الرئيسية / الأعداد / أبو حيان التوحيدي ورحلته من طلب العلم والحرص عليه إلى إحراق كتبه – الحسين أيت بها

أبو حيان التوحيدي ورحلته من طلب العلم والحرص عليه إلى إحراق كتبه – الحسين أيت بها

أبو حيان التوحيدي ورحلته من طلب العلم والحرص عليه إلى إحراق كتبه

الحسين أيت بها*

 

إن المتأمل في مؤلفات أبي حيان التوحيدي ليخلص إلى نتيجة واحدة، أن الرجل بلغ مكانة علمية وأدبية كبيرة، يظهر ذلك من خلال موسوعيته، وقدرته على تقليب وجوه الكلام في مسألة واحدة، على الرغم من أنه كان مجهولا خامل الذكر في عصره.

ولعل ما يميز كتاباته أنها تنهل من مصادر معرفية متنوعة، تمزج بين اللغة والمنطق والأدب والتاريخ، فجاءت كتاباته صورة لعصره، ناطقة بتطور الحياة الأدبية والفكرية والسياسة والاجتماعية في عصره الذي هو القرن الرابع الهجري الذي امتزجت فيه الثقافات وتشكلت صورة انتهت عند علماء الكلام.

الإمتاع والمؤانسة - ترياق

     إن المرجع أو المرجعية ضرورية في البحث العلمي أو طلب العلم، وبالحديث عن المرجع الذي يستند إليه التوحيدي، فإنه يستند إلى مرجعية منطقية ولغوية، في أقواله التي ضمنها كتبه، نجده يستشهد بآراء عالمين جليلين هما: أبو سليمان المنطقي السجستاني، وأبو سعيد السيرافي النحوي، فهؤلاء كان لهم الأثر الكبير في حياة التوحيدي، حيث لزمهم وأخذ عنهم العلم، وكانت مهنته ي الوراقة (نسخ الكتب) سببا في هذه الملازمة، حيث مكنته من الاطلاع والقراءة والتعلم والحفظ، فقد كان سريع البديهة، قوي الذاكرة، حاضرا في مجلس العلم بروحه وشخصيته التي طبعت أسلوبه وأدبه في مؤلفاته.

فقد كان التوحيدي بجل هذين العالمين، ويراهما جديرين بالملازمة، فيرفع ذكرهم كلما سنحت له الفرصة في حضرة الخلفاء والقضاة والوزراء الذين اتصل بهم وتقرب منهم.

وقد حضرته أقوالهم الكثيرة وهو مجالس العلم، ومن شرف هذين العالمين أنه وضع اسميهما في الليلة الأولى والثانية، ولهج بذكرهما تشريفا لمكانتهما عنده.

والتوحيدي بالرغم مما غلب عليه من طرف أدبية، إلا أنه يميل إلى الفكر فكان يزن الأمور بميزان عقله، ويعرضها على الشرع، ويستشهد لها بكتاب الله وسنة نبيه وأقوال السلف الصالح، حتى يقلب الفكرة في المسألة المعروضة عليه، من أوجه متعددة، ومصدر ذلك ما بلغه من تأثير في النقل والكتابة، فيضيف على أقوال السلف رأيه ويحسن ذلك، فتظهر عباراته واضحة، مجلوة البيان من تلميذ نجيب أجاد قراءة أفكار شيوخه، وعرضها للقارئ بطريقة بديعة، ولعل السبب في ذلك قربه منهم والعلاقة الجيدة التي كانت بينه وبينهم، لكنه عندما يلازم رجال السلطة لا يجد الوفاء والإخلاص منهم، واحترام علمه، فيفرد لهم كتابا يذمهم فيه، أخرج لنا كتاب ” أخلاق الوزيرين”، نفث فيه ما في صدره منهم، وهما الصاحب بن عباد والفضل بن العميد.

إن الإسراف في الشيء، يعود على صاحبه بالضرر، لأن الشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده، وهذه هي مشكلة التوحيدي مع العلم والأدب، حيث انتهت به رحلته في طلب العلم من رجل معتد بعلمه ومعرفته، إلى شيخ متصوف ناقم على وضعيته، في آخر أيام حياته، بعد أن أمضاها محاولا التقرب من رجال السلطة، طمعا في نيل مكانة مرموقة بينهم، لكن تقلب حاله في النهاية، بين سوء تقديره، وخطأ منطقه، فالحضوة والمكانة التي نالها أراد نيلها لم تأته، فعاش خاملا منسيا في عصره، وبرز علماء عصره إما بسبب شهرتهم أو قربهم من الخلفاء والتنافس الكبير بينهم.

لكن بالرغم من إقدامه على حرق كتبه إلا أن بعضا من تحفه الأدبية التي أهداها، وجدت طريقها إلينا، وهذا راجع غلى عناية الباحثين والمهتمين بالتراث بها.

وقد كانت رسالته معبرة عن حزنه الشديد، لبوار العلم في عصره، والمآل الذي انتهى إليه.

إن حدود المعرفة عند التوحيدي تجسدت في مؤلفاته العظيمة، التي ضمت من العلم سره وعلانيته، كما قال في رسالته يشرح سبب إقدامه على حرق كتبه.

 

المصادر:

كتاب الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، تحقيق عبد المنعم فريد، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 2006.

كتاب أخلاف الوزيرين، لأبي حيان التوحيدي، تحقيق خميس حسن، دار آفاق للنشر والتوزيع، القاهرة ـ مصر، الطبعة الأولى/2022.

 كاتب من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجانب المظلم للبطل الحجري (نصوص هايكو) جورج سويد – ترجمة حسني التهامي

نصــــوص من الهايكـــــــــــو ترجمة: حسني التهامي* جورج سويد   نسيمٌ ربيعيٌّ دافئ – كلبُ صيدٍ …

اترك تعليقاً