الرئيسية / ملف خاص / ملف خاص بالمرحوم الشاعر محمد الشحات دراسات: مرايا النسق السردي في النص الشعري المصري المعاصر عند محمد الشحات – ماجد قائد

ملف خاص بالمرحوم الشاعر محمد الشحات دراسات: مرايا النسق السردي في النص الشعري المصري المعاصر عند محمد الشحات – ماجد قائد

مرايا النسق السردي في النص الشعري المصري المعاصر عند محمد الشحات – ماجد قائد

مقدمة:

يتداخل الخطاب الشعري مع نصوص فنية أخرى، فبالرغم من تميز النص الشعري بسمات متفردة، إلا إن روح السرد يسري في جسد نصوصه، فـ ” السرد بنية أصيلة في الخطاب الأدبي سواء أكان سردا روائيا أم شعريا مهما اختلفت الأنواع، لأن رغبة الإنسان في الحكي رغبة إنسانية تكشف رؤيته للأشياء وتحدد علاقته بالعالم، إنها رغبة في التطهير، والبوح وإعادة صياغة العالم وهو في حالة تجلّ “[1]. إن النص الشعري المعاصر قابلا للتكيف مع التضاريس المختلفة نظرا لما يكتنزه من مقومات فنية تتكيف مع المناخات الشعرية، وترسم الواقع بكل صوره وتحولاته. لذا أولت الدراسات النقدية عناية كبيرة لبنى النص وأنساقه، كونها الأسس البنائية للعمل الشعري، ومعمل أحداثه ومواقفه، وحقله الدلالي، وخيوطه الناظمة التي تكشف عن أسراره الجمالية مع كل قراءة.

يتوغل السرد في كل أشكال التعبير، باعتباره سمة في الخطاب اللغوي،  وهذا  يعني وجود الرؤية السردية في النصوص الشعرية، وينزع النص الشعري المعاصر إلى السرد للتعبير عن الأبعاد الإنسانية المختلفة. اتشح النص الشعري عند محمد الشحات بأبعاد سردية، فهو نص يتميز بنسج الخيال واسترسال المخيلة، ونسقه المترابط بتقنيات فنية، بنت عرشه، ورصعت جماليته، وهي تقنيات مالت إلى استثمار السرد في تشكيل النص وتوليفه وتأليفه. جاء استخدام تقنيات السرد في الشعر العربي كوظيفة بنائية في إنتاج النص الشعري بشكل واضح مع موجة الحداثة الشعرية، حيث انفتح النص الشعري الحديث على فضاءات وآفاق فنية متعددة، فأنتج أشكالا تعبيرية مختلفة، وحاول تحطيم الحدود بينه وبين السرد، فاستفاد من تقنيات البنى السردية، ما جعل القصيدة سلسلة من التحولات والأحداث والحوارات. يمتاز النص الشعري المعاصر بنزوعه السردي، فوجود النفس السردي في النص الشعري المعاصر ميسمة جمالية، وعنصرا فعّالاً يدل على انفتاح النصّ ورفده بطاقات دلاليّة وجمالية، وعوالم ورؤی جديدة. هناك تواشج بين الشعر والسرد، غير أن لكل من الشعر والسرد خصائصه الفنية، فالشعر يتميز بأسلوبه المجازي والاستعاري الكثافة والإيحاء، بينما السرد يميل إلى أسلوبه الكنائي والواقعي والتتابع والسهولة والاطراد.

كيف يجعل الشاعر النص الشعري متنا حكائيا، وما دور السيمياء في تفكيك بنى السرد في النص، واكتشاف نسيج خيوط الدلالة وأغشية المعنى؟ لذا تنطلق فاعلية القراءة النقدية السيميائية من النبش في الأنساق المشكلة للنص كخطاب تواصلي وحقل دلالي، وكشف حركتها ومضمراتها، وهو ما يجعل النص ممتدا بظله، ومنفتحا على غيره. تسعى المقاربة السيميائية إلى تفجير أنساق النص عبر آليات القراءة والتأويل، فيكون النص قادرا على تجاوز ذاته، فتتنامى دلالاته وتتكاثر معانيه، وتتكشف مكوناته، ويُنتج نصا جديدا.

إن النص بمجمل بنياته علامة سردية، بمستويات عدة، تحمل في طياتها معاني متعددة تفهم من خلال القراءة والتأويل. تعتمد البنية الشكلية الظاهرة للنص على النسق اللغوي والإشاري، ومحاورتها من قبل القارئ يعنى الغوص في بنيته الخفية العميقة، فالقدرة على ممارسة الملائمة بين الشكل والمعنى الظاهر والتعمق في المضمون والمعنى المضمر هي من تنتج أنساقا جديدة.

يحفل النص الشعري عند محمد الشحات بظاهرة التسريد، لذا تهدف مقاربتنا السيميائية لنصه الشعري إلى تشريحه وكشف وشائج بنياته السردية المختلفة بغية الوصول إلى كيفية تشكل الدلالة وطرائف انبثاق المعنى. تنطلق الدراسة في البحث عن الأنساق السردية الشعرية  التي استخدمها الشاعر محمد الشحات في تشكيل نصوصه، ومحاولة  الكشف عن تجلياتها التي رسمت معالم النصوص الشعرية، وبأرت  الدلالات الإيحائية، واكتنزت القيم الجمالية، فالتعرف على أنساق ومكونات النص الشعري تجعله نصاً ثرياً بالدلالات والرؤى. جاء تقسيم الدراسة على مبحثين، تناول المبحث الأول سردية النسق العتباتي النصي، وتناول المبحث الثاني تجليات البنى الفنية السردية في النصوص.

المبحث الأول: سردية النسق العتباتي النصي.

أصبحت القصيدة المعاصرة نصا مفتوحا على فضاءات أجناسية مختلفة، تستعير من أدواتها وتكنيكاتها الفنية لتجسيد الرؤية الشعرية. فـ”السرد من أقدم أشكال التعبير الإنساني على وجه الإطلاق، وذلك لأنه ارتبط بعملية التفاعـل الإنسانية منذ بدء اللغة كمفهوم إشاري في مهد الحضارة الإنسانية”[2]. يتوالد النص الشعري في قصائد محمد الشحات من بنيات نصوص أخرى، حيث يستعمل الشاعر بعض أساليب الحكي السردي، بهدف تسريد شعره، وإخصابه. لقد استثمر بنيات السرد وأنساقه لغرض التفاعل النصي للقصائد، والتعبير عن الحالة الشعورية، وإبراز رؤيته الشعرية، فجعل من العنوان علامة ساردة، واتخذ من الفواتح النصية خيوطا تنسج النص، وتساهم في بنائه ودلالته.

سيمياء العنونة السردية:

يعد العنوان بنية أساسية، وعنصرا مكونا في بناء الخطاب، فهو علامة دالة على النص، ومؤشرة عليه، يمتلك طاقة من العبور إلى أعماق النص، ويلقي بظلاله عليه، “يتضمن بداخله العلامة والرمز، وتكثيف المعنى”[3]. إن العنوان اللبنة اللغوية الأولى التي يلتقي معها القارئ، ويستنبط منها الفكرة التأويلية الأولى لملامح السرد في القصائد.

بدأ الشاعر مسيرته السردية من عناوين دواوينه وقصائده، ففي ديوان (ترنيمات شاعر قبل الرحيل) فمفردة (ترنيمات) تشير إلى مقطوعات الطرب والغناء والأناشيد القصيرة، وتحمل متواليات سردية من خلال عناوين القصائد في الديوان (أنا والشعر، نكتب ما لم نكتبه، من يوميات شاعر عجوز، ما أكتبه، أغنية للخبز، رباعية، جفت حروف الصمت، أمارس موتي، نحو الحياة)، ومفردة (شاعر) توحي بالفن والخيال والسارد في الديوان، و(قبل الرحيل) تشير إلى البنية السردية الزمنية.

يشي العنوان في ديوان (محاولات لا يعرف نهايتها) بفضاء رؤية حاشدة بالسرد، فمفردة (محاولات) تدل على تكرار الأحداث وتتابع المواقف، وهذه المحاولات مفتوحة في الزمان والمكان، ومتمددة في عناوين القصائد ونصوصها، نجد ذلك في (حوار الظل، التدرج في لغة القول، ثنائية الذوبان في حدائق المعشوقة، سأفتح باب لأخرج، محاولات لا يعرف نهايتها، رباعية لا عنوان لها، الخروج من الدائرة، محاولة لقرض الشعر، محاولة للمعرفة، متى أعود إلى شرفة البيت، رحلة الحزن والألم، وجه ظل يطارد، مطاردة الوقت) تفصح العناوين السابقة عن شبكات من العلاقات السردية المتواشجة مع عنوان الديوان، لقد استطاع الشاعر أن يشكل العناوين السابقة من تمظهرات سردية مختلفة في عملية من التوالد وإنتاج مشاهد متعددة.

تشير جملة العنوان في ديوان (يكتب في دفتره) إلى إشارات تقريرية ببنائها السردي الظاهري، فالكتابة شروع في السرد، وصناعة للحوار، وحياكة للخيال، وتوارد للأحداث والمواقف، ورص فسيفساء اللغة في بناء النص. استطاع عنوان الديوان أن يلقي بظلاله على عناوين القصيدة، لربما  استقى الشاعر فكرة العنوان من سلسلة عناوين القصائد، نجد ذلك في (أكتب ما لم أكتبه، أنا والشعر، تشابك، نكتب مالم نكتبه، من يوميات شاعر عجوز، محاورات لظل يرفض أن يتركه، ما أكتبه، أغنية للخبز، محاولة لاستكمال الحلم، جفت حروف الصمت، نحو الحياة). إن العنوان علامة من العلامات السردية مثقلة بالدلالات والمعاني، تحيل إلى داخل النص، وتفطر سموات السرد، وتنفذ في طبقاتها المختلفة.

الفاتحة السردية في القصيدة :

تمثل الفاتحة السردية لبنة مهمة في البناء السردي، وبداية الخيط السردي المحبوك الذي ينسجه السارد، ونقطة الانطلاق نحو مواقف وأحداث متتالية، وتعمل الفاتحة السردية على كشف سرديات القصيدة وشعريتها، والتمهيد لأحداثها، وانطلاق مسيرتها. فالفواتح في النص الشعري الأنموذج النسقي الذي يتوج الخطاب الشعري، ويفتح مغاليقه. “إنها أعقد أجزاء العمل لأنها واجهته الشفافة التي تدفع القارئ إلى الاقتراب أكثر من النص”[4].  استدعى الشاعر محمد الشحات أنساقا متعددة في تشكيل فواتح القصائد، فجاءت أغلب قصائده بفواتح سردية، بصور وتشكيلات مختلفة، وسنعرض بعض الفواتح النصية، نجده يفتتح قصيدة (حين تنتحب البلاد)، بقوله:

أطلق رصاصتك الأخيرة

وانتحِ

كي تحتمي

من صوت من قتلوا

ولسوف تلعن قاتليها

أنت الذي أطلقتها

وتركتها

تعوي وتحصد من تراه

وتظل تترك خلفها

طفلا يعانق يتمه

وضفائرا

لن ترتمي في حضن عاشقها.[5]

بدأت الفاتحة السردية في القصيدة بعنصر العنف والقتل والرصاص، (رصاصتك، قتلوا، قاتليها، أطلقتها، تعوي، تحصد، تترك، يتمه، طفل، ضفائر) تكشف هذه الأنساق عن قوة الصراع والعنف منذ لحظة البداية، وانكضاظ المشاهد الدموية، حيث تتواكب الأحداث، وتسلسل الوقائع في مشهد درامي مؤلم، يستفز القارئ، ويكوّن صورة مشهدية عن النص. أدت الفاتحة دورها في بناء النص، وذلك من خلال تمدد خيوط الأنساق داخل القصيدة. يفتتح الشاعر قصيدة (زيارة قصيرة لوجه أبي) بفاتحة استرجاعية، يقول:

كان يطيل النظر

لوجه أبيه

ولا يتركه

إلا حين يراه

يقلب عينيه

فيرحل

ويحاول أن يخرج

ما كان يخبئه

في ذاكرة

لا يمتلك إلا أن يغلفها

كي لا تتناثر[6]

جاءت الفاتحة النصية القصيدة مستحضرة وجع التذكر والألم والفراق، وشكلت حلقة الارتكاز المبدئي في تسلسل وعرض مواقف النص وأحداثه المؤسفة، لقد أثارت الفاتحة السردية في القصيدة المتلقي، وشدته للبحث عن المعاني المسترسلة في النص. في افتتاحية قصيدة (متى يعود الغائب)، يقول الشاعر:

كاد يطاولني،

فأكاد أشب لألحقه،

كي أمطره،

بمزيد من قبلاتي،

كنت أخبئها

وأحاول،

أن أتحين رجفته،

كيما أخرج مبتهجا

فأدس بعيني كل ملامحه

أن أملأ صدري

من طيب رائحه

حين رحلت

فلا تتركني

طال وقوفي

منتظرا خلف الباب[7]

الفاتحة النصية السردية في القصيدة مشحونة بطاقات من الشوق واللهفة والمحبة للغائب الذي ينتظره السارد، قد يكون أبا أو صديقا أو حبيبا. يبدأ الشاعر برسم لوحته الشعرية بريشة عذابات الفراق والاشتياق، تبينها أنساق النص (يطاولني، لألحقه،  قبلاتي، ملامحه، أملأ، طيب رائحته، رحلت، تتركني، طال وقوفي، منتظر) مثلت الفاتحة السردية في القصيدة بؤرة فنية مركزية للقصيدة، حيث هيمنت بظلالها على أجزاء القصيدة. نجد فيما سبق كيف تمددت الفاتحة النصية في القصيدة وتداخلت مع نسيج النص، فللفواتح ملمحها الخاص في تركيب القصيدة، وتحقيق شعريتها.

دور التناص في التفاعل السردي:

إن النص الشعري نتاج لتقاطعات نصوص أخرى، يخلق فضاء نصيا متعدد المدلول الشعري، فهو “مجال لتقاطع عدة شفرات، تجد نفسها في علاقة متبادلة”[8]. يحضر التناص أو التفاعل النصي في نصوص الشاعر محمد الشحات كتقنية سردية، حيث يمتح من مختلف مشارب الخطابات الدينية والشعرية. يهيمن التناص  الديني بشكل لافت في نصوص الشاعر، حيث اكتسبت القصائد قدرة استيعابية على دمج نصوص قرآنية، ففي  قصيدة (كلمات شاعر قبل الرحيل) يقول:

ففر إلى الله[9]

وهو تناص قرآني مع قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ  إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)[10]، والتناص يقوي المعنى في البيت السابق، فالفرار والملجأ لا يكون إلا الله، والهروب إليه بفعل الصالحات، والابتعاد من المعاصي، والتقرب إليه. في قصيدة (قبلتك الأولى)، يقول الشاعر:

فقاتلهم حتى تفنيهم عن آخرهم[11]

تناص قرآني مع قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)[12]، وفيها دلالة على الشدة والغلظة،  في قصيدة (لحظة التكوين)

وحاول أن تنتفض،

وعثاء السفر

وول وجهك شطر البيت[13]

في الأبيات السابقة تناص مع قوله تعالى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)[14] دلالة للانصراف والقصد نحو المكان المقدس وهو مكة، كما في الأبيات تناص مع الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ”، للدلالة على مشاق الرحلة في الحياة، في قصيدة (طاقة نور غطت غرفته):

والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس[15]

ينقل الشاعر في البيت السابق الآية القرآنية كما هي، قال تعالى: (واللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ)[16]، وهو تناص يوحي بدلالة انسدال الظلام، وانبلاجه بنفس الصبح، في قصيدة (معركة استرداد النفس):

ضاق الصدر بما رحبت[17]

في البيت السابق تناص قرآني مع قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)[18]، دلالة على بلوغ الأمر المنتهى وعدم القدرة على احتماله. في (قصيدة لم يأمن من خوف):

آمن من خوف[19]

في البيت السابق تناص قرآني مع قوله تعالى: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)[20] دلالة على أهمية الأمن في حياة الأنسان، والشاعر يشير إلى الأمن الروحي والسلام المجتمعي. يلجأ السرد في النص الشعري إلى التناص مع أنساق الكتابة الشعرية، حيث اقتبس الشاعر محمد الشحات نصوصا لشعراء آخرين، واستحضر خطاباتهم، نجد ذلك في قصيدة (أنا والشعر):

فلو ملكت بحور الشعر قاطبة[21]

يتناص مع قول الشاعر مظهر بن عبدالنبي بن مهدي آل إطيمش من قصيدة (في ذمة المجد) جاس البحور بحور الشعر قاطبةً

تزخر قصائد الشاعر بالتفاعل النص، أثرى النصوص، وساعم في تشكيل لحمة الخطاب الشعري. يدل التنوع النصي في القصائد على سعة اطلاع الشاعر، وانفتاحه على ثقافات متعددة، ويبين أن الشاعر على قدر من الثقافة الدينية, ورغبته في ترصيع نصوصه بالجمالية، واستثارة فعالية القراءة عند المتلقي.

الإيقاع السردي البصري في الفضاء النصي للقصيدة:

انزاحت الكتابة الشعرية في القصيدة المعاصرة عن الأطر الصارمة لقواعد النظام، وابتكرت لنفسها أشكلا متعددة، حيث أصبح لكل قصيدة هيئتها الخاصة، وهو ما يخلق إيقاعات بصرية. يلعب الفضاء البصري في تكوين معمارية القصيدة،  فهو “الحيز الذي تشغله الكتابة ذاتها – باعتبارها أحرفا طباعية- على مساحة الورق”[22].

يتمدد السرد عبر إيقاع  الأسطر والجمل الشعرية ويحدث حركة موسيقية، ويحرك معه خيال القارئ، “فالجملة الشعرية بنية موسيقية، … تشغل أكثر من سطر”[23]. وظف الشاعرة الظاهرة البصرية الكتابية المتعددة الأشكال في نسيج قصائده، ما أضفى عليها أبعادا دلالية وجمالية.

مارس الشاعر محمد الشحات لعبة التفنن في تشكيل القصائد، في لعبة السواد والبياض، والخواء والامتلاء، والتدرج، والتساقط، كل هذه التشكيلات السردية البصرية ساهمت في جمال القصيدة، وحركة المعنى. نجد الشاعر أحيانا يقسم قصائده في مقاطع متوازية، في أشكال مربعات ومكعبات، كما هو الحال في قصيدة (رباعية)، وقصيدة محاولات لا أعرف نهايتها، التي جاءت في خمسة مقاطع تتعدد أشكالها البصرية بين متساقط ومتدرج. وسنعرض نموذجين من الشكل التسريدي البصري للقصائد، في قصيدة (محاولة للبقاء منتبها):

قد يتساقط من صدري

بعض ضلوع

ضاقت،

واتسعت،

وانبسطت،

وانغلقت،

وانكمشت[24].

هذا الفضاء السردي بتصادماته الطباعية وتبادلاته المكانية، يخلق طابعا بصريا مميزا، يولد من حركة الفكر عند الذات الشاعرة، وما تعيشه من لحظات هدوء وتوتر. يأخذ الشكل البصري في قصيدة (لحظة استسلام) شكلا متفردا:

انتبه

لعناق موائين

فحاول ألا يصحو

أسلم كل مشاعره

لموائين خفتا ثم اختفيا

وبدا يبحث عن أصوات غناء

حاول أن يقرأ ما كان يدق مسامعه

أصوات النسوة تعرف كيف تحرك ما تخفيه[25]

تشير الحركة التنازلية المتدرجة في النص السابق عن اتساع حركة فكر الشاعر، جاء على هذا النسق الكتابي أغلب القصائد في شكل مثلثات وأهرامات، كما في قصيدة(أكتب ما لم أكتبه) وقصيدة(متى تورق شجيراتي) والتي تعكس دلالة العنوان من خلال التشجير الكتابي في القصيدة. عمد الشاعر إلى زخرفة القصائد من خلال التزيين الشكلي، ووصل النسق الفني للقصيدة بالرؤية البصرية، فاختلفت وتعددت سردية الإيقاع البصري والصوتي حسب حركة المد والجزر الذي تحدثها الحالة الشعورية للشاعر.

سردية التذييلات في القصائد:

تعد التذييلات في قصائد الشاعر محمد الشحات عتبة نصية تسرد متواليات زمنية، وهي “إحالات يقدمها كاتب النص، ومن خلالها يرصد السياق الخارجي”[26]، أنها أنساق مهمة في التأليف الشعري. تكشف التذييلات في قصائد الشحات عن البعد الزماني والمكاني لميلاد القصيدة، وهي عبارة عن شهادات ميلاد توثق لحظة زمان انبثاق القصيدة، ومكان توالدها، لكن ديوان (ترنيمات شاعر قبل الرحيل) يخلو من هذه البنية العتباتية المهمة، وتحضر في ديواني (يكتب في دفتره، محاولات لا يعرف نهايتها)،  وقد جاء أغلب القصائد في الفترة الزمنية بين 2016-2019، وهي فترة تميزت بغزارة الإنتاج الشعري, وتعد حدائق القبة المكان الخصب لقول الشعر عند الشاعر.

 

المبحث الثاني: تجليات البنى الفنية السردية في النصوص.

تتجلى عناصر البنية الفنية السردية في نصوص الشاعر محمد الشحات بصوت السارد، والشخصيات المتفاعلة والفاعلة في عوالم النصوص، وعنصري الزمان والمكان، تداخلت هذه التقنيات السردية وشكلت عناصر مهمة في بنية النص الشعري، وصبغته بلون السرد، “فمعرفة البنية التي تشكل منظومة أو منظومات من العلاقات المستترة التي ينالها التصور لا الحواس، تمكن من معرفة ماذا تعني المنظومة بالنسبة للعناصر الأخرى في النص”[27]. إن القصيدة السردية بناء هيكلي تتوسل بعناصر السرد في تشيّد معماريتها، فتتوفر “على أحداث حقيقية أو متخيلة تتعاقب وتشكل موضوع الخطاب ومادته الأساسية”[28]. جعلت البنى السردية في قصائد الشحات من النص نظاما إشاريا، ينفتح على قراءات متعددة، ويحمل مدلولات كثيرة، وسنعرض أهم عناصر البنى السردية في قصائد الشاعر.

السارد وحضوره النصي:

وظف الشاعر محمد الشحات السارد كعلامة تندثر منها الأحداث والمواقف. تميز السارد بحضوره الفاعل في أغلب القصائد، وله دور مهم في توجيه حركة السرد الشعري. تمكن السارد بتحويل النص إلى التعبير الرَّمزي المشخص، حيث “يقوم السارد بالحديث عن الذات وكينونتها،  ويقوم السرد التشخيصي على الحديث “عن الذَّات، وعن الأشياء وتشخيصها، أو تجريدها، وصفًا ومدحًا وتفسيرًا”[29].

التوزيع في استخدام الضمائر:

لابد للسرد في النص الشعري من سارد يعالج الأحداث والمواقف في شريط سردي، قد يكون السارد هو الشاعر أو  يتوارى في الضمائر لينقل ذاتية الشاعر من وجهة أخرى من خلال الضمائر المبثوثة في النص. فالسارد في النص الشعري غالبا ما يكون غير مميز الملامح والصورة ويقوم بوظيفة الإخبار والوصف والحوار، ويساهم في تشكيل العلاقات والدوال داخل النص، فالضمير يقوم مقام الشاعر ليسرد لنا أحداث النص، نجد ذلك  في قصيدة (أغنية للخبز):

أجلس رفقته

وتقاسم بعض لقيمات

كان يخبئها في مخبئه السري

ليقاوم شبح الجوع

واستند لجذع

جفت كل منابته

ظل يهز .. فلا يساقط[30]

ينحو السارد المضمر في بعض النصوص منحى فلسفيا، يسرد الأسئلة، ويبحث عن كنه الحقيقة، نجد ذلك في قصيدة (علنا ننجو) يقول الشاعر:

أو ما لبثت لكي تعود؟

وتظل تمخر في البرية

طول عمرك

أم ستأوي[31]

غالبا ما يلجأ الشاعر إلى السارد المضمر، لنقل مواقفه، ويرسم حقيقة خياله، فالسارد المضمر أو الضمني في النص “عادة ما يلتبس بالسارد الفعلي، ويكون من خلفه، ويمكن أن يؤدي عددا من الوظائف التأويلية”[32]. فهو سارد يعبر عن ذات الشاعر، لأنه من صنعه، ومن تشكيله، وهو ما يجعله يسيطر على مساحات النص.

الشاعر ساردا:

يتدثر الشاعر محمد الشحات في شخصية السارد ليعبر عن أفكاره في بناء سردي بديع، فيقوم بدور السارد، والسارد الشاعر في النص الشعري هو الذي يمثل “موضوع التلفظ الوحيد، المحتكر للخطاب، دون أن يتخلى عنه لفائدة أس شخصية أخرى”[33]. تمكن السارد الشاعر من رسم صور متخيلة مع عناصر الواقع، وأفرز إيقاعا سرديا متفردا، واستفاد مما يتيحه السرد الحكائي من حركية ومشهدية.

يقف السارد في قلب حركة النص في مواقف رمزية، ويجعل “من نفسه محورًا للنص، فصار هو المخبرَ الوحيد عنها، الذي ينمي حركة النص، أو يثبتها؛ حيث يتحول الشاعر هنا إلى راوٍ ومتلقٍّ في آنٍ واحد، ويكون الحدث (السرد) النابع من ذاته هو محور الحركة، والخطة التي يتبعها النص مع الاستعانة أحيانًا بسارد آخر ينبع من الذات الأولى أيضًا، أو يمثل وجهًا موضوعيًّا لها”[34]. يتضح من خلال نصوص القصائد أن الصوت السارد المهيمن فيها هو الشاعر، فهو الشخصية الساردة  الفاعلة التي تطرح المشاهد وتقوم بتصويرها، لذا تضامن صوت السارد وهو الشَّاعر مع الصوت الآخر في جدلية الحكي، واستثمرها في وصف سيرورة الأحداث ونقل الوقائع وتوصيف الأحوال ما أضفى على النصوص الحركية والجمالية.

الشخصيات ودورها الإشاري:

تتعدد الشخصيات في النصوص، وتساهم في توجيه حركة النص الشعري، “فالشخصيات في القصيدة تدخل برغم كونها موجهة من قبل السارد في توجه النص، وتعد في ذلك بمثابة الإشارات النصية التي يضعها السارد ضمن حركة التشكيل العام، ليعبر بها عن موقفه الفني”[35]. يقدم الشاعر شخصيات كأصوات ثانوية تقوم بتشكيل الرؤية الشعرية للنص، تتضامن مع السارد في حياكة النص، لذا اختار الشاعر أسماء شخصياته وانتقي صفاتها، وجعلها وسيطا بين الأحداث ومتلقيها. تعد الشخصيات الساردة من أهم تقنيات القص، وتلعب دورا محوريا في رسم سير النص، وتمده بالحيوية والحركية، وتخلق شبكة من العلاقات بين بنى النص، “فهي تمثل العنصر الوحيد الذي يتقاطع عنده كافة العناصر الشكلية الأخرى، بما فيها الإحداثيات الزمانية والمكانية”[36]. تستطيع الشخصية الساردة في النص تحريك الواقع، وتثير الفعالية في حياته الشعرية، فدوال الشخصيات ذو أهمية في نسج خيوط القصيدة السردية. إن تمثيل الشخصية وإبرازها في خشبة النص يتجلى بكونها –دال-  مجموعة من الإشارات تدل على – مدلول- وهو “حضور المؤلف أو القارئ، أو من ينوب عنهما في النص: شخصيات ناطقة باسمه”[37]. تساعد هذه الإشارات في التقاط خيوط السرد في القصيدة وجرها نحو توليد المعنى والدلالة.

يستغل الشاعر محمد الشحات الشخصيات في تمرير مواقفه، نجد ذلك في قصيدة (كلمات شاعر قبل الرحيل) يقول:

أوصيكم خيرا

حين تمرون علي

قبري

ألا تبكوا

أو تدعو ما

يختمر على أحبال الصوت

يتدحرج

حتى يسكن فوق

 شواهد قبري

فيضيق القبر.. فيحزن

قلبي[38]

الشخصية المتحدث عنها في الأبيات شخصية سماها الشاعر بـ (شاعر قبل الرحيل) لتسرد أحداثها البرزخية في القبر، وهي تدعو المارين عليها بعدم البكاء والدعاء لأنه يزيد من عذاباتها. اتخذ الشاعر في قصيدة (رقية أمي) شخصية فاعلة تتحكم  بالأحداث  والمواقف، فهي شخصية حملت الفكرة والمضمون، ووجهت مسار النص الشعري، يقول الشاعر:

حين تلمس رأسي

فكان يهزني

ما أسقطته من التعاويذ

التي هزت عروقي

……..

كل حرف كان يدخلني

فينتزع حُسادي

وكيد الكائدين

ويفك مما عقدوا

وما نفثوا

وما ألقوا على العتبات من سحر دفين[39]

إن شخصية أمه رقية شخصية رمزية فاعلة ترسم صور المواقف، وتقوم بتجسيد الأحداث، فهي شخصية حنونة، تعطف عليه، وتمسح بكفها الناعم، وتقرأ عليه التعاويذ لتقيه من السحر والحساد.

سيمياء المكان:

يعد المكان مكون من مكونات السرد، وبنية من بنياته، وهو فضاء ومساحة لمعركة الأحداث السردية، قد يكون حقيقيّاً مطابقاً للواقع أو تخيليّاً من صنع الشاعر. يساهم المكان في خلق المعنى، وتشكيل الدلالة، “إن العلاقة بين وصف المكان والدلالة (أو المعنى) ليست دائما علاقة تبعية وخضوع، فالمكان ليس مسطحا، أو بمعنى آخر ليس محايدا، أو عاريا من أي دلالة محددة”[40]، تعدد المكان وتنوع بحسب ساحات الأحداث التي درات في النص، وسنعرض مجموعة من القصائد ورد فيها اسم المكان،  يقول الشاعر في قصيدة (قبلتك الأولى) :

جدار المبكى

 ولا يأخذ منك محل المعراج

وقبلتك الأولى

ومكانا سجدت فيه ملايين تلو ملايين

وجدار يحمل رائحة الأسلاف

أرض المحشر والمنشر[41]

في قصيدة (لحظة التكوين):

وول وجهك شطر البيت

لعلك تنجو من أدرانك،

وأغسل قدميك بماء البئر

وزمزم كل مواضعك[42]

وفي قصيدة (حين تفر حروفي):

وكنائس غطاها الحزن[43]

فيسكن في همهمة العباد بيوت الله[44]

وفي قصيدة (نحو الحياة):

وقد بدأت السعي نحو المسجد النائي[45]

قصيدة (زيارة قصيرة لوجه أبي)

في مسجد قريته[46]

يحضر المكان المقدس في نصوص الشاعر بصورة لافتة ومكثفة، يتجلى ذلك من خلال الأنساق، (جدار المبكى، المعراج، قبلتك الأولى، مكانا سجدت، أرض المحشر والمنشر، شطر البيت، زمزم، كنائس، بيوت الله، المسجد النائي، مسجد قريته)، تكشف أنساق المكان عن نزعة الشاعر الدينية، وتعلقه بالأماكن المقدسة، وإحساسه نحوها،  والشوق والحنين إليها. تمثل قدسية المكان البيئة الروحانية العميقة التي تسمو بالقيم الإيمانية والإلهام الإنساني، لذا وجد  الشاعر منها ملاذا آمنا. ناهيك عن الميزة الجمالية التي تتميز بها الأماكن المقدسة والتي تترك أثرا وبعدا جماليا في النص.

يحظى مكان الوطن بمكانة خاصة عند الشاعر، ذلك لأن “للمكان في حياة الإنسان قيمته الكبرى ورمزيته التي تشده إلى الأرض”[47]. ارتبط فضاء المكان بحالة الإنسان، وبكل ما يحتضنه المكان، فيتحول إلى رمز وقناع يخفي المباشرة، ويسمح لفكر المبدع أن يتسرب من خلاله. ورد اسم الوطن كثيرا في قصائد الشاعر، من ذلك قوله في قصيدة (بعض بقاياه):

ما حاول أن يخفيه

بعض من أبيات الشعر عن الوطن[48]

ويسقط مني الوطن[49]

في قصيدة (حين تفر حروفي):

ليكتب عن وطن يبكي في أيام العيد[50]

ترددت مفردة الوطن كثيرا في النصوص، ما يكشف البعد الوطني عند الشاعر، فقد جعل من الوطن معبده الذي يمم وجهه شطره، والحضن الدافئ، فلأجله يكتب القصائد، كما أنه يتألم لمعاناته. لكل مكان فضائه الخاص، ونكهته المتميزة، حيث يختلف باختلاف الذكريات والأحداث والمواقف، فقد يكون المكان ما ستوطن في الذاكرة، فيتلمسه الشاعر أطيافا تسبح في فضاء النص الشعري. من الأماكن التي تحمل في طياتها شعورا متجسدا، قول الشاعر في قصيدة (بيت فوق حدود الأوراق):

كنت أحاول  أن أرسم بيتا

وأدقق في كل نوافذه

ومداخله

وتفاصيل جلوس الأصحاب

ببهور

وستائر غرفات الأطفال[51]

وفي قصيدة (نحو الحياة):

إذ تمر على البيوت الباكيات

وتنثني نحو القبور[52]

وفي قصيدة (التدرج في القول):

الشوارع خالية

وهي لم ترق

كي أغوص بها

والعمائر نائمة كي أحن لها[53]

أظهر الشاعر في الأبيات السابقة البعد الاجتماعي للمكان، ليسرد من خلاله مسرح الحياة الاجتماعية، فالمكان هو الهاجس الذي شكل خيال الشاعر، ورفد تجربته الشعرية، فقد حاول الشاعر أن يمزج بين الواقع والخيال، فجعل المكان عالما متمازجا، يعرض فيه المواقف ويتخيلها.

سيميائية الزمن السردي:

يتميز عنصر الزمان في قدرته على بناء النص، وإحداث تغيرات كبيرة في بيئة الحدث، فكل سرد يتخذ مسارا زمنيا في تصوير الوقائع. إن العنصر الزمني مكون في الخطاب الشعري عند محمد الشحات، فأغلب قصائده ذات بنية زمنية يتشكل من خلالها معالم السرد، وسنعرض بعضا من النماذج، يقول في  قصيدة (أساوم خوفي):

لحظة

أن يشعر أني في الليل[54]

حدد الشاعر الزمان بلحظة معينة، وهو شعوره بهمومه التي خيمت عليه كجنح الليل. اعتمد الشاعر محمد الشحات نسقية الاسترجاع، يصف من خلالها الحالات والذكريات، يقول في قصيدة (الهروب من بؤبؤة العين):

ويفتش عما نام به

أيام طفولته[55]

ويقترب من الصورة نفسها من خلال استحضار ذكريات الطفولة والصبا، وجمال الحياة، نجد ذلك في قصائد (أكتب ما لم أكتبه)، (العودة إلى المنبت)، (هل أكلتك الغربة؟)

في أيام صباي[56]

وتذكر أيام طفولته

تذكر مشيته

وسنين مرت[57]

في ايام صباك الأولى

كيف قضيت سنينك[58]

يعود الشاعر بالزمان إلى عصور تليدة، ويلبسها أقنعة رمزية، نجد ذلك في قصيدة (محاولة لاستكمال الحلم) :

وأبي يسمع

ويقص من القصص

حكايات الأجداد

أيوب وقارون ويوسف وسنوات الجدب[59]

تنوع فضاء الزمن السردي في القصائد بحسب الطقس الشعري في القصيدة، فجاءت لحظاته بين استرجاعية ورمزية وتخيلية وواقعية.

خاتمة:

يعد تداخل السردي بالشعري دليلاً كافياً على وعي الشاعر بأهمية التقنيات السردية ودورها في التخفيف من ذاتية الشعر والخروج به من حيز الاستعارية وذروة الخيال إلى مقاربة الكنائية والاقتراب من الواقع.‏

تجاوز الشاعر محمد الشحات القوالب الشعرية الجاهزة، واتخذ بعض عناصر السرد لإنجاز نصٍ منفتح على مقومات النصوص الأدبية، يترجم  المواقف والأحداث، وينقل الأحاسيس والمشاعر.

تتميز العنوان عند الشاعر بسيمائية رؤيا مكثفة، فهو بؤر النفس الحكائي، والقصيدة الأنفاس المتوالية له، فهو الشرارة الأولى التي أشعلت مساحات النصوص.

تمكن الشاعر من جعل الفواتح السردية في القصائد أمارات هادية إلى الدروب الموغلة، ومؤشر ابتدع غزل أنسجة السرد في النص الشعري، وحاك أنساقه وسياقاته.

استطاع الشاعر زعزعة قواعد النظام للقصيدة، فبعثر وحدات قصائده، وسرد رسمها في أشكال مختلفة، كونت هيئة القصيدة، وأسرت عين القارئ، وساهمت في توليد الدلالة. يكشف التسلسل السردي للتشكلات البصرية في قصائد الشحات عن الدفقات الشعرية والشعورية للشاعر، وتموجاتها الرؤياوية، وفلسفة التحول في اللحظة الجمالية.

اتكأت أغلب النصوص على صوت السارد، وصاحب الأسلوب الحكائي، وهو الشاعر نفسه بوصفه ساردا خبيرا، وصانعا للأحداث. وتتعاضد الشخصيات في بناء المشهد السردي في النصوص. وتعدد المكان بين المقدس والوطني والاجتماعي، ناقلا صورا ومشاهد متفردة، كما تلاعب الشاعر بعنصر الزمن، من خلال سرد واسترجاع ذكريات الماضي، وسرد وقائع الحاضر، وتسريد المستقبل.

اتسمت البنية السردية في نصوص الشاعر بالتسلسل والانسجام في عرض الأحداث، وعرض التفصيلات المثيرة والحيّة في المواقف، معتمداً لغة تفصيليّة وصفيّة ممتعة، وكأن القارئ يعيش قصصا مشوقة. مثلت البنية السردية تداخل النصوص، وخلقت فضاء شعريا مميزا، أغنى التجربة الشعرية، وفتحها على آفاق المغامرة الجمالية.

 

لائحة المصادر والمراجع:

  1. أحمد طاهر حسين وآخرون، جماليات المكان، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1988.
  2. جوليا كريستيفا، علم النص، تر: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1997.
  3. جيرار جينيت، مدخل إلى النص الجامع، تر: عبد العزيز شبيل وحمادي صمود، المجلس الأعلى للثقافة، د. ط، 1999.
  4. حميد لحميداني، بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1991.
  5. شعيب خليفي، هوية العلامات: في العتبات وبناء التأويل، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط1، 2015.
  6. ضياء غني لفتة، البنية السردية في شعر الصعاليك، دار الحامد للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2010.
  7. عبد الناصر حسن، قصيدة النثر العربية: بين سلطة الذاكرة وشعرية المساءلة، دار الانتشار العربي، بيروت، لبنان، د. ط، 2012.
  8. عبد الناصر هلال، تداخل الأنواع الأدبية وشعرية النوع الهجين: جدل الشعري والسردي، منشورات النادي الادبي الثقافي بجدة، المملكة السعودية،ط1، 2012.
  9. فتحي النصيري، السرد في الشعر العربي الحديث: في شعرية القصيدة السردية، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، تونس، د. ط، 2006.
  10. فيليب هاموون، سيميولوجية الشخصيات الروائية، تر: سعيد بنكراد وعبد الفتاح كليطو، دار الحور للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، ط1، 2013.
  11. ماجد قائد، جمالية التلقي في الكتابة الشعرية العربية: من العتبات إلى النص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، فاس، المغرب، ط1، 2018.
  12. محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، دار الأديب للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 2018.
  13. محمد الشحات، محاولات لا يعرف نهايتها، الهيئة المصرية للكتاب، مصر، ط1، 2018.
  14. محمد الشحات، يكتب في دفتره، دار الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط6، 2018.
  15. محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، د. ط، 2004.

 

ناقد من اليمن

 

[1] – عبد الناصر هلال،  تداخل الأنواع الأدبية وشعرية النوع الهجين: جدل الشعري والسردي، منشورات النادي الادبي الثقافي بجدة، المملكة السعودية،ط1، 2012،ص 19.

[2] – محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، د. ط، 2004، ص14.

[3] – شعيب خليفي، هوية العلامات: في العتبات وبناء التأويل، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط1، 2015، ص12.

[4] – شعيب حليفي، هوية العلامات: في العتبات وبناء التأويل، مرجع سابق، ص108.

[5] – محمد الشحات، محاولات لا يعرف نهايتها، الهيئة المصرية للكتاب، مصر، ط1، 2018، ص67.

[6] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، دار الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط6، 2018، ص 41.

[7] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص46.

[8] – جوليا كريستيفا، علم النص، تر: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1997، ص78.

[9] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، دار الأديب للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 2018، ص85.

[10] – سورة الذاريات، الآية: 50.

[11] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص10.

[12] – سورة الأنفال، الآية: 39.

[13] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص14.

[14] – سورة البقرة، الآية: 144.

[15] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق،ص21.

[16] – سورة التكوير، الآيتان: 17، 18.

[17]– محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص30.

[18] – سورة التوبة، الآية: 118.

[19] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص18.

[20] – سورة قريش، الآية: 4.

[21] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص24.

[22] – حميد لحميداني، بنية النص السردي، مرجع سابق، ص55.

[23] – عبد الناصر حسن، قصيدة النثر العربية: بين سلطة الذاكرة وشعرية المساءلة، دار الانتشار العربي، بيروت، لبنان، د. ط، 2012، ص194.

[24] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص50.

[25] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص88.

[26] – ماجد قائد، جمالية التلقي في الكتابة الشعرية العربية: من العتبات إلى النص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، فاس، المغرب، ط1، 2018، ص95.

[27] – محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، مرجع سابق، ص8.

[28] – فتحي النصيري، السرد في الشعر العربي الحديث: في شعرية القصيدة السردية، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، تونس، د. ط، 2006، ص118.

[29] – محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، مرجع سابق، ص43.

[30] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص69.

[31] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص57.

[32] –  محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، مرجع سابق، ص126.

[33] – جيرار جينيت، مدخل إلى النص الجامع، تر: عبد العزيز شبيل وحمادي صمود، المجلس الأعلى للثقافة، د. ط، 1999، ص32.

[34] – محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، د. ط، 2004، ص50، 51.

[35] – محمد زيدان، البنية السردية في النص الشعري، مرجع سابق، ص190.

[36] – ضياء غني لفتة، البنية السردية في شعر الصعاليك، دار الحامد للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2010، ص159.

[37] – فيليب هاموون، سيميولوجية الشخصيات الروائية، تر: سعيد بنكراد وعبد الفتاح كليطو، دار الحور للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا، ط1، 2013، ص36.

[38] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص84.

[39] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص95،96.

[40] – حميد لحميداني، بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1991، ص70.

[41] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص10.

[42] – المصدر نفسه، ص14.

[43] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص34.

[44] – المصدر نفسه، ص35، ص53.

[45] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق،ص113.

[46] – محمد الشحات، محاولات لا أعرف نهايتها، مصدر سابق، ص42.

[47] – أحمد طاهر حسين وآخرون، جماليات المكان، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1988، ص5.

[48] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص24.

[49] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص26.

[50] – المصدر نفسه، ص35.

[51] – المصدر نفسه، ص97.

[52] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق،ص113.

[53] – محمد الشحات، محاولات لا أعرف نهايتها، مصدر سابق، ص10.

[54] – محمد الشحات، ترنيمات شاعر قبل الرحيل، مصدر سابق، ص13.

[55] – المصدر نفسه، ص71.

[56] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص9.

[57] – المصدر نفسه، ص61،63.

[58] – محمد الشحات، محاولات لا أعرف نهايتها، مصدر سابق، ص48،49.

[59] – محمد الشحات، يكتب في دفتره، مصدر سابق، ص75.

عن madarate

شاهد أيضاً

في رثاء المرحوم إبراهيم أوحسين-  لطيفة أثر رحمة الله

مرثيــــــــــات   لطيفة أثر رحمة الله* نَام َالْكَلاَمُ، وَفِي الْمَدَى صَمْتُ الْأَسَى وَتَكَسَّرَتْ فِينَا الْوُعُودُ …

اترك تعليقاً