الرئيسية / دراسات / عبد الله سعيد، الشاعر الباكستاني! -سخاوت الله اياز

عبد الله سعيد، الشاعر الباكستاني! -سخاوت الله اياز

كل جديد وإبداع يستحق التقدير والإجلال، أيا كان نوعه ودوره مادام إيجابيا نافعا ينتفع به المجتمع علما وأدبا، هذه هي وتيرة الأمم المتطورة، وهذا هو سر التطور في أي مجال من مجالات الحياة خاصة ما يتعلق بمجال العلم والأدب، المجال الذي قلّ ذووه ويعاني من قحط رجاله وضيعة أهله، وحديثي اليوم عن ديوان في اللغة العربية لشاعر باكستاني نهض بالشعر العربي من جديد في ديار كادت تتجاهله وعرفه بين أهلها، ونفخ فيه روحا من جديد وهو يمثل بارقة أمل لكلّ من حظي بالموهبة الشعرية ويريد تجربة حظه في الشعر العربي، إنه شاعر موهوب قليل المثال في جودة الشعر العربي في الدول الناطقة بغيرها، خاصة وأن تدفق الشعر يتأتى عن حس مرهف وجمال إحساس ورقة فكر وزاد لغوي هائل بعد العلم بأنه أسخى الفنون حين يقبل وأبخلها حين يدبر، وأدقها حسا، ولشعره سعة مثل سعة وجدانه، فليغفل جانبا من جوانب الحياة البشرية، فليخطر بباله إحساس أو شعور أو نفحة إلا أفاض به في ثوب عربي قشيب، فيتجسد شعرا ويزيده فتكون قصيدة في أبهى حللها، هذه هي الموهبة الشعرية التي أتحدث عنها ، يقول:
تجيئني الأشعار دون إرادة
كأن بقلبي منبع يتدفق
وشعره أكثر من نثره، ويكاد لا يجيد النثر بقدر ما يبرع في شعره ونظمه، نشأ ونشأ معه شعره فهو شاعر منذ أول يومه يقول عن ذاته:
بلغت أنا الفطام فقلت شعرا
وخرت لي القوافي والقصيد
كل ما أتكلم عن شعره ومدى لزومه بالقريض العربي لا يمكن لكلمة أن تصف حدوده وبواعثه وأسراره ورموزه إلا أن أقول إن له قلبا أغرم باللغة و موهبة شعرية امتزجت بعظمه ولحمه فهو شاعر منذ صباه، حتى عد شعره عذابا لكثرة ملازمته:
وأكتب حزن القلب شعرا ووجده
و والله هذا الشعر زاد عذابي
فلا يخطر بباله إحساس أو شعور أو نفحة إلا أفاض به في ثوب عربي قشيب، فيتجسد شعرا ويزيده فتكون قصيدة في أبهى حللها، هذه هي الموهبة الشعرية التي أتحدث عنها، و التي تأخذ بمجامع القلب حيرة وإعجابا، كيف يمكن أن يفكر رجل في غير لغته ويشعر بغير لغته، ويعبر بغير لغته، وفي طرفة عين يعبر عنه في شعر عربي منسجم مع ذوق أدبي رفيع ومتطابق مع قواعد علم العروض وآدابه، لا يتخطى حدوده ولا يهمل قوانينه ولا ينسى تعاطي جماله وكماله وكأن حب اللغة وموهبة الشعر العربي عملت في منبع أفكاره، فحولت أسلوبه التعبيري من لغته إلى غير لغته ومن نثره إلى شعره، فكلما خطر بقبله خاطرة أو نفحة حب أو صدى خاطر أو شعور أخلاقي أو سياسي لم يجد السبيل إلى التعبير به إلا عن طريق شعر عربي فصيح وكأن الشعر لسان وجدانه وتعبير فكره وصداه،
الشعر يسري في شراييني دما
وبه جميع جوارحي تتنفس
ولم ألق في حياتي شاعرا يدانيه في بداهة مطيعة ورقة شعور وسريع إحساس وذكي فهم وقدرة على نظم جميل وتصوير رائع، يقول وهو يصف نفسه بعربي القلب:
ابن الأعاجم لكني بموهبتي
قلبي أنا عربي النبض مذ حقب
****
نبوغي أتاني في صباي فلم أزل
أصوغ اللآلي في القصيدة سائغه
والناظر في شخصه عن قريب يكاد يحس فيه معظم المعاني التي قرأناها عن شعراء العصور الماضية من الغيرة والحمية وحب الكرم والشجاعة وكره السفالة والجبن ودقة النظر، يغار على شعره وأسلوب بيانه ويباهي بشعره، فتارة يصف نفسه بعنترة الأعاجم:
قد مات في أرض العروبة عنتر
وولدت في أرض الأعاجم عنترا
کما يلقب نفسه بسيد الشعراء الأعاجم:
من بعد ما أهديتني نظرا هوى
أنا في الأعاجم سيد الشعراء
***
علوت على الجميع فصرت فيهم
كرأس الطود فوق ذرى الحضيض
كل موقف يثير فيه شعرا كأن قلبه كالبحر يجيش ويهدأ، ويموج ويسكن، إذا غضب شعرت وكأنه بركان حريق يتلهب نارا وحماسة، وإذا سر سرورا رأيته منبعا عذبا يتدفق منه السعادة، وإذا شعر بضنك وضيق أحسست وكأنه يعيش أسوء عيش وأغنص حياة!
فكأنما جبل تدحرج شامخا
صلبا على رأسي فرأسي يصدع
إذا أحب أحدا مدحه بشعره وإذا كرهه هجاه هجوا، كل موقف من مواقف حياته وكل شعور من مشاعره يثير فيه شعرا و يجعله يفيض بنظمه في أحلى الحلل.
هذا، وبالمقابل ينبغي أن يبعث جهده هذا كل لسان عن البوح به وكل قلم عن التعريف به، خاصة وقد قل أمثاله فيجب النهوض به بكل الوسائل ليزداد روحا وليتسع مجالا وليكون دليلا عن ذوقنا في الشعر العربي وعن سهمنا في الحفاظ على اللغة العربية نثرا وشعرا.
لكن المؤسف أنه لم ينل من التقدير والتعظيم والاستعراض بقدر ما كان يستحقه خاصة من قبل عشاق اللغة العربية إلا بعضهم، وقليل جدا عددهم، فالحق أن الكلام عن هذا الديوان ليس محض خيار، وإنما هو واجب أخلاقي على كل من يفهمه ليس تشجيعا لصاحبه وإنما تقويما لقيمته وتوسيعا لمجاله طالما عرفناه عملا إبداعيا راقيا. وإن السكوت والجمود في وجه الإبداع ينقص من حياته ويقلل من قيمته كما أنه يقضي على المواهب ذات الصلة به فكم من مواهب لاقت حتفها حين لم تجد من يوليها اهتمامه ويجود عليه بعنايته، لذلك كان من المتوقع في الساحات العربية الباكستانية أن يحدث هذا الديوان ضجة بين عشاق اللغة وروادها، لكن المشاهد كان خلاف المتوقع، وهذه كانت علامة على انهيار الذوق الشعري العربي في ديارنا، فقيمة الشيء إنما يعرفها أهلها.
على كل، فديوان سعيد الباكستاني مجموعة شعرية قيمة تحتوي على نبضات قلب الشاعر وصدى روحه وتعبير وجدانه ورسالة قلبه، وإنها صورة مجسدة للموهبة المكنونة في نفسه، وسيكون له مستقبل في الأيام القادمة بإذن الله تعالى؛ لما حظي الشاعر ببديهة شعرية وحس ثاقب من قريحة تتدفق بمشاعر طيبة أنيقة وقلب متمتع بأوسع خيال، يخاطب فيه الشعب أفرادا وجماعات، يشتمل على أبيات المناسبات الأخلاقية والعلمية والتوجية والتحفيزية وأبيات الحكمة كما يحمل في طياته الكثير من قصائد العشق والحب، وقصائد حمد البارئ تعالى وفي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الأعلام أحياء وأمواتا.
متى يا رسول الله تدعو شائقا
إلى روضة فيها لنفسك مضجع
****
لأني حريص أن أزورك عاجلا
ولا شك إني في مزارك أطمع
و من غير المناسب أن يقارن ديوانه هذا بديوان أمثال المتنبي قديما أو يوزن بميزان الشوقيات لشوقي حديثا، ليقلل من شأنه بحجة أن شعره لا يداني دواوينهم في الفصاحة والبلاغة، لأنه مقارنة لا تقوم على ساقين كما أنها لا تطابق مقتضى الحال والمكان، والحديث إنما هو عن الموهبة الشعرية العربية والثبات عليها والالتزام بها، هذا ما يتطلب الاحترام والإجلال بعد العلم بإبداعاته وجودته وحسن

عن madarate

شاهد أيضاً

الإنسان والكلمة: رحلة البحث عن الحرية والإبداع –  آداما موسى جالوا

 آداما موسى جالوا*   في عالم سريع الإيقاع، يعيش الإنسان بين صخب الواقع وضجيج الحياة …

اترك تعليقاً