنايات والرموز والأقنعة والإسقاطات عند هذا الجيل السبعيني! استمع إلى محمد الشحات يقول: [في شارعٍ/وأنا أسيرُ بلا هوية/جاءني صوتٌ/مزلزلْ:قف هنا .. أو ها هنا/ أَخْـــرِجْ من الأعماق/كلَّ قصيدةٍ لا زلتَ تخُفيها]، فنحن أمام مبدع عنده(مخفيات) أو (مكتمات)! وما الذي يدفعه إلى الإخفاء والتكتيم؟! يقول:[ كنت أبصرُ حينما/أمضي/المشانقَ/ والقصائدَ/صُلّبت فوقَ المنابر/ ثم فاضتْ روحُها/فجلستُ أبكيها/وخفت إذا انتحبتُ/وغاض دمعي/فسقطتُ من خوفي/تكسرتِ/ الحروفُ/خشيتُ/حين رأيت بيتًا من بيوت الشعرِ/يهربُ/خشيةَ أن يُهــَـدُّ جدارُه/أو توصدُ الأبوابُ/خوفًا من هروبِ حروفِه] فالخوف على إبداعه، والخوف من إبداعه، والخوف من المشانق والمصالب والمفاتش! كل هذا دفعه إلى استدعاء ظله، وتوظيف ظله، وأنسنة ظله، وإنطاق ظله بما لا يطاق النطق به غزليًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا، عن طريق ثنائيات: الإضاءة والإظلام، والإقدام والأحجام، والتمرد والتسليم، والتشكيك والقبول، والاعتراض والرضا!
فالشاعر (محمد الشحات الراجحي) بهذا العنوان الرئيس(ملامح ظلي) يعلن عن مرئيات شخصيته الأخرى الخفية وعن رؤاها، وعن فعلها في الآخر، وعن انفعالها معه وفيه! وهو بهذا الصنيع الفني يجعل من العنوان الرئيس نصًّا موازيًا، وعبارة أُمًّا موجزة مكثفة، تعد مفتاح الدخول إلى تجارب الديوان. إنه ديوان يمثل حالة من التأمل من الأنا العليا في (الشاعر) في مواجهة(الظل/الهو) الخارجي، حسب رؤية التحليل النفسي، وهو كذلك دفقة إبداعية توزعت إلى تجارب، والدليل تتبع تواريخ إبداع كثير من التجارب، حيث نجد أن حالة عاطفية تهيمن على الشاعر فيخرجها في تجربة واثنتين وثلاث، ثم يخلص منها ليقع في حالة أخرى، وهكذا يأتي الشعر خلاصًا ودواءً لهذا الدفق الشعوري الإنساني النبيل !
ولعلِّي في قادم المقالات أختص هذا الديوان بدراسات تُضَوَّئُ رواه الذاتية والصوفية والنيلية والاجتماعية، إن شاء الله تعالى.
ناقد من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي