حكم حمدان: صدق الشعور وعمق المعنى
مسعود بوگرن
عندما يبوح الشعر بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، وينساب انسياب الضوء اللاحب، ندرك أن عروج القصيدة إلى السماء يسبق نزولها مع الوابل الصيّب، رفقة ملَك موكل بها، حينها نكون أمام كيان له روح لا يعرف التكلّف، ولا يلهث خلف الزينة وزُخْرف القول، وإنما منبعه صميم الشعور وصدق المعايشة.
في شعر حكم حمدان، تمتزج كل هذه المعاني، وتمتزج كذلك العذوبة بالعمق، وتُجَاورُ الرّقة السماحة، حتى لكأن كلماته تخاطبك في اللحظة التي تظن فيها أن الصمت وحده قادر على التعبير، وشعره كلما اقترب من السهولة، ازداد إيغالا في المعنى، على نحوٍ يُذكّر بشاعرية نزار قباني، وكريم العراقي، وغيرهما ممن تُلامس حروفهم أوتار الوجدان دون صخب، وتهمس بما تعجز اللغة أحيانًا عن البوح به، وتوقظ حنينا نائما، أو فكرة تمشي على رؤوس الأصابع، وكأنها تخشى أن توقظ من حولها.
صبُّوا على الشعر صبُّوا ماء رقتها
ولونوا أفق المعنى بزرقتها
وهللوا كلما بالأخضر احتفلت
في خاطري وردة تهفو لخضرتها
تبوح أغنية.. إنْ بالهوى نطقت
الا تموسق زرياب ببسمتها
إن حمدان لا يكتب ليُدهش، بل يُنشد ليُلامس، ولا يركض خلف الصورة البيانية بقدر ما ينصت لصوت الداخل وهو يتشكل على هيئة بيت شعري، أو لمسة وجدانية، أو عبارة تقف على الحد الفاصل بين ما يُقال وما يُحسّ. في هذا المأوى بالذات يسكن حمدان، وهذا هو عنوانه الذي يؤدي إليه دون توهان.
العابرون.. هنا في غرفتي وقفوا
تجرعوا دمعيَ المفجوع وارتشفوا
كانوا كثيرين مالت كل اعينهم
صوبي وكنت وحيدا حينما قصفوا
أعيذها من أسى..يغتال اوردتي
ومن تقلب هذا الشوق..أعترف
متنا على عهدنا..الا يموت لنا
هذا الغرام الذي بالحزن يلتحف
والآن..من سدرة أخرى أقول لها..
حر من الحزن لكن سجنيَ الأسف.
كاتب ومخرج سينمائي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
