
قراءة فى ديوان تمنى لو يصحبه للشاعر محمد الشحات – عوض الغبارى
محمد الشحات شاعر يعد الشعر هاجسه الأول في حياته، وهو غزير الإنتاج فقد صدرت دراسات نقدية عن أعماله الشعرية فى خمس مجلدات تحتوى دواوين مثلت شخصيته الشعرية المتميزة وقد أهدى ديوان “تمنى لو يصحبه”. إلى أحفاده، وكأنه يتوجَّه بشعره إلى المستقبل. والديوان بحث فلسفى عن الذات، وحوار مع النفس الحائرة فى طريق الحياة.
وتعبر قصيدة “تمنى لو يصحبه” التى أخذ الديوان عنوانها عن هذه الرؤى الفلسفية التى تتعمق أغوار النفس الإنسانية.
وضع الشاعر نفسه أمام تمثله وكما هى معه فى فرحه وحزنه.
إن التمثال مرآته، وصانعه هو الشاعر ذاته، أو هكذا تخيل.
لكن الرؤى الفلسفية وأسئلة الوجود والمصير لا تطغى على الجانب التصوير فى القصيدة “محمد الشحات”.
يقول من قصيدة “تمنى لو يصحبه”:
أى تفاصيلٍ من رحلته
سوف تصاحب وجه التمثال
…
وأحس بأن الزمن توقف
…
كان يخاف بأن بتراجع
…
فلقد أحس بأن نهايته قد اقتربت([1]).
لقد أضفى الشاعر مشاعر الخوف والترقب، والمراوحة بين الفرح والترح على التمثال، وبادله الأدوار فى حوار ثرى رائع.
وفى قصيدة “السير بلا وجه” تتعدد الوجوه التى يحملها الشاعر معبرا عن مشاعره المختلفة واضطراره أن يصحب تلك الوجوه المختلفة.
يقول:
كان الوجه تخاف
بأن يتبدل فى كل مساء
وحين يجئ الصبح
لا أعرفه.([2])
إنه الزمن الذى يقص مضاجع الشاعر فلا يعرف وجهه إلا مضطرا حائرا يرضى ببقايا وجهه.([3])
ولكن المشاعر المضطرب لا تلبث أن تنقشع مع حروف من نور تهب الشاعر القدرة على التمدى فى قصيدة: “لن يهزمك الحرف” حيث يقول:
كيا تكمل رحلتك
كن فارس حرفك
وادخل للكلمات بقوة مَن عرف
ولا تتركها لكى تملكك([4])
ولكن الشاعر يعود أسيرا لقيد الزمن الذى لا يمكِّنه من استمرار الحلم فى قصيدة “الخروج من الحلم”.([5])

وهذا ما تؤكده قصيدة “اعتراف” حيث يقول: “محمد الشحات” :
فلا وقت لى كى أُضَيِّعه
فقد جنى نهرى
…
فقد أعلن الوقت رغبته
فى ملاحقتى([6])
لقد عجز الشاعر عن مصاحبة الوقت؛ حين يدب بداخلنا الوَهَن
ونحس قطار العمر
قد اقترب لآخر رحلته
وهنا يحيى الشعر صاحبه مبتهجا برحلته إلى العالم الوردى.([7])
لقد تعب الشاعر من معركة الحياة كما تعب “عارف الربابة” وربابته التى أبَّت فى قص بطولات المعارك:
فالتمس العذر
لأبطال حكايته
حمل ربابته وهى تئن
وأسرع فى مشيته
مخافة أن تخرج
بعض شخوِص
وتلاحقه([8])
وقصيدة “عازف الربابة” هذه هى القصيدة الافتتاحية
للديوان الذى تتسق قصائده فى نغم شعورى شجى تتكامل صوره الشعرية فى أدائه.
إن هناك فراغا شاسعا بين المرء ونفسه فى اغتراب قاس تصوره قصيدة “أنا والقرين” يقول الشاعر:
ورغم أننى هو
ورغم أنه أنا
يظل بيننا فراغ شاسع([9])
يجد الشاعر نفسه وحيدا باحثا عن ذاته، وتحديد ملامح وجهه فى قصيدة “مفارقة” يقول “محمد الشحات” منها:
وحين مررت على داخلى
كل ما عشته
خِلتًه شخصا غاضبا
فقد خنته
حين أسلمت نفسى لوجهى([10])
وعلى هذا يمضى الديوان مستسلما لهذا العجز عن مداراة الزمن الذى يغيِّر الإنسان يختلف كبره عن صغره، ويستبد به الإحساس بالحزن والانكسار.
إن مرور الزن كفيل بتغيير ملامح الوجه، وكبت أحلام الطفولة والشباب، يقول الشاعر من قصيدة “حال سبيلك”
كنت أحاول
أن أختزن بصدرى
بعضا من رغبات
للقادم من عمرى
ورأيت زمانا
أكل منه الأيام وشرب([11])
قصائد هذا الديوان فقد وحنين وتمنيات لصحبة الحياة والولوج إلى أسرارها بحثا عن السعادة.
فى القصيدة الثالثة والثلاثين، وهى آخر قصائد الديوان توق إلى طعام الأم وحنين إلى الذكريات معها، وتمنيات لصحبتها.
وفى قصيدة “وصايا أبى” استحضار لوجه الأب للاستفسار عن سر مجابهة الزمن:
“لم ينتبه الابن لسرعة دوران الأيام”
وسرق الزمن الصبا والشباب، ويعود إلى ذكرياته مع دفء الأب، وقراءة أوراقه كى يكمل رحلته، يقول الشاعر:
كانت كل وصاياه
فريقا يعبر لى جهة النور. ([12])
وتجمع قصيدة “كنت أبى” الأب والابن والحفيد
ويلح شعور الفقد للأب ويستحيل لدى الشاعر عطفا وحنانا على الابن.
يقول الشاعر:
سأمتع طفلى
إذا ما أراد معانقتى
كل ما يرتضى([13])
وقصيدة “الخروج من الحلم” تطلع إلى الحلم وقد استعصى النوم على العيون، يقول الشاعر:
كان الصحو يراقبنى
….
ويخرجنى من حلمى([14])
يريد الشاعر أن يصحب قصيدته التى صاقت عنه أحرفها فى قصيدة “لحظة فرار”.
إن الشاعر يحاول الإمساك بما يحب متمنيا أن يصحبه كما يشير عنوان الديوان.
إنه يحاور القصيدة المبتغاة لكى تخرج من محبسها،
ولكى يتغلب على تمردها لينطلق إلى آفاق سعادته بالتعبير عما يكتنفه من مشاعر تبحث عن الانطلاق والنور. ([15])
إن الشعور بالقيد ومحاولة الانعتاق من أسره، “تيمة” الديوان تتراءى فى كل قصيدة فيه مثل قصيدة “مصارحة”.
كذلك الحزن والعجز أمام فعل الزمان فى الإنسان مثل قصيدة “مغافلة” التى ينعى فيها رحيل الأحبة.
وتتجلى هذه “التيمة”، أيضا، فى قصيدة “لحظة تمرد”، وقصيدة “رحلة نور” التى يقول منها:
كان النور
يحاول أن يقتلع
ما نام برأسى من ظلمة
حتى أبصر
ما لم أبصره([16])
لقد بلغ الحزن منتهاه فى قول الشاعر:
وجهك ما عاد يطاوعك
كيما يحمل فوق ملامحه
ما ينسئ
عن أن الرغبة
فى أن تبكى قد رحلت
ويوزع “محمد الشحات” أنغامه الموسيقية على الأسطر بحرفية لا تطغى على أحاسيسه الشعرية المرهفة.
ومع مشاعره الحزن فى قصيدة:
لا يفقد الشاعرالأمل فى الضحكة:
فلقد ضاق القلب بحزنك
أطو صفحته
ما زال الماء يواصل
رحلته
ووجهكِ سوف يطاوعك
وتعود إليه ضحكته([17])
والنهاية هى البداية فى قول الشاعر:
لم يتمكن من أن يحمل ما خلَّفه
فأحس بأن الرحلة قد بدأت
حين نحسس
ما كان يحيط به من ثوب أبيض غطَّاه
فلم يمكنه أن يخرج آخر ما كان بداخله([18])
لقد عرض الشاعر رحلة حياته فى ظل مراقب يرصد حركتها وتواقرها بين الشباب والكهولة، الفرح والترح، الأمل والإحباط، الرضا والغضب، الحب والكره، إلى غير ذلك ما لم يتمكن من عرضه.
ومع ذلك نجد ومضات شعرية تنطلق إلى عيون الحلم،
يقول الشاعر:
يا عيون الحلم لا تهنِى
وكونى
أولَّ الكلمات
أول ما نطقتُ به
فإذا انتهيت من الغناء
ترنمت لغتى
وطارت لا يطاولها
إلا السحاب
ويهتدى الشاعر بما رأى من حروف النور أسكنته الهدأة والهداية إلى طريق النجاة. ([19])
وتأتى الحكمة مؤثرة فى قول الشاعر:
لا تهتم بكمل ما عرفته
فخهلف كل شيئ
يختفى
ما لا تراه شاحصا
وخلف كل لحظة تعيشها
ستأتى ألف لحظة([20])
إنها رحلة الحياة بما تبدى من أسرارها وما خفى.والشاعر يريد أن يصادف رائحة الأجساد المتعبة، وينشد أن تسكنه ذكرياته التى لم يهمله الوقت للعودة إليها([21]).
ثم يعود “محمد الشحات” إلى شاعريته ليطلعنا على خباياها قائلا:
كنت أخاف تلعثم حرفى
فإذا ما أحسنت
أحس بذوبان الحرف
تملى أطراف فمى
فيغادرنى الخوف
…
حين عبرت مواطن ضعفى
كان لزاما ألا أنظر خلفى([22])
إنه الشاعر الذى ينصت إلى همس الحرف، ويبدع الشاعر وأمامه وخلفه زاد معرفى ونزوع إنسانى. ويبلغ بها طريقا محفوفا بالحب والإجلال والتقدير.
الهوامش:
([1] ) محمد الشحات، ديوان “تمنى لو يصحبه” الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، 2022، ص 47 إلى 50.
([7] ) الديوان، قصيدة: “رحلتك الوردية” من ص 79 إلى 82.
([15] ) الديوان، ص113 إلى ص 115.
([17] ) قصيدة “العودة إلى الضحك” ص 11، 12.
([18] ) من قصيدة “العرض”، ص112.
([19] ) قصيدة “حروف الارتواء” ص 85 إلى 88.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي