
الخفاش: رحلة قروي من السبحة إلى اللحية (الجزء الثاني)
المصطفى أسدور*
حين تسألها بعض النساء عن عمرها، أو عمر أحد أبنائها، لا تعدم كَبُّورةُ جوابا، وتجد دائما “علامات” وإشارات في المدى الممتد في الذاكرة، تساعدها على تحديد الزمن، الذي يعرف كيف ينساب الى النسيان بسرعة في هذا العالم القروي البسيط، ويَغمُر أحداثا بأحداثٍ أخرى، دون أن يلتفت اليه أحد، إلَّا كبورة فقد تعلمت كيف تربط الزمن بالجغرافيا، وكيف تشد وثاقه بسلسلة من الوقائع والأحداث فيظل الزمن طيعا مطيعا. حين تُحَدِّث النساءَ عن خبر ما أو حدث مضى مع من مضوا من سكان الدوار، فإنها تفعل ذلك بكثير من اليقين والدقة في الوصف والسرد، ولا تدع شيئا ينفلت من عقال الضبط. وأما إن واجهتها إحدى النساء بما يفند سرديتها للحادث أو الواقعة، أو مجرد تعديل طفيف على سرديتها، فإنها تصاب بموجة غضب، لا تلبت أن تتحول الى نوع من التشفي، فمَنْ من نساء الدوار تمتلك ذاكرة كمثلها؟ كيف لا، وقد اعتادت النساء أن تعُدن إليها في كثير من الرهانات والتحديات، حول تاريخ زيجة معينة أو ميلاد طفل، أو خصومة تركت أثرها على أهل الدوارْ، أو موعد “رْزِيفَة” عروس لم يمض على زواجها الحولُ بعدُ..
كبورة ذاكرة حية، لها سلطتها و سطوتها على “الزمن” الذي لا يمكن أن يكون شيئا آخر غير زمنها هي !! لا احد يعرف متى ولا كيف اكتسبت تلك القدرة على توظيف الأحداث والكوارث والأماكن لاستنطاق الزمن والوصول بالسائل والسامع الى نقطة لا يعود لديه شك معها في أن ما تقوله كبورة هو عينه الصواب، حتى وان كانت لديه سرديته الخاصة، فإنه يسارع الى الشك في قدرته الاستدراكية على أن يشك في سردية كبورة.
وكأنها استبقت زمنها، فقد ربطت كل حادثة أو واقعة مهما كانت أهميتها بأشياء وأحداث عظيمة، كعام الجراد أو عام البون، وإن لم تسعفها أحداث الطبيعة التي يعرفها الجميع في رسم صورة “واقعية” لخبر أو حدث ما، فإنها تبحث عن أحداث سياسية أو حروب، أو حدث مميز نٌقش بالسوط والحديد في الذاكرة، كحلول قائد عُرِفَ ببطشه، او زيارة سلطان البلاد إلى المنطقة، أو حلول أول كَجْبوطْ (فرنسي) على القرية للسيطرة على أراضي الجموع و استغلالها لإنشاء مزرعته الكبيرة، وهكذا. ليس هذا فحسب، بل انها تطلق أسماءً – لا أحد يعرف من أين تأتي بها- لتحدد واقعة تاريخية أو حدث جلل، كَــ”عَامْ ارْفُودْ” مثلا والذي أطلقته على حادثة نفي الملك محمد الخامس، وحين تتساءل النساء عن هذا العام، وتسود الحيرة، و تتبادل بعضهن نظرات الشماتة في هذه السمينة التي “تقطَعْ أو تْلُوحْ” الكلام، تعرف كبورة كيف تعالج الأمر بتلك الابتسامة التي تعني الظفر والشماتة بمن يشمتن أو يعتقدن أنهن يشمتن بها:
- وَا هاني سْكتْ أنا ضْرُوكْ، أَوا ݣولي لينا انت نيِتْ يا الحَادْݣة، واشْ عامْ ارْفُودْ أو لَّا عامْ البونْ؟ أو زَݣِّي مزيانْ.
تداري المرأة حرجها بضحكة باردة، بعد أن تكون قد مسحت الوجوه واستقرأت تقاسيم الرضى من عدمه. هنا، وفي هذه اللحظة، تدور الكثير من النقاشات والسجالات داخل عقل تلك المرأة، وفي لحظة زمنية خارج الزمن، تقيم الوضعَ، وتقيم أكثر جَدْوَى الاستمرار في الحديث مع كبورة من عدمه، وما إن كان الاستمرار لا يوقظ “ضغينة”ما أصرتها كبورة في نفسها إلى حين، وما إن كان هذا الحين هو الآن؟ وفي لمح البصر أو أقل، تُعَدَّل خطة المواجهة، وتُستبدل كلمات بأخرى، و يُستنفد رصيد عتاب الذاكرة التي لم تعد تسعفها في اتخاذ موقف أو تأكيده وهكذا.
كبورة التي تكون في تلك اللحظة قد استجمعت كل طاقتها الهجومية، تحرص على أن تُبقي عيونها مُسَمَّرةً “في” وجه المرأة، تماما كصياد ينتظر اللحظة المناسبة للضغط على الزناد، وحين تضطر لفعل ذلك فإن ارتدادات الطلقة قد تشمل كل الحاضرات، وقد يصيب صداها المَارَّة أيضا. يحدث ذلك حينما يصادف أن يمر شخص ما من أمام “بابْ ارْوى”، حيث تقضي النساء معظم أوقات الفراغ، وحين نقول الفراغ، فنعني به شيئا آخر غير قتلِ الوقت، نعني به تلك الأوقات التي تشترك فيها نساء القرية في القيام بأعمال تتطلب مساعدة الأخريات، كتنقية الحبوب من الشوائب، أو دَق نواة الأرْݣان، وكل ما تتطلبه من عمليات معقدة. ففي هذا الفضاء “الاجتماعي” يبدأ الحديث عن شيء ما في “باب الروى” لينتهي الى أسماع فلاح أو مزارع ذاهب الى حقله، وبدوره يَشد طرف الحديث ليلقي به بين الأشجار ليلامس أسماء المزارعين او الحطَّابة، وهناك يتمطط الخبر ليتخذ أشكالا وأبعادا جديدة، وفي المقابل، قد يبدأ الخبر على شكل همهمات أو همس في الطريق، ليصل الى أسماع النساء في “بابْ الرْوَى”، وهناك يخضع للكثير من التحليل والاضافة، قبل أن يسود القرية نبأ زيجة أو خطوبة أو “رْزِيفَة” على الأبواب.
يعجز الانسان منا أن يجد تفسيرا ولو جزئيا لهذه القدرات الغريبة التي يتمتع بها الآباء و الأجداد، قدرتهم على تحديد مواعيد المطر والحصار، وأوقات الزرع، ومتى يحين وقت زراعة هذا النبات عن غيره، وكيف ربطوا ومزجوا بين الجغرافيا والزمن، فتتحول بعض مظاهرها الى علامات دالة على زمن ما، أو حدث وقع في زمن معين.
حين تجلس الى البدو أو القرويين، لن تتوقف عن الاندهاش من تلك القدرات، ويصعب أحيانا أن تسايرهم في طريقة فكهم لكل الأحداث البسيطة، وكيف يربطونها بأحداث أهم:
- راه مزيان لْوَاحَدْ يْرومْ لݣْدُورْ إلَا ما عندو التَّحْقَاقْ.
تلتفت الى المرأة التي تطاولت عليها بادعاء المعرفة، وقد انكمشت على نفسها من الحرج، ثم تضيف:
- إوَا يَا لْغْزالْ، مَلِّي انْتِ حَادْݣَة بْزَّافْ، عْلَاهْ شْكُونْ لي اكْبرْ، الضاوية محمد، أُو لاَّ العَرْبِي ولد مُحْمْادَّ؟
وبحركة فيها من العنف بقدر ما فيها من النعومة، تلتفت إليها تلك المرأة، وقد استجدت الكثير من المساندة من النساء الحاضرات، وهذا يتم برسائل وإشارات كثيرة يعرف البدو كيف يمررونها ومتى، وقبل التفوه بكلمة، تكون المرأة قد عرفت مدى المدد والسند الذي تشكله الحاضرات، وعليه تستمر في الكلام.
التفتت إلى كبورة، رَبَّعَتْ ذراعيها على صدرها، أسندت مرفق يمينها بيدها اليسرى، وقد طوقت بها ما فوق السرة، أمسكت بذقنها، ربطت أصابعها، وأبقت بإبهام وسبابة تداعبُ بهما ذقنها، تستمر للحظات تحك بسبابتها أسفل حنكها، وكأنها تحفر في الذاكرة لتحلب منها الأخبار وتعتصرها لتسترجع الزمن، وتعيد شريط الأحداث لتلك الفترة التي مضى عليها ردهٌ من الزمن.
- إلا كَانْ عَقْلِي يَنْفعني يالعْيَالاتْ، يَاللهْ بْدَاتْ اسْمَايَمْ، أولَّا يَا رْبِّي دَازْ عْلِيهَا نْݣُولُو شِي شْهَرْ مَنْ يَّامَاتْ اللهْ، أو عَقلُو عْلَى مَا تْݣُولو..
تصمت لبرهة، ترتب بعض قصاصات الذاكرة لتستقيم مع سياق الحديث، ترفع نظرها إلى السقف لبرهة، تحك أسفل ذقنها بأصابع غزتها التجاعيد وتخللتها تلك العروق الزرقاء التي تنقل ما بقي من دم الحياة لتسعف به كل جُزيئات هذا الجسد الذي لا يتوقف عن الانكماش، تستعيد بعض تفاصيل اللحظة التاريخية التي يدور حولها الحديث:
- إيَّهْ، كما ݣُلْتْ نِيت، كي فاتت اسْمَايْمْ بْشِي يَّاماتْ جَا العَربي الشلحْ، دِيكْ الساعة باقي وَجْهُو مْلَسْ، شْرَا دَاكْ الطَّرْفْ دْيَالْ جْنَانْ إيتْ سَاسِي فالدَّخلة ديَالْ الدوارْ، أو بالشَّارَة أو لَمَارة، كانْ العْرُوسِي يالله بدَا يْبْنِي دَارُو قْبَلْ مَا يَتْفْرَقْ عْلَى بَّاهْ.
تتداخل الأسماء و الأماكن وتمتزج بشخوص لم يعد لها وجود، وربما لم يكن لها وجود أصلا الا في ذاكرة كبورة، لكن هذا لا يمنع الحاضرات من طرق السمع والبصر، لالتقاط كل “تفصيلة” وكل جزئية من الحكاية. حينما تتقدم كبورة في سرديتها، تُوقفها بعض النساء مستفسرات عن حدث تشابه عليهن، أو عن اسم التبس بأسماء أخرى، كبورة في كل هذا تنتعش ذاكرتها، وتكتشف فجأة أن تقدمها في العمر لم يأخذ منها سوى بعض معالم “اصْغُرْ”، وأن ذاكرتها تنتعش يوما بعد يوم. حقيقة لا أحد يمكن أن يجزم إن كان ما ترويه كبورة هو واقع قد حدث؟ أم مجرد تخيلات تتداعى مع برَّاد الشاي المنعنع، وأما إن كان مصحوبا ببعض “المُنْعِشاتْ” كخبز شعير ساخن، مغمور بزيت الزيتون أو زبدة مسالة على نار هادئة، وحبذا لو تقدمته بعض صحون المكسرات من “لوز” و”جوز”، فذلك يخلق حالة صوفية تجعل النساء تتسابقن في ذكر تفاصيل التفاصيل، وخبايا الذاكرة، وتنقشع تلك الحالة من الاحتقان التي نشأت في بداية اللقاء، حتى فاضمة التي تعرف كيف تتحاشى الحديث إلى “تَاعْرَابْتْ يُسَّرنْ اتْݣا خْتَّا” كما تصفها (هادْ العَرْبِيَّة الشَّارْفَة)، لا تعرف كيف تجد نفسها وقد انسجمت مع السرد والحكاية، فتضحك حتى النواجد، وتُدمعُ العيون من فرط الضحك على بعض الأمور التي تبدوا لنا اليوم من سفاسف الأمور، لكنها عَنَتْ لمن سبقنا الشيء الكثير، فحرارة الحديث لا تقل دفئا عن حرارة الكانونِ في الليالي القارسة.
كبورة، وغيرها من “ذاكرة” الدُّوَّارْ، لا تجد بأسًا في التوقف عن السرد، وإعادة ترتيب زمن الحكاية، وتغيير الأماكن، وتدوير زوايا الجغرافيا الغابرة في غيابات الذاكرة:
- إيِّيهْ !! الله يفَݣْدَكْ فالشْهَادة يا فْلانة.
بهذه العبارة تلتمس عذرا لتقوم بعدها بإعادة ترميم بعض جزئيات الخبر، وتتابع في الحكيِ:
- ملي جَا العَرْبِي الشلحْ..
في هذه اللحظة تدخل عليهن فَاضْمة، إحدى قريبات العربي. لم تنتبه كبورة لقدومها، وأرادت أن تكمل الحكي، لكن صاحبتها التي تلاصقها، تَنْخُصُتها في فخدها، تلتفت اليها كبورة وبحركة خفيفة من حاجبيها، اشارت الى مقدم فاضْمة.
كبورة لم تكن بحاجة لمجاملة شخص ما، ولا تأخذ بعين الاعتبار حساسية موضوع ما أو تحسس شخص لمسالة معينة، كخصومة قديمة، أو جفاء أهل وأصدقاء، فهي تتكلم بسجية تستفز الأخريات أحيانا، فهي كما تصف نفسها عادة “غِي نْݣْطَعْ أو نْلُوحْ”، لكن بعض النساء اللاتي لا يسترحن كثير لجرأتها، يصفنها بعبارة أخرى:
- كبورة كِي الشْتَاء، تَزْدَفْ فالوجَهْ.
انتقاء العبارات ليس بريئا في هذه الحالات، ففي الوقت الذي تلتمس فيه كبورة لنفسها عذراً بعبارة: نݣْطَعْ أو نْلوحْ، أي أنها تتحدث بسجية ودون خلفية معينة، نجد عبارة: تزْدف فالوْجَهْ تعني نوعا من الجفاء والصلافة في الحديث. فعل زْدَفْ، له معنى المباشرة في اللهجة المحلية، وربما جاء من فعل أزْدَفَ، والذي يعني الدخول في الظلام: أزدفَ بمعنى أسْدفَ، نقول أسدف الليل، أي أظلم، وأسدف فلان دخل في الظلمة. يمكن من باب انزياح المعنى أن نربط بين “زْدَفْ” و “أزدف” على مستوى “المباشرة”، لكن يبقى هناك تباعد في الدلالة. وهذا الأمر لا يغير من مجرى الحديث وطبيعة العلاقة التي تنشأ ولا تتوقف عن “التَّحور” كلما تقدمت النساء في الحديث.
ألفت النساء هذه الميزة في كبورة، لذا لم تتحرج صاحبتها -التي نخصتها- من سماع كلمة أو كلمات جارحة فاضحة:
- أُو مَالْكِي يَا خَيْتِي تْنُغْزِي، عْلَاهْ الشَّلْحْ مَعْيُورْ؟ يَوَا العَرْبِي الشَّلْحْ، مَنْ نْهَارْ جَا أُو النَّاسْ تْبَرَّحْ عْلِيهْ العَرْبِي الشَّلْحْ. عْلَى هَادْ الحْسَابْ، حْتَّى العْبِيدْ أو لْحْرَاطَنْ بَا يْتْقَلْقُو عْلِينَا إلَا ݣُلْنَا لِيهُمْ “عْبيدْ”.
في تلك الحقبة، لازالت أحياءٌ بكاملها، وبعض التجمعات التي تُسمى “الرِّيفْ” جمع “ارْيَافْ”، تقطنها جماعات من الزنوج وذوي البشرة السوداء، وكثير منهم يتقبل اسم “عَبْدْ” دون حساسية. تبقى الاشارة الى أنه رغم الانخراط الكامل في المجتمع، هناك إصرار على الحفاظ على الخصوصية كما تفعل جميع المجموعات البشرية، فللعْبِيدْ مواسمهم وعاداتهم الخاصة أيضا، فقد كانوا يعيشون على شكل “جيتوات” في حواشي الدواوير التي يقطنها عرب هوارة إلى حدود منتصف القرن العشرين، لتبدأ عمليات الاندماج بين السكان، وتتعدد حالات المصاهرة بين “لْحْرَاطَنْ” والعرب، لتختفي مظاهر “الميز” بشكل تدريجي وظاهري على الأقل في أيامنا هذه. ومن الطرائف التي يرويها كبار السن، الذين عاشوا بعض الأحداث والتي لها علاقة بالعبودية، أن “الحَرَاطِينْ” كانوا لا يترددون في نعت بعضهم البعض بالحَرْطَاني، حتى ضرب المثل بأهل قرية أغلب سكانها “حْراطَنْ” تسمى تَامَاعِيتْ، فقيل فيهم:
- بْحالْ حْراطَنْ تاماعيتْ، لِّي سْبَݣْ يݣُولْ لَّاخُرْ اللهْ يلعنْ الحَرْطَانِي تَاعْ بَابَاكْ.
كَبُّورة لا تعرف سوى أن الحراطين جزءٌ لا يتجزأ من القرية، على الأقل منذ أن حلت بها في مطلع الخمسينات، وبالنظر الى الأعمار المتقدمة للكثيرين منهم، وتطبعهم باللهجة العربية المحلية، فلا شك أن تواجدهم يعود إلى عقود أو قرون من الزمن، وهناك روايات كثيرة أغلبها ظنية حول السود في منطقة سوس و درعة، ذكر بعضها المستشرق الفرنسي Berthier Paul في كتابة Les anciennes sucreries du Maroc وتناولها باحثون آخرون بشكل مفصل في أعمالهم، كالسوسيولوجي جاك مونيي Jacques- Meunié، وعالم الآثار الفرنسي ستيفان كزيل Stéphane Gsell، دون أن ننسى ما ينسب للسلطان اسماعيل الذي استقدم آلاف العبيد لدرجة أن شكل بهم ما أسماه المؤرخون بجيش البخاري، وسمى كذلك لأنهم يُقسمون على كتاب البخاري اثناء التعاقد بحسب بعض الروايات، وربما يكون الزنوج المنتشرون في المنطقة من بقايا عبيد مولاي اسماعيل. أو من بقايا عمال مصانع السكر في العهد السعدي، لا أحد يمكنه الجزم على الاطلاق.
نفس ما عاشه الزنوج في قرى منبسط سوس، عاشه بعض الأمازيغ الذين نزلوا السهلَ واستقروا في دواوير القبيلة، وإن بشكل أقل، اذ تمكنوا بسرعة من الاندماج في المجموعات السكانية العربية، ويعود الفضل في سرعة اندماجهم الى كون أئمة المساجد أغلبهم أمازيغ، ويحظون بمكانة اجتماعية وقداسة دينية وسمعة طيبة في مجال معالجة الأمراض الروحانية، وغيرها من الأمراض التي لها علاقة بالعين والسحر والحسد. لكن الشيء الذي أكسب أئمة المساجد الأمازيغ مكانة هامة وحساسة، هي قدرتهم على كشف المستور، وتقوية الباه عند الرجال، ومع ذلك نستطيع القول أنهم عاشوا كما يعيش الغريب عن أهله، حيث يكون عرضة لنوع من الجفاء والعزلة.
فَاضمة التي ألفت مثل هذا الكلام، لم تعد تعيره أي اهتمام، رامتْ جانبا من الغرفة، جلست بعد أن سلمت على من حولها، أسندت إلْيَةَ يدها على كتف إحدى الجالسات مستعينة بها للجلوس. فرغم أنها تصغر كبورة بعقد من الزمن أو أكثر، إلا أنها تعاني كثيرا من ألم المفاصل، ما يصعب عليها حركة الجلوس والقيام، بعض النساء يتحدثن عن إصابتها بالعرج، وأنها تداري ذلك بالإجهاد على إحدى رجليها لتبدو مشيتها مستقيمة. فالإصابة بالعرج أو العور أو أية عاهة مرضية طبيعية في العالم القروي تؤثر سلبا على الشخص، لأن المجتمع القروي يربط كل العاهات والأمراض بالقوى الغيبية، وبالتالي يتحاشى الناس مخالطة ذوي أمراض بعينها، كالصرع مثلا، خوفا من انتقال العدوى اليهم، حيث يتجنب الكثيرون مجالسة المصاب بالصرع، والحديث إليه، مما يزيد في عزلته، وربما تحاك حوله الكثير من الأخبار المغرضة، دون أن يجد مُنصفا، فكل ما يقال في المصاب بالصرع يجد له موقع استحسان عند اهل الدُّوَّار.
علاقة فاضمة بكبورة علاقة جفاء في بدايتها، صحيح أنه لم تحدث بينهما أية خصومة ولا نزاع، ولا حتى مُشادة في الكلام، لكنه جفاءٌ فِطري لا يجد له تفسيرا، ليس هذا فحسب، تروي بعض العارفات، أن أول من التقت به فاضمة من نساء الدوار هي كبورة، فقد كان زوجاهما يشتغلان في نفس المزرعة، وحين قرر الدَّا الْعربي الانتقال بزوجته وابنه الرضيع عبد السلام من الجبل، والنزول بهما الى منبسط سوس، فعل ذلك بعد صراع كبير مع عائلته، ومشادة كلامية شديدة مع أصهاره، خصوصا أحد أخوال فاضمة الذي اكتسب معرفة كبيرة بالأعْرَابْ بفضل مهنته كعَطَّارٍ جاب كل قرى هوارة، ويعرف عنهم مدى تغزلهم ببنات ونساء الجبل، وتغنيهم بجمال عيونهن وحمرة الخدود، وتلك الضفائر المنسدلة كالحرير على “نواضر” الوجوه، وتَاوَنْزَا، خصلةُ الشعر المنسابة على الجبين وكأنها شلالات ذهبٍ في أعالي الأطلس لحظة الغروب.
هيام عرب سوس بنساء الجبل، والحكايات التي يتناولها الكبار في جلساتهم و”سهرياتهم” الحمراء عن مغامرات بعضهم مع الشَّلْحَاتْ، تعرف كيف تصل الى نساء الدوار، وتخلق تلك الحالة من النزق والطيش لديهن، فيفقد بعض الرجال سيطرتهم على زوجاتهم، وتتمنع بعضهن ليلة الخميس !!
كثير من تلك القصص التي يرويها البعض عن مغامرات وعلاقات مع نساء الجبل هي في الواقع ضرب من الخيال، تعكس حالة الكبت التي يعيشها أصحابها، بسبب حرمانهم من حياة جنسية طبيعية أو متوازنة. فمن يعرف الجَبَليَّاتْ ومن يعرف مقدار العفة والمروءة والشرف لدى أهل الجبل وشراسة أبنائه في الدفاع عن الشرف، لا يمكنه أن يصدق تلك الحكايات الواهية. لكنها طبيعة المحروم والمكبوت، فهو يعيش حياة “افتراضية” من خلال توهماته وأحلام اليقظة.
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي