
شهادة ومعلقتان في حق الأستاذ مولاي لحسن الواردي
عرفانا واعترافا وذكرى للتاريخ
بمناسبة تكريمه بإفران يوم 27 يونيو 2013
(نسخة مُحَيَّنة بتاريخ فاتح فبراير الخير والبياض 2025)
عبد الله الطني*
سيداتي سادتي، أيها الحضور الكريم:
إن شهادتي، هذه في حق صديقنا وحبيبنا سيدي مولاي لحسن الواردي، كما يحلو لي أن أناديه، نكاية في الذين يحملون لقب الشرف ولا يستحقونه، هي شهادة تقوم على وشائج ثلاث، ومعلقتان اثنتان بحجم محبتي وتقديري له.
أما الوشائج الثلاث، فأقصد بها وَشِيجَة الحكمة، ووشيجة الشهادة، ووشيجة التواشج نفسه.
فبمقتضى وشيجة الحكمة، سُئِل حكيم عن معنى السعادة؟ وأين توجد؟ وكيف يمكن الحصول عليها؟ فقال مبتسماً: لا تبحثوا أبداً عن معناها في المعاجم، ولا تطلبوها خارجكم في الأسباب الواهية الزائلة، إذ ليس لها جغرافيا تُحددها، ولا تاريخ يتعقبها ويُحَقِّبُ مجراها، ولا تشربوا أبداً من أواخر الأنهار، وإنما اشربوا دوماً من منابعها، عودوا دوماً إلى ينابعكم. فالسعادة ليست شيئا مفقوداً نبحث عنه، وإنما هي وجود نشعر به، عندما ينبعث جليا من إحساسنا الصادق بالآخرين، فيرتد إلينا من مراياهم، ويرتد إليهم من مرايانا. ولذلك فلا أراكم اليوم إلا سعداء في هذا التواشج الإنساني الكبير، ومنا ومنكم ينبجس حيّاً نابضاً هذا الشعور النبيل بامتلاك الآخر، والاعتراف به في نفس الوقت كقيمة إنسانية متعددة الأبعاد والدلالات، سيما إذا كان مفردا بصيغة الجمع، الذي له اسم واحد بين أحضاننا اليوم، ذلك الينوع الأصفى بين معادن الناس، والذي نحبه جميعا، ونتحلق حول نور شمعته اليوم، ونقتبس من زمانه البهي هذا قبسا ومعنى. إنه الفاضل سيدي مولاي لحسن الواردي، والذي أقول له بهذه المناسبة: “طوبي لك أيها الفاضل النبيل السعيد، وقد تجليت واضحا لكل الذين رأوك مشرقا بمراياهم، كأنك هم، وكأنهم أنت“.
دامت لنا ولكم سيداتي سادتي نعمة التواشج والتجلي وهذا الإحساس المشترك الجميل بمثل هذه السعادة المركبة الفَيَّاضة الصادقة، ونحن نشرب من منبع هذا النهر الإنساني المُتلألئ.
أما عن وشيجة الشهادة، فأقول لكم، إنني، ومن طبيعة مسؤوليتي المهنية التربوية، كمفتش منسق جهوي بأكاديمية جهة مكناس تافيلالت، وككائن مسكون بسعادة الحكمة وأفراح الشعر، قد عشت مع هذا الإنسان، عندما كان نائبا إقليميا مسؤولا عن تدبير الشأن التعليمي التربوي بإقليم خنيفرة، بعد أن كان مسؤولا عن تدبير الشأن التعليمي التربوي بإقليم زاكورة، قبل أن ينتقل هاهنا إلى إفران، للاضطلاع بنفس المسؤولية. أقول قد عشت معه لحظات من السعادة لا تُنْسَى، وأحداثاً جديرة بالتدوين والتلحين. أذكر منها على وجه الخصوص، حدثين هامين، لهما دلالة مركبة، تجمع بين الكونية والمحلية، أولهما حدث احتضانه لليوم العالمي للفلسفة أم العلوم، بنيابة خنيفرة، حيث قلت في كلمة حفل افتتاح ذلك الحدث مخاطبا إياه: “ها أنتم سيدي النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية قد جعلتم مدينة خنيفرة، لاحتضانكم هذا الحدث الكوني في تاريخ الفكر الإنساني، تنتمي إلى عالم الفكر الحر، وإلى عِقد المدن المستنيرة، فأصبح من حقها الآن أن تضاهي أثينا سقراط، وقرطبة ابن رشد. ولعل ما يجمع بين أثينا وقرطبة وخنيفرة، ثلاثة حرائق لأشخاص قدموا ذواتهم وحياتهم وأفكارهم ثمنا لتمجيد قيم الحياة الجديرة بالإنسان من حيث هو إنسان، وليعيش غيرهم بخير، وينعمون بقيمة الحرية. فسقراط: أحرقوا معناه وأعدموه سنة 399 ق.م، لأنه اختار طريق الحق والوضوح المفاهيمي والعدالة. وابن رشد: أحرقوا العديد من كتبه سنة 1195 م، لأنه كرس حياته وفكره لجعل الحكمة شريعة والشريعة حكمة، وجعلهما معا دستورا مشتركا للعيش والتعايش، الذي يليق بالإنسانية في مفهومها الكوني. وحمو الزياني: قدم ذاته قربانا لقيمة الحرية سنة 1921 م، من أجل أن تتمتع الأجيال المغربية بعده بنعمتها، عندما قال فلسفته التاريخية المُقَاوَمَاتِية فوق جواده، وبكلام لا يشبهه كلام. ولذلك، فنحن اليوم سيدي مولاي لحسن، نوشحكم بوشاح الفلسفة من درجة سقراط، وبعمامة الحكمة من درجة ابن رشد، وبوسام الحرية من درجة حمو الزياني“.
أما الحدث الثاني، فهو حدث تنظيمه لليوم العالمي للشعر، هاهنا بين خمائل وظلال إفران الوريفة، وفي هذه القاعة الباذخة بالذات، حيث استطاع، وبتضافر مع فعاليات جمعوية وإدارية وسياسية، من شرفاء هذا الإقليم، برآسة السيد عامل عمالة إفران، ومختلف المصالح الخارجية بالعمالة، أن ينصب للإبداع خيمة أبهى من خيام عكاظ.
وقد كان هذا الحدث حدثا مشهودا، حضره ودَوَّنَه المثقفون والمبدعون من داخل المغرب وخارجه، بمداد الشمعة التي يجسدها وينهل من سخائها صديقي مولاي لحسن، كما دونه ثلج إفران في ذلك اليوم في صفحات بياضه، وذاكرة مائه وأهله الطيبين.
وعن وشيجة التواشج، فهي الأقرب للبصر من نوره وللفؤاد من نبضه، بل هي البصر والنبض معاً، عندما تتحول محبته إلى زاوية يتحلق حولها المريدون من كل فج وصوب. فبالمحبة وحدها يمكن أن نلغي الحدود، ونُلَوِّن الوجود، وبمداد المحبة عَلَّقْتُك بهيا عاليا، كما أنت، في معلقتين هما: “معلقة التاج”، و”معلقة إفران“.

معلقة التاج
(1)
إنْتَصِبْ
يا حَسَنَ الطوالع والزمان
كعادةِ الجمال يا جميلَ المُحَيَّا والبيان
تَجَلَّ كالبحرِ المَهِيبِ
غَنِيَّ الجَوانحِ وَافِرَ الموج
فالأصلُ في الوجود القِيَامَةُ والتَّجَلِّي
والأصلُ في الجمال المحبةُ والهيبةُ والسلطان
(2)
تَجَلَّ الآن ما استطعت
تَجَلَّ الآن
لعشَّاقك تابعيك من كل الجهات
إطْلَعْ
يا بهيَ الهالة والبرهان
كما القمرُ الطالع العاشق
للأماكن والأوطان
(3)
كما رأيتك من قبلُ
أراك الآن الآن
وكيف تنسى العين نورها
وينسى المريدون
شيخَ الطريقة ضَوْءَ المكان
إنتصبْ شامخاً أيها الأصل الأصيل
يا جميلَ المواعدِ انتصبْ
كعادة النخل بعد الريحِ
والغابةِ بعد الطوفان
(4)
تَعِبَ الريحُ من حولك يا مولاي
وما تَعِبَتْ قامتُك المديدةُ بيننا
وكيف يتعب التِّنِجْدَادِيُّ البهيُّ
أميرُ الشمس الواضحُ للأعيان
يَكْفيني أنَّ قلبك مثل قلبي
ونحن صِنْوانِ صادقان
وإنْ لم يكن للحقيقة من دليل
فأنت الحقيقة والبرهان
(5)
إنْتَصِبْ،
تَجَلَّ للشوق والعين لمن أَحَبُوك
واطْلَعْ
مِنْ حُرُوبِك للخُذَّالِ مُنْتَصِراً
يا سيف الله
بين نَواصِي الخيلِ وأَلْوِيَةِ الدخان
وانظُرْ مَلِياً
كيف جاؤوك مِنْ زاكورةَ الخير والمجد والسَّنَا
ومن تَمَكْرُوتَ الأنصاريِّ
من خَلْوَةِ الضوء والتَّجَلِّي
ومن عَلِيِّ العلويينَ
مِنْ نخلة الشرفاء سلطانة الواحات
من الحارسين عرش الله في الأرض
ومن جوهرة الأطلس غُرَّةِ زايان
إلى مملكة البياض السماويِّ العفيفِ
والأخضرِ الوريف بهَضْبةِ إفران
حيث الآنَ الآن
خيمتك المنيفة تطفح بالحب والعرفان
(6)
قل لي بربك كيفَ كيفْ
جاءتك تِبَاعاً
شهواتُ الأعالي ونُبوغَ المنابعِ
يا قاهرَ الأرض والمسافات؟
وكيف تَلَأْلَأَ هذا الزمنُ المُلَوَّنُ بين يديك الآن
بين المريدينَ والمُخلصينَ الحافظينَ سجاياك؟
كيف تَعْرِفُك المَنَابِعُ
ومراصدُ الطيورِ، ومَصَبَّات الوديان
(7)
كأنما كأنما
مكانٌ يهديك لحضن مكان
كأنما كأنما
زمانٌ يَكْتُبْكَ بلوح زمان
الآن عرفتُ لماذا الأسماءُ
والمَوَاصِفُ والقلوبُ
جاءت تَشْهَدُ أنك الحَسَنُ الأحسنُ في القوم
وأنك الشهمُ الكريمُ
والأسدُ الإنسانُ الإنسان
معلقة إفران
(1)
يا اااااشاعراً
تستهويكَ الأعالي المُعْشِباتُ
والمعلقاتُ والقِمَمُ
أقلتَ إفرانُ إفرانُ
ورَفْرَفْتَ على جناح الريحِ
تَتْبَعُكَ الفراشاتُ المُلَوَّنَاتُ
والشعراءُ الحالمونَ
بكف إفرانَ الْتَئَمُوا؟
(2)
قلتُ أجل قُلْتُهَا
كما قلتُها من قبلُ
وغداً سأقولها
كما قُلتِها اليوم يا إفرانُ
قصيدةَ عرفانٍ
تزدانُ تنتظِمُ
(3)
أليس بإفرانَ يلتقي التاريخُ بالتاريخِ
والعشقُ بالعشقِ والشعرُ بالشعرِ
وبالنَّغَمِ النَّغَمُ
ويلتقي الخيرُ والنبلُ والإخلاصُ
والعرفانُ والدخانُ والكرمُ
ولا ينكرُ الفضلَ والخيرَ إلا
مَنْ بقلبه عمى الألوانِ أو صَممُ
والكِرامُ كرامٌ وإن خُذِلُوا
والمُخْلِصونَ دوماً هُمْ هُمُ
(4)
أليس بإفرانَ الْتَقَى على قدَر عجيبٍ أسَدَان
أسدٌ، من حجرٍ رَابِضٍ
يرثي أسدا بالأطلس كان
ولَيْثٌ، من بَشَرٍ نابضٍ
بغرته الصولجانُ والشِّيَمُ
أسَدان مُشْتَبِهان في المواصفِ
بينهما المهابةُ والإقدامُ والهِمَمُ
وتلك الأيامُ المَضْروبةُ للناس
يحفظها التاريخ واللوحُ والقلمُ
(5)
لكِنْ
قل لي بربك يا صاحبي
كيف أسميك لَيْثاً
وأنت اللطيفُ
الودودُ الشفوفُ
الذي بعد الله
بِه يصح التَّيَمُّنُ والقَسَمُ
(6)
كيف لا أيها النهرُ الوَفِيرُ
ولا يجمعُ بين المَنْبَعِ والبحرِ
والماء والماء والقَاصِدِيك
سوى نَهْرُك الرَيَّانُ لكل من بهِ نَهَمُ
يَمُرُّ يسقي الأَحْيَاءَ والأشياءَ وكُلَّ من حولهُ
بِلاَ مَنٍّ ولا سَلْوَى
وهكذا هكذا
يكون خيرُ الله والكرمُ
(7)
كيف لا وأنت الذي
بِكَ تَسْمو السَّجايا
وتَزْهُو الأماكنُ والمَنَابِرُ والكَلِمُ
يا تاجَ عَفِيفَةَ الأندلسيةِ المَشِيشِيَّةِ البِجْرِيَّةِ
مِنْ بَنِي عَروسَ ولا أبْهَى
وفي الخلوة الضَيَّاءِ تَلْتَقي الأسماءُ
اسمُها واسمُ المَشيشيِّ
واسم الله والأَخْضَرُ العَلَمُ
(8)
لِتَسْلَمْ يا هبةَ الله
ولْيَسْلَمِ الشَّرَفُ الرفيعُ حَوالَيْكَ
أبو كرمٍ وأَيُّوبَ وجَدُّ غَالِي المَعالِي
بِهِ سَتَزْدَانُ الأعالي والقِمَمُ
وأبو لِيَانَةَ القَمَرِيَّةِ النديةِ التي
مِنْ عَرَاجِينِ تنجدادَ أريجُها
اجتباها أبوها جميلُ السَّنَى كَرَمُ
من مكناسةَ الزيتون مَفاتنُها
قولوا لِيانةُ شمسٌ
من رِمْسَ من اَرْدِينَ
مدينة الملوك فوقها العُروشُ والعلمُ
تلك التي طلعتْ علينا:
وعلى باريسَ السينِ والأنوار تقول:
اِفْرَنْجِيَّةٌ وأُصولي مغربيةٌ علويةٌ..
فيلاليةٌ مَشيشيةٌ..
وأصلُ جُدوديَ التاريخُ والعلا والقِدَمُ
ولْتَسْلَمْ مَجَرَّةُ آل الوارديِّ
بكل كواكبها وهَالَاتِها
ومِنْ حَوْلِها تَلْمَعُ السَّابِحَاتُ الأَنْجُمُ
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي