الرئيسية / الأعداد / تشظي العنوان في أروقة “أساور الشيطان” بوصفه عتبةً ومآلاً ياسمين الأنسي – ثابت المرامي

تشظي العنوان في أروقة “أساور الشيطان” بوصفه عتبةً ومآلاً ياسمين الأنسي – ثابت المرامي

تشظي العنوان في أروقة “أساور الشيطان” بوصفه عتبةً ومآلاً ياسمين الأنسي

ثابت المرامي *

تتعدد الأبعاد الفلسفية والرمزية لشخصية الشيطان عبر التاريخ الفكري والأدبي، حيث لم يعد يُنظر إليه فقط ككائن ديني أو أسطوري بحت، بل تحول إلى رمز عميق يعبر عن النفس البشرية، والحرية، والتمرد، والتناقضات الوجودية.

في الفكر الفلسفي الأدبي، يُنظر إلى الشيطان على أنه رمز للتمرد ضد السلطة المطلقة، حيث يمثل الإرادة الحرة التي ترفض الخضوع الأعمى وتفضل المعاناة والاستقلال على الطاعة والتبعية المطلقة، ويعبر عن قدرة الإنسان على اتخاذ القرار المستقل وتأكيد وجوده الخاص في مواجهة النظام الكوني.

إلى جانب ذلك، لا يمكن فهم مفهوم الخير فلسفياً دون وجود نقيضه، فالشيطان يرمز إلى القوة السلبية التي تدفع نحو التغيير وتحدي الوضع الراهن باعتبار التناقض أساساً للتطور، وهو يمثل أيضاً الوجه الآخر للعملة التي تدفع الإنسان للتساؤل والبحث عن المعنى واكتشاف النور من خلال تجربة الظلام.

في سياق موازٍ، تتشابه رمزية الشيطان مع أسطورة بروميثيوس الذي جلب النار للبشرية، فهو يرمز إلى السعي وراء المعرفة والتشكيك وتجاوز الحدود، ويمثل العقل النقدي الذي يرفض التسليم المطلق ويدعو إلى التحليل والتجربة.

أما في علم النفس التحليلي، فيعتبر الشيطان أو الشر رمزاً للظل الذي يرمز إلى الغرائز والدوافع العميقة والرغبات التي يحاول المجتمع قمعها، حيث يشير النضج الإنساني إلى الوعي بهذا الجزء المظلم ودمجه في الشخصية لتحقيق التوازن الداخلي.

هكذا كان العنوان (أساور الشيطان) لرواية ياسمين الأنسي. والعنوان ليس عتبة رمزية أو زينة لغوية، بل هو “العقدة” ومظلة تأويلية تهيمن على البناء السردي الذي تدور حوله فكرة الرواية بأكملها، إنه يحمل في طياته تناقضاً وجودياً عميقاً: إن الأساور في بنيتها المادية والرمزية تجمع بين التناقضين، فهي أداة للزينة والجمال تُجمل اليد والمعصم، وفي الوقت ذاته -بنفس الرمز اللغوي لذات الثقافة- قد تتحول ذاتها إلى قيد حديدي يلتصق بالمعصم ويحد من حرية الحركة.

وعندما يُقرن هذا الرمز بالشيطان، تتحول العتبة إلى فضاء المفارقة، حيث يُنزع الطابع القدسي عن القيود الاجتماعية وتصبح السلطة (سواء كانت أبوية، أو سياسية، أو دينية) هي التي تمارس دور الشيطان تحت غطاء حماية الفضيلة. العنوان هنا يمنح السرد نبرة تحذيرية واستفزازية في آن واحد، مما يمهد للقارئ الطريق لتأمل المفاهيم التقليدية حول الخير والشر.

الكاتبة تستخدم هذا التناقض لتكشف كيف يتحول الجمال إلى أداة للقمع؛ فالمجتمع الذكوري والسياسي لا يريد للمرأة أو الإنسان الحر أن يكون جميلاً ومفكراً، بل يريد أن يحوله إلى أداة طيعة ومقيدة. الشيطان في النص ليس هو الكيان الميتافيزيقي للشر، بل هو التمرد والوعي؛ كل من يرفض الخضوع للسائد، وكل من يحاول كسر القيد، يتم وصمه بأنه “شيطان” أو “مارق” أو ملبوس بشيطان.

السلطة تشيطن الفكر والعمل السياسي لتبرير استبدادها.

الأسرة تشيطن حرية الفرد (كما فعل إخوتها) لتبرير الهيمنة الذكورية.

القمع لا يأتي من الأعلى فقط، بل يتدرج ليصل إلى الأضعف، والبطلة “مليكة” تُمثل هذا الأضعف الذي يُراد له أن يُسحق، لتكون الرواية وثيقة فلسفية تتساءل: من هو الشيطان الحقيقي؟ هل هو الإنسان الذي يحلم بالحرية والتحليق، أم المنظومة التي تقيد الوعي وتسعى لإطفاء جذوة التمرد؟

إننا حين ندخل إلى النص، لا نجد حكاية تقليدية، بل نجد ملحمة وجودية تتقاطع فيها أبعاد الوعي والجنون. في رواية “أساور الشيطان”، تحضر دلالة التمرد الفلسفي لتلامس صرخة الشاعر الكبير أمل دنقل:

“المجدُ للشيطانِ.. معبودِ الرياح، من قال “لا” في وجه من قالوا “نعم”!”.

وهنا يتجلى التماهي العميق بين مفهوم التمرد الوجودي وبين السرد، فالشيطان لم يعد ذلك الكيان الميتافيزيقي للشر المحض، بل هو رمز للرفض، ومحاولة لكسر النسق السائد، وإعلان مدوٍ للذات في وجه منظومة ذكورية وسلطوية تحاول سحق الإرادة.

تعتمد الكاتبة على تقنية ضمير المتكلم (السارد الداخلي) ممثلاً في شخصية “مليكة”، وهي تقنية تخلق تماهياً تاماً بين السارد والقارئ: يقظة الوعي الداخلي؛ تعبر مليكة عن وعيٍ عميق وصوت داخلي يرفض الاستسلام، فهي ترى الخيوط الخفية للقمع وتدرك أن القيود (أساور الشيطان) هي من صنع المجتمع والسلطة.

في المقابل، تظهر الشخصية أمام العائلة والسلطة وكأنها في حالة اضطراب؛ يمارس إخوتها العنف الجسدي واللفظي، ويحاولان تحويلها إلى مجرد أداة طيعة، وعندما تُعلي صوتها، يتم وصمها بالجنون وتُعزل في المصحة النفسية. إن الجنون في النص ليس مرضاً عقلياً، بل هو “وعي مفرط” يفضح خواء مجتمع بأكمله، مما يجعله خطراً على المنظومة التي تخاف من العقول التي تقول “لا”.

تتعدد الشياطين وتتداخل في النص لتشكل هرمية واضحة للقمع، تتقاطع مع نظريات الفلسفة حول “الآخر” المتمرد: عندما ينصح الطبيب أو “ليلى” البطلة بتجنب العمل السياسي أو تسميته بـ “لعنة” و”بصقة إبليس”، فإنهم يمارسون عملية شيطنة الطموح والوعي المدني لإجبارها على القبول بالصمت، بحكم الموروث الذي يقول إن الشيطان ملعون من الرب والآلهة.

هنا نغوص في جوهر الوجود، لا نقف عند حدود المعنى الظاهري، بل ننزلق في مجازات تشتعل بالفلسفة. إننا نعيد استدعاء صرخة أمل دنقل الخالدة: “المجد للشيطان.. معبود الرياح، من قال (لا) في وجه من قالوا (نعم)”. هذا الحضور الفلسفي يحيل الشيطان من كينونة دينية تمثل “الشر المطلق” إلى أيقونة فكرية ترمز إلى الرفض والتحليق وتعرية الموروث.

في البعد الديني والموروث، يمثل الشيطان رمزاً للغواية والشر والابتعاد عن النسق الإلهي، لكن الكاتبة ببراعة أدبية، تقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب لتطرح التساؤل الجوهري: من هو الشيطان الحقيقي؟ هل هو الإنسان الذي يرفض الظلم، أم المنظومة التي تقمع وتستبد باسم الدين والعادات؟

في البعد الفلسفي (معبود الرياح): يغدو الشيطان هنا مرادفاً للبصيرة، والتمرد على القطيع، والخروج من العتمة، إنه ذلك الصوت الداخلي الذي يرفض الاستسلام لصوت المجتمع الذكوري، وخوف الأهل والسياسيين.

البنان: ترمز إلى كل أصابع السلطة والمجتمع التي تحاول الإمساك بها، وقمع حريتها، والحد من طموحها السياسي والإنساني.

إن النص في مجمله ليس إلا تحفة فلسفية تحتفي بالشيطان كرمز للحرية، وتدين الواقع الذي يحول كل فكرٍ حر إلى شيطان يستحق العقاب. هنا نغوص حيث تتشظى اللغة وتتحول إلى مشرط يكشف عورات الوعي الجمعي في رواية “أساور الشيطان”، إن العنوان لا يكتفي بالوقوف على سطح الكلمات، بل ينفذ إلى عصب الفلسفة، وتماهي السرد مع صوت “لا” الوجودية.

صوت السارد (مليكة): يمثل ضمير المتكلم في الرواية ليس مجرد وسيلة تقنية للسرد، بل هو مرآة تعكس صراع الذات المفردة في مواجهة قطيع السلطة والمجتمع الذكوري. إن ما يراه الآخرون (مثل الطبيب، مالك، جليل، وليلى) “اضطراباً” أو “جنوناً”، ليس في حقيقته إلا استبصاراً حاداً يكشف زيف القيود التي يفرضها المجتمع في شيطنة الطموح الإنساني للمرأة. عندما يصفون السياسة بأنها “بصقة إبليس” أو “لعنة”، فإنهم يعيدون إنتاج نفس المنطق الذي يخاف من المعرفة والتمرد، إنهم يشيطنون كل محاولة للخروج عن السائد وتكسير الأصنام الفكرية.

تتجلى فلسفة القهر في النص عبر ثلاث دوائر متداخلة، تمثل كل منها “شيطاناً” يحاول وأد الحلم:

دائرة السلطة والسياسة: شيطنة الوعي السياسي وتصويره على أنه خروج عن النظام العام يستوجب القمع والترهيب والعداوة.

دائرة العادات والمجتمع: شيطنة طموح المرأة وغريزتها في البحث عن ذاتها، وإخضاعها لخطاب التخويف.

دائرة السلطة الذكورية: تجسيد ذلك في إخوتها اللذين يمارسان العنف المادي والرمزي لحماية “نظام” ينهار تحت وطأة الفكر الواعي.

يكمن سحر العنوان في قدرته على استفزاز الوعي والمخيلة، ويطرح تساؤلاً صادماً ومكثفاً منذ اللحظة الأولى: من هو الشيطان الحقيقي؟ هل هو المتمرد الذي يحلم بالحرية، أم المنظومة التي تقيد الإنسان؟ هذا التناقض الجمالي يخلق لدى القارئ رغبة ملحة في الغوص داخل النص لاكتشاف الحقيقة.

وهنا تكمن خطورته على المتلقي الواعي: تكمن الخطورة في أن الرواية كُتبت بطريقة تجعل القارئ يواجه أفكاره المسبقة وموروثه الثقافي، وتكشف ازدواجية المعايير، مما قد يشيطن القارئ نفسه في نظر المجتمع إذا تعاطف مع التمرد، وتضعه أمام مرآة الوعي والجنون، لتصبح الكلمات نفسها أداة للتمرد والتحليق بعيداً عن القيود.

أما إذا تعمقنا في تفكيك العنوان، سنجد أنه يعمل كـ “شيطان” على مستويين:

  1. شيطان الدلالة (التمرد والمواجهة)

العنوان هنا ليس مجرد توصيف للشر المطلق، بل هو استدعاء لرمزية “التمرد” في وجه السلطة والمجتمع التقليدي، تماماً كما في صرخة أمل دنقل: “المجد للشيطان، معبودِ الرياح”. بهذا المعنى، يصبح العنوان هو “الشيطان” الذي يرفض السكون، ويكسر الأصنام، ويغرد خارج السرب.

  1. شيطان الرقابة والقمع (شيطنة الآخر)

في الفكر الذكوري والموروث الاجتماعي، يُنظر إلى كل ما هو خارج عن النسق أو الطموح على أنه “شيطان”. العنوان في حد ذاته يحمل خطورة على المتلقي، لأنه يجبره على مواجهة موروثه الثقافي، فهو يشيطن العقل الواعي ويحاكمه، ويشيطن المشاعر والغرائز الإنسانية الطبيعية ليضعها في قفص الاتهام.

لذلك، العنوان هو “شيطان” مزدوج:

شيطان التحرر والتمرد الذي يوقظ العقل من سباته.

شيطان التخويف الذي تستخدمه المنظومة لقمع أي محاولة للتحليق والخروج عن المألوف.

تكمن خطورة الرواية بعنوانها في أنها تشكل اختباراً حقيقياً لوعي القارئ؛ المتلقي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مشاعره وغرائزه وإنسانيته، حين يتعاطف مع تمرد البطلة، فإنه يضع نفسه -في نظر المجتمع التقليدي أو السلطة- في خانة “الخارجين عن القانون” أو “المتمردين”، وهنا تتجسد المفارقة:

في نظر القطيع والمجتمع: القارئ يصبح “شيطاناً” متهوراً لأنه يشارك البطلة في الرغبة بالانعتاق وتكسير القيود (الأساور). القارئ ليس متلقياً عادياً، بل هو الشيطان أيضاً إذا عرف دواخل النص الحقيقية بوعي ليتحول بدوره إلى صرخة تمرد.

الشيطان هنا هو الجلاد: عندما يرفض القارئ التعاطف مع تمرد “مليكة”، أو يرى أن تصرفاتها ومحاولاتها للخروج عن النسق هي “خطيئة” أو “تعدٍّ” على العادات والأعراف، فإنه يتبنى منطق السلطة والقطيع والتحول إلى أداة قمع: في هذه الحالة، يصبح القارئ -في نظر الفكر الحر والذات المتمردة- هو “الشيطان” الذي يمثل قيد الأساور، والرقيب الذي يحمل “البنان” لمنع الآخرين من التحليق وقول “لا”.

ومن هذا العنوان تتشعب خيوط الرواية لتكشف مكاشفة قاسية لطبيعة العلاقات والمقايضات العاطفية، وهو ما يتجلى في المحورين التاليين:

أولاً: هروب الرجل من الالتزام ومقايضة العلاقات

تكشف الرواية بجرأة كيف تتحول العلاقات العاطفية في ظل المنظومة التقليدية إلى “مقايضة” اجتماعية ونفسية، ويفصل ذلك في النقاط التالية:

شيطنة العاطفة ولجوء الرجل للبديل: إن استخدام شخصية الرجل لشخصية “جنات” (كوسيلة، أو بديل بعد تقديم البطلة لاستقالتها وإغلاقها في وجهه كل وسائل التواصل) هو مكاشفة عارية لهروب الرجل من التزامه العاطفي والنفسي الحقيقي، إنه لا يبحث عن شراكة روحية، بل يلجأ إلى علاقة تقليدية كمقايضة ترضي المجتمع وتحميه من التمرد.

الخوف من المواجهة: إن الاحتماء بجنات ليس حباً، بل هو هروب من سلطة الحب الحقيقي الذي تمثله “مليكة”، والذي يتطلب شجاعة لقول “لا” في وجه الأعراف والقيود. يعكس هذا التصرف ازدواجية المعايير، فالرجل في المنظومة الذكورية يبحث عن المرأة التي لا تهدد سكونه، بينما يبقى أسير مشاعره الحقيقية المقموعة في أعماقه تجاه البطلة التي تمردت.

ثانياً: الحب بوصفه تمرداً

في مجتمع يحاول تشويه الغرائز والمشاعر الإنسانية الطبيعية ووصمها بالخطيئة والشيطنة، يظهر الحب في النص كفعل تمرد وخروج عن السائد، وذلك على النحو الآتي:

الحب كـ “لا” الوجودية: حين يحاول المجتمع بأذرعه المختلفة المتمثلة في العائلة، والسياسة، والدولة، والطبيب، والأم، حصر المشاعر والغرائز في أطر تقليدية مشوهة واعتبارها “لعنة” كلعنة الشيطان في الموروث أو “بصقة إبليس”، يبرز الحب كفعل تحليق ورفض لهذا الموروث.

الضوء في العتمة: يمثل الحب في الرواية ذلك النور الذي يرفض الخضوع لأصوات التخويف والمقايضة، إنه التعبير الأسمى عن إنسانية الفرد، حيث يرفض أن يكون مجرد أداة أو سواراً في يد المنظومة، متجاوزاً القيود نحو فضاء الرياح والحرية المطلقة.

هذا التناقض يضع المتلقي أمام مرآة الوعي مرات عدة، متسائلاً عن المعنى الحقيقي للإنسانية في مواجهة القيود.

خطورة التلاعب بالمفاهيم (شيطنة التمرد)

قلب الرمزية: إن أخطر ما في الأسلوب هو قدرته على إحداث صدمة دلالية؛ فالشيطان لم يعد ذلك الكيان الميتافيزيقي للشر، بل تحول إلى أيقونة للتمرد والوعي والرفض، بينما المنظومة التي تدعي الفضيلة هي التي تمارس القمع وتصبح هي “الشيطان” الحقيقي في نظر الفكر الحر.

إن ربط العنوان “أساور الشيطان” بفلسفة ما بعد الحداثة يتجاوز الدلالة السطحية للألفاظ ليؤصل لتمرد الهامش على المركز، فالأساور التي تمثل في صورتها التقليدية زينةً للمركز وسلطته، تتشظى قيداً بجميع مقدراته، بينما يتحول الشيطان إلى أيقونة للتمرد والوعي والرفض. هذا التناقض الدلالي يضع النص في قلب سرديات ما بعد الحداثة التي تفكك السرديات الكبرى، فالمركز الأبوي والاجتماعي بأدواته القمعية المتمثلة في العادات والأعراف والوصاية هو الذي يمارس القمع الفعلي ويفرض الخضوع. وعندما يصف المركز تمرد البطلة بأنه “شيطان” أو “خطيئة”، فإنه يعكس خوفه الحقيقي من انهيار هيبته، لتصبح السلطة والنسق التقليدي هما الخطيئة الحقيقية والقيد الحديدي الذي يجب تحطيمه، لتصبح قفزة التمرد إعلاناً عن تحول الهامش إلى مركز جديد للوعي، يمتلك الرؤية والشجاعة للتحليق بعيداً عن أصابع السلطة وقيودها نحو المطلق.

العنوان بوصفه إعلاناً لما بعد الحداثة: من شيطنة المركز إلى تحرير الدلالة

إن الاشتغال على العنوان “أساور الشيطان” في سياق ما بعد الحداثة لا يمثل مجرد توظيف مجازي عابر، بل هو آلية تفكيكية تعود على البناء السردي والنقدي بفائدة عميقة، فهو يحرر النص من هيمنة “المركز” والسرديات الكبرى (التي تحتكر تعريف الخير والشر)، ليجعل من الهامش صوتاً يعيد صياغة العالم وفق منطقه الخاص. تتجلى هذه الفائدة في تفكيك بنية القمع والمقايضة العاطفية التي ناقشناها، حيث يتحول العنوان إلى مرآة تكشف هشاشة النسق الذكوري، وتبرز كيف يرى المركز في حرية الآخر (الهامش) خطيئة وشيطنة.

هذا الانقلاب في الدلالة يعطي الرواية ثقلها الفلسفي، إذ لم تعد العلاقة بين الجنسين مجرد حكاية تقليدية، بل أصبحت مساحة للتشكيك في المسلمات والمفاهيم الجاهزة، مما يمنح البطلة القوة المطلقة لقول “لا” الوجودية.

إن الرواية تقدم لنا مكاشفة ناضجة وعميقة ترفض السكون، وتنتصر لتمرد الهامش على المركز الأبوي والقمعي، لقد أزاحت الرواية الأقنعة عن مقايضات العلاقات، وأعادت للمشاعر والغرائز إنسانيتها التي حاولت المنظومة مصادرتها.

هكذا لا يمثل العنوان (أساور الشيطان) عتبة مجازية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليغدو الإطار الفلسفي الذي يظلل البناء الروائي بأكمله؛ إن تلك الأساور التي تحيط بالمعصم، وإن بدت في ظاهرها قيوداً تغوي بالخطيئة والإثارة، أو تفرض العزلة والقيد، إلا أنها في العمق تتحول إلى سوار للمعرفة واليقظة من خلال السرد، ورمز للتمرد ضد السلطة المطلقة، ومرآة تكشف ضلال النفس البشرية. ومن خلال هذا التشابك المعقد بين النور والظلام، تأخذنا الرواية إلى تخوم التساؤل والوعي، لتضعنا أمام تناقضاتنا العميقة، ولتصبح مرثاة للحرية الفردية في مواجهة ثقل العالم وقيوده.

كاتب من 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً