
ليلة الأمراء: احتفاء بالشعر والشاعر حكم حمدان
الحَسن الگامَح*
شهدت مدينة أكادير أمسية أدبية استثنائية بعنوان “ليلة الأمراء”، احتفاءً بالشاعر حكم حمدان وإصداره الجديد “ألم… يروي غابة شعر”. نظمت هذه الأمسية مجالس أكادير، المقهى الثقافي تادلسا، ومجلة مدارات الثقافية، وأقيمت في المقهى الثقافي تادلسا ابتداءً من الساعة السابعة مساء يوم الجمعة 9 ماي 2025. تميزت الأمسية بكونها تظاهرة ثقافية متكاملة جمعت بين الشعر والموسيقى والنقد، وأضاءت على جوانب متعددة من المشهد الأدبي المغربي.
وقد شهدت الأمسية حضورًا لافتًا ومتنوعًا، حيث اكتظ المقهى الثقافي تادلسا بأساتذة جامعيين وطلبة وشعراء وفنانين ومثقفي المدينة. أتى هؤلاء للاستمتاع بجمال الشعر الفصيح وحضور توقيع ديوان الشاعر حكم حمدان. هذا الحضور النخبوي والجماهيري يعكس شغف المدينة بالشعر وتقديرها للأدب، ويؤكد على أهمية هذه الفعاليات في إثراء الحياة الثقافية وتنشيط الحوار الفكري.
وديوان “ألم… يروي غابة شعر” يجسد هذه الرؤية. فهو ينبت من رحم الألم ليقدم لنا غابة شعرية وارفة الظلال، غنية بالصور والاستعارات، زاخرة بالإيقاع والموسيقى. إنها غابة تتضمن من رحيق الألم لترسم جمالًا وإبداعًا، غابة يتجاور فيها الحزن والفرح، اليأس والأمل، الانكسار والانتصار، غابة ندخلها لنكتشف فيها ذواتنا ونواجه مخاوفنا ونستمد منها القوة لمواصلة المسير. و”غابة شعر” هو وصف بليغ يلخص جوهر هذه التجربة الأدبية. فالشعر، كما يتبين من كلمة مدارات بالملصق – المطوية، ليس مجرد “كلمات منمقة أو قواف متناسقة”، بل هو “نبض الروح وصوت الوجدان”. إنه اللغة التي تتجاوز حدود المألوف لتلامس أعماقنا وتوقظ فينا ما كان كامنًا.

لم يقتصر الاحتفاء على قراءة الشعر، بل اتخذ شكل برنامج أدبي ثري ومتنوع. تضمن البرنامج كلمات افتتاحية ووصلات موسيقية وحوارات مع الشاعر حكم حمدان وقراءات شعرية شارك فيها نخبة من الشعراء والشاعرات، مثل مولاي الحسن الحسيني، حميد الشمسي، خديجة أبو بكر ماء العينين، نوفل السعيدي، الحسن الكامح، خديجة أمجوض، كريم أيت الحاج، وأمنة أرسليم.
كما لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي قام به الناقد الدكتور المختار النواري في تقديم الأمسية. فقد أبان عن علو كعبه في التقديم والنقد، مما أضفى على الحدث طابعًا أكاديميًا وثقافيًا رفيعًا. إن قدرة النواري على الجمع بين التقديم السلس والتحليل النقدي العميق ساهمت في إثراء الحوار الأدبي ورفع مستوى النقاش.
وتميزت الأمسية بكلمة للأستاذ كريم بلاد، التي تناولت العلاقة بين الشعر والإمارة. يفتح هذا المحور آفاقًا أوسع لفهم دور الشعر في المجتمع، وارتباطه بالقيادة والإلهام. يمكن أن يكون الحديث عن الإمارة هنا مجازيًا، ليشير إلى قوة الشعر في التأثير والريادة الروحية والفكرية، أو قد يتضمن إشارات إلى التاريخ والأدب الكلاسيكي. يضيف هذا المحور عمقًا للأمسية ويجعلها تتجاوز مجرد الاحتفاء بشاعر واحد لتصبح تأملًا في دور الشعر وقوته.
إضافة إلى ذلك، ألقى مسير المقهى الأدبي تادلسا، السيد الحسين بوسعيد، كلمة ترحيبية في حق الشعراء والحضور. تعكس هذه الكلمة دور المقهى كفضاء ثقافي حيوي يحتضن الفعاليات الأدبية ويدعم المبدعين، وتؤكد على أهمية هذه المؤسسات في إثراء المشهد الثقافي المحلي.
واختتمت الكلمات الترحيبية بكلمة مؤثرة للحسن الكامح، رئيس تحرير مجلة مدارات الثقافية، حيث أكد على أن الشعر يظل دائمًا منارة لنا في دروب الحياة. تلخص هذه الكلمات جوهر الأمسية، التي كانت بمثابة احتفاء بالشعر وقدرته على إلهامنا وتوجيهنا.

ومن اللافت في الأمسية أن الشاعر حميد الشمسدي والشاعر نوفل السعيدي قدم كل واحد منهما نصًا شعريًا مهدى إلى الشاعر حكم حمدان نفسه. يشير هذا الجانب من الأمسية إلى تقدير أدبي عميق للشاعر ومكانته في المشهد الشعري، ويضيف بعدًا شخصيًا وإنسانيًا للاحتفاء، حيث يتجاوز التركيز على العمل الأدبي ليطال صاحبه وإسهاماته.
وفي لفتة مميزة، ألقى الشاعر حكم حمدان نفسه نصًا شعريًا خاصًا يتضمن أسماء جميع المشاركين في “ليلة الأمراء”. تعكس هذه البادرة الشعرية روح الوحدة والتقدير المتبادل بين الشعراء والأدباء المشاركين، وتجعل الأمسية أكثر تفاعلية وحميمية، حيث يصبح كل فرد جزءًا من النص الشعري نفسه.
ولم يغب النقد عن الأمسية، حيث تخلل البرنامج حوار مع الشاعر حكم حمدان، أداره الناقد كريم بلاد، مما أتاح فرصة للتعمق في دوافع الشاعر ورؤيته وأسلوبه الشعري.
وتخللت الأمسية وصلات موسيقية على آلة العود قدمها الفنان رشيد مصطالي، مما أضفى على الأجواء لمسة من الجمال والإبداع. كما تضمن البرنامج كلمات من جهات مختلفة، مثل كلمة مجالس أكادير، وكلمة مجلة مدارات الثقافية، مما يعكس التعاون والتفاعل بين المؤسسات الثقافية في المدينة.

وفي ختام الأمسية،
تم تتويج هذا الاحتفاء بتوقيع الشاعر حكم حمدان لديوانه، وتوزيع الشهادات التقديرية على المشاركين. ومن اللحظات المميزة في الأمسية تقديم الشاعرين حميد الشمسدي ونوفل السعيدي هدية فريدة للشاعر حكم حمدان، وهي بورتريه له منحوت على الخشب من إمضاء الفنان محمد المهنديز. تعكس هذه الهدية الفنية التقدير العميق للشاعر وتضيف بعدًا جماليًا ورمزيًا للتكريم.
ولم يقتصر التكريم على الجانب الأدبي، بل امتد ليشمل الجانب الإنساني والعائلي. فقد قامت أسرة الشاعر حكم حمدان بتقديم هدايا خاصة له، حيث قدمت ابنته يافا باقة ورد، وقدمت زوجته وأمه لوحة له وهو يقرأ في مهرجان الشارقة. تضيف هذه اللفتة الأسرية الحميمة لمسة دافئة للمساء وتؤكد على أهمية الدعم العائلي في مسيرة المبدع.
كانت “ليلة الأمراء” بمثابة تظاهرة ثقافية ناجحة، جمعت بين الشعر والموسيقى والنقد، وأتاحت فرصة للاحتفاء بالشاعر حكم حمدان وإصداره الجديد.
لقد أكدت الأمسية على أهمية الشعر في حياتنا، ودوره في إثراء المشهد الثقافي المغربي.
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي