شعرية الكينونة بين الفلسفة والأدب في المنجز الإبداعي للشاعر والقاص والمترجم عبد الله فراجي
عبد الله الطني*
بادئ ذي بدء، ثمة مفاهيم أساسية في هذه المداخلة الاحتفائية بمنجز صديقنا الأستاذ عبد الله فراجي، العاشق للفلسفة والشعر والحكي والتواصل اللساني والثقافي، مفاهيم مثل الكينونة، شعرية الكينونة، الفلسفة ومظاهر الاتصال بين الأدب والفلسفة، قبل الحديث عن شعرية الكينونة بين الفلسفة والأدب في المنجز الإبداعي لهذا الشاعر والقاص والمترجم.
وبتحديدات إجرائية تركيبية نقول:
1 ـ نقصد بالكينونة وضع، ومعنى، التواجد في الوجود بمحدداته الأساسية الأربعة، أي كل ما يحيل إلى الوجود الجوهري للذات في ذاتها، وكذا إلى الذات في امتداداتها وتعالقاتها السوسيوـ ثقافية، وإلى المكان الجغرافي باعتباره مدرجا ومسرحا لهذه الكينونة، وكذا إلى الزمان باعتباره إطارا وشرطا للصيرورة التاريخية لهذه الكينونة، بكل محمولاتها وتمرحلاتها، وبالتالي في تجربتها المركبة.
2 ـ ونقصد بشعرية الكينونة مختلف التعابير الإبداعية لتلك الكينونة، بالمعنى التركيبي الخاص الذي يجمع بين شعرية التفكير والتأمل، بشكل يتجاوز الفلسفة في وظيفتها المعرفية، وأدبيا ما يجمع بين شعرية النص الأدبي بكل صيغه وأشكاله، وشعرية تلقيه وتأويله، بالمعنى النقدي الحديث؛ بمعنى أن شعرية الكينونة تتلخص فيما يجعلها تتجاوز شرطها المادي بواسطة التحليق والتجريد، إبداعا للمعنى والصورة، وتحقيقا لحرية الإرادة الإبداعية.
3 ـ ونقصد بالفلسفة تلك الرؤية المركبة للكون والإنسان، المحمولة بسؤالات ومفاهيم جذرية، وكأفق تأملي ينفتح على كل المعارف والفنون، بهذا الشكل أو ذاك، حسب هذه المرحلة أو تلك من تاريخ الممارسة الفلسفية، وتفاعلها مع محيطها السوسيو ثقافي.
4 ـ وعن مظاهر الاتصال بين الأدب والفلسفة، فإننا نشير ها هنا إلى ذلك التواشج والتكامل التاريخي بينهما، الذي يخول لنا الحديث عن “فلسفية الأدب” و”أدبية الفلسفة”. وهو كما سنبينه كما يلي:
4 ـ 1 ـ أدبية الفلسفة: نقصد بها هنا الحضور القوي للشعر والحكي في اهتمام الفلسفة سواء كممارسة نجدها لدى الطلائع الأولى من الفلاسفة حيث نجد العديد منهم قد استهواهم التعبير عن حكمتهم الفلسفية مثل هيراقليطس وبارمنديس، وبعد ذلك لدى أفلاطون الذي أخرجها على شكل مسرحيات فلسفية. وهي المشهورة باسم “المحاورات” التي لم يكن بطلها سوى أستاذه سقراط. كما نجد مظاهر كثيرة من استدماج العبارة الشعرية في فلسفة أبي نصر الفارابي، واستدماج شعرية الحكي في الكتابة الفلسفية لدى الطبيب الفيلسوف ابن طفيل في قصته الفلسفية الموسومة بحي بن يقظان، التي لخص فيها كل مذهبه الفلسفي. ونسجل كذلك مدى استنجاد الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر بشعرية الأدب والمسرح للدفع أكثر بأفكاره الفلسفية الوجودية إلى نهاياتها، فكان عن ذلك الكثير من النصوص مثل: “الحائط” و”الغثيان” “الذباب” وثلاثية “طرق الحرية” و”تاريخ وحياة طاغية”، “الغرفة”، “الدوامة”، “الحزن العميق”، “الأبواب الخلفية المغلقة”، “أسرى التونة” و “جلسة سرية”.

وعلى مستوى التنظير لمفهوم الشعرية، نشير فقط إلى الاهتمام الأرسطي الذي يحمل عنوان كتاب الشعر، والاهتمام الواضح للمعلم الثاني الفارابي بعد ذلك بفن الشعر في معجمه الفلسفي الموسوم “بإحصاء العلوم”، مبينا أهميته التخييلية والجمالية، ومفصلا في مراتب نظام قوله وايقاعاته.
في الفلسفة الحديثة، نرى الفيلسوف الإيطالي جاكومو ليوراندو الذي كان يرى أن الشعر والفلسفة وجهان لعملة واحدة، رغم أن الشعر أقدم من الفلسفة في الوجود، وإن كان مصدرهما واحد هو الدهشة أمام تغيرات ومفارقات الكينونة؛ إلى أن نصل إلى مارتن هيدغر الفيلسوف الوجودي الذي كرس للشعر عناية خاصة، خصوصا في كتابه الذي يحمل عنوان “الوجود والزمان” ، حيث أكد أنه “بإمكان الشعر تجاوز اللغة الفلسفية القابعة في شرنقة الوجود وأسئلته الرتيبة ذات البعد الميتافيزيقي… في حين يستطيع الشعر الوصول عبر إشراقاته إلى جوهر الوجود.” ويرى في سياق آخر “أن الشعر هو اللغة الأصلية للشعور، وهو التسمية التأسيسية للكائن ولجوهر كل شيء، والشعر هو المجاور للفكر والأكثر إغناء له.” ومن ثمة كان انجذابه للشاعر هولدرلين وعلاقته الوطيدة به، والذي كان يصفه بصاحب القدرة الخارقة على متاخمة أفق النبوءات، والرؤى الأصلية للكينونة، والذي يتكلم لغة السماوات وما وراء السماوات كلها.
أما فردريك نيتشة فيصعب تصنيفه هل هو فيلسوف أم هو شاعر. كما يصعب التفريق بين كتابته عن “جينيالوجيا الأخلاق”، وكتابته في “هكذا تكلم زراديشت”.
4 ـ 2 فلسفية الأدب:
وتتجلى في حضور الفلسفة في صلب المنجز الأدبي بكل تجلياته، وهو ما نجده على سبيل المثال لدى شعراء الملاحم القدماء مجسدا في ذلك التداخل بين الوجود والجمال، وكذا بين عمق الكينونة وتهويمات الشعر الذي يمسك بطبائع الآلهة ودلالات ظواهر السماء والأرض وخوارقها.
وفي محيط الثقافة العربية القديمة، لا يمكن للنقد العميق إلا أن تستوقفه العديد من مظاهر الحكمة في قصائد زهير بن ابي سلمى، وبشار بن برد، والمتنبي، والمعري، والحلاج وابن الفارض والنيفري، وابن عربي؛ ومن شعراء العربية المعاصرين المسكونين بالعمق الفلسفي يمكننا أن نشير إلى جلال الدين الرومي والتبريزي، وإليا أبو ماضي وعمر الخيام وأدونيس، ومن الأدباء الأوروبيين يمكن أن نشير إلى الأعمال الأدبية والروائية المدموغة بنكهة الفلسفة فضلا عن حضور الفلسفات البنيوية والوجودية والماركسية ومخرجات العلوم الإنسانية ومن بينها التحليل النفسي، كمرجعية نقدية تحليلية للنصوص الأدبية من أشعار وروايات ومسرحيات.
ولعل من بين نتائج هذا التداخل الفلسفي، سواء على مستوى فلسفية الأدب أو أدبية الفلسفة هو تحطيم الجسور بين الأجناس الأدبية والمعرفية، وانفتاح الكل على الكل، وهو ما استلزم ميلاد خطاب نقدي جديد مغاير للخطابات التقليدية أو على الأقل موسعا لآفاقها.
وبعد/
فبكل هذه المعطيات نستدعيكم لقراءة المنجز الإبداعي لصديقنا الأستاذ المبدع عبد الله فراجي، العاشق للفلسفة والشعر والحكي حتى النخاع، أو فلنقل حد المستحيل؛ والمحرض لجيل بأكمله من تلامذته وقرائه على هذا العشق الاستثنائي.
مادتنا لهذه القراءة تتكون من عينه من منجزه الشعري هي على التوالي “المرآة والبحر” (2010)؛ “لباب العشق والمكاشفة” (2018)؛”على شفير السقوط” (2021)، وديوانين مخطوطين أولهما يحمل عنوان:” خماسية الحب والغناء ومجموعتيه القصصيتين:” طرق لا تعرف وجهتها (2021)” و”كائن ليس على ما يرام (2024)”؛ وترجمته لنص شعري من الفرنسية إلى العربية. وهو نص الشاعرة المغربية شامة عمي (2000) ونص جزلي من العربية إلى الفرنسية، وهو نص الزجال المغربي إدريس أمغار مسناوي (2023).
وأطروحة هذه القراءة تتلخص في التداخل الخلاق بين الفلسفة والشعر والسرد والترجمة والتصوف في منجز هذا المبدع، كعلامة من علامات الحداثة في الكتابة المعاصرة العابرة للأجناس المعرفية والإبداعية.
وسنتوقف بكم فقط عند حضور بعض هذه العلامات في منجزه. ولنبدأ بمنجزه الشعري. ومن هذه العلامات يمكن أن نذكر:
1 ـ ملامح من الكينونة الملتهبة التي تحيل على فلسفة النار لدى هيراقليطس الفيلسوف الإغريقي، حيث يقول عبد الله فراجي في قصيدته الأولى من ديوان “المرآة والبحر” في شذرة تؤكد أن بداية الكينونة نار ونهايتها نار:
” رفعت راحتي كالمجنون أقطف الحروف
وأجمع المتلاشيات من الورق
أبني الحكاية والخيال
معارجا في صفحة الكتاب
لعلها القطرات في نار الهشيم
من الجحيم إلى الجحيم” (ص1)
2 ـ وفي شذرة أخرى من نفس القصيدة يبدو كمن يحيل إلى فلسفة التناقض لدى كل من هيراقليطس وماركس، باعتباره أساس التناقض صيرورة الكينونة، عندما يقول:
“أنشودتي عبر المدى
تناثرت نغماتها
وتقاطرت لوحتي
كانت شهابا
يرسم المتناقضات
كانت دويا في الظلام” (ص 2)
3 ـ ويقول عن وضع الاغتراب والانهيار والسقوط، في قصيدة “العشق المخدوع”:
“لكن لن أنسى غربة روحي في جسد منهار” (ص 5)
ويضيف في الصفحة الموالية:
“لن أنسى
أتمادى أحيانا كالفارس يكبو”
ويواصل في الصفحة التي بعدها:
“لن أنسى شطب الأحرف في الصفحات
وسقوط المعنى للآتي”
ويتساءل شعريا سؤال الفلسفة الماركسية، قائلا:
“وهل ينقلب الكم إلى كيف”
وعن سقوط الكينونة يقول في الصفحة 20 من نفس الديوان:
“يا هذا الساقط في أحضان غرابته
كم عندك من أفق ينضح بالأنوار؟
كم عندك من زهر يتفتح ليل نهار
مخصي أنت بلا شفق”
ويستأنف سؤاله الوجودي في الصفحة 22:
“فمتى ترحل؟
ومتى تأتيك حمامة نوح من زخم الطوفان”
ـ وعن تحلل الكينونة في قصيدته التي تحمل عنوان: “عندما أقرأ التفاصيل والمتناقضات”، وبالذات في الصفحة 38:
“عندما أقرأ التفاصيل التي أرقتني..
في معابد المدن العتيقة..
وأرفع رأسي مخترقا لون السحاب
أتحلل كينونة هجينة
في ساحة كتبتها الحجارة
وإذا انهالوا فوق رأسي كالجبال
أموت منتشيا بالمرارة”
ويواصل في نفحة فلسفية صوفية، في الصفحة 45 من نفس الديوان:
“وفي حضرة الوجود
كلما طرت في الأثير
أستغرق الأشياء كلها
وأرقب الهلال في السحر
وعندي مقام الصعود والنزول
وخلوه العتبات”
ويعيد طرح سؤال الحكماء الأوائل عن الأصل شعرا، وفي احتجاج واندهاش أونطولوجي خلاق، حيث يقول في قصيدة” أغنية البحر” الصفحة 51:
“من أيما قدر أتيت؟
من أي مسنون خلقت
أيها الزبد اللعين”
ـ وينهي ديوانه هذا بإيمانه القوي، شأنه شأن هوميروس، وطاغور، وهولدرلين، وأدونيس، والشاعر المغربي محمد السرغيني، بأنه في الكلمة الشعرية الخالصة يكمن التطهير من أدران الكينونة، ويكون الخلاص من لوثتها المعدية، حيث يقول في الصفحة 82:
“لكن أرفض أن أسقط منهارا
أمزق لائحة الترتيبات
وأطهر ذاتي
بالحب والكلمات”
ـ ومن ديوانه الثاني الموسوم ب “لباب العشق والمكاشفة”، سأختار لكم فقط بعض المقاطع التي يدفع فيها شاعرنا بالفلسفة والشعر معا إلى تخوم المكاشفة بمفهومها الفلسفي الصوفي، في تَحَدٍّ عجائبي للغة المعتاد والمتداول، حيث يبدأ الفيلسوف بتمجيد قوة الشعر، وقدرتها على اختراق إحساس الأبدان والوجدان حيث يقول في الصفحة 31:
“الشعر كوني وكنهي في ربى قدري
تسمو به الروح في كأس ومرتشف
والشعر نور ونار في فمي ودمي
أجلوا به طيلسان الحزن على كتفي”
ـ وفي قصيدة:” سؤال” يضعنا شاعرنا أمام سؤال الكينونة في أعمق تجلياته؛ حيث يتساءل في الصفحة 11من “لباب العشق والمكاشفة”:
“أ أنا سر وهذا البحر مائي
أم أنا في الريح ناي للغناء؟
أم أنا صحراء تيه وانكسار
غيثها غيث شحيح في السماء؟”
ـ وفي قصيدة “نبهت نفسي”، وهو تنبيه يحيل إلى كتاب “التنبيه على سبيل السعادة”، لأبي نصر الفارابي، حيث يقول شاعرنا عن قلق الكينونة مستنجدا بالمطلق المتعالي لتجاوز هذا القلق، وذلك في الصفحة 90:
“تلك الشعاب يراها العقل منحدرا
والنفس في خطوها ضلت ولم تصلِ
يا باعث النور من عليائه قبسا
هب لي شعابا يضيء القلب بالأملِ
يا ملهمي من معين العقل سانحة
أطفئ جمار الهوى في واحة الغللِ”
يا له من سديم في كأس يفيض به العقل والحدس والتجنيح الشعري الجميل لدى عبد الله فراجي.
ـ وفي ديوانه الموسوم: “على شفير السقوط”، نجد أنفسنا أمام وجبة شعرية ساخرة ماتعة؛
والعنوان نفسه يحيل إلى فلسفة السخرية بمعناها الرفيع، وباعتبارها طريقة لاذعة للفضيلة، كما يقال، من ديوجيس ليرتيوس وسقراط إلى ألبير كامو وجان بول سارتر.
وكل قصائد هذا الديوان تعرب عن انتصار الشاعر للقيم الإنسانية المطلقة، (الحق والخير والجمال)، مثل قصيدة “معراج البدء”، “أقتفي جنازتي وقاتلي معي”، “باب الانكسار”، “مرفأ الانحسار”، “شهرزاد في الحمم”، “نار بروميتيوس”، “بلا بوصلة أروم المدى”.
ومن أمثلة ذلك قوله في حالة الاختلال القيمي في الصفحة 16:
“وفي جنون غربتي أرى ولا أرى
يحيط بي سديم ليلة من النصب”
ـ وفي سياق آخر، نشتم في شعريته رائحة الشجاعة الحلاجية، التي تتحدى قاتلها عندما يقول في الصفحة 19:
“من السقوط للسقوط أقتفي جنازتي
وقاتلي معي، يقيم مأتمي”
ـ ثم يطفح لسانه بلغة المفارقات في قصيدته: “مرفأ الانحسار” عندما يقول:
“أنا الوجود في شقاوة العدم
أنا الجمار في رماد قلعتي
أنا العصي في قساوة الرؤى
أنا التعيس في حلاوة النعم” (ص 42)
ـ وفي قصيدته “نار بروميثيوس” (الصفحة 66) يستلهم شاعرنا تراجيدية أسخليوس، كتراث ميثولوجي إغريقي، تُجلي توصيفا لمأساة برومثيوس سارق النار من جبل الأولمب، أو شرارة المعرفة التي أهداها للبشر، موظفا إياها في توصيف سارق الغد الجميل من أحلام شهرزاد.
ـ وفي قصيدة “مرآب السحب” يكشف الشاعر عبد الله فراجي، في الصفحة 81 عن شعوره كغيره من المبدعين بالغرابة والوحدة والتفرد وسط زحام وضجيج الوجود البشري العام، وهو شعور راود كل من سقراط شهيد الفلسفة وابن باجة صاحب “تدبير المتوحد”، ونيتشة صاحب “هكذا تكلم زرادشت”؛ حيث يقول في الصفحات 83 ـ 84 ـ 85:
“أجول حاملا غرابتي،
وسندباد في الدجى رفيق غربتي
وفي صريمه تهدني المحن
وغاضبا من النوى
أسير في مغارتي كأنني الجليل ذو يزن
سأعبر الحديقة التي تدمرت،
وجف في الهجير طلحها
سأرقب النجوم في حذر
وأعلن اكتمال دورة القمر”
ويضيف في قصيدة “بلا بوصلة أروم المدى”: (ص 93)
“أيا رماد أحرفي
أرى قصائدي تلوك حبرها
وفارس الزمان متعب
مطوق بهالة من الفراغ والعدم”
ـ ويؤكد مقاومته في قصيدة “لعلني… لعلني”، بقوله في الصفحة 103 في تحمل وكبرياء:
“أحالم أنا بلا هوية
على معابر الحدود والجسد
أقاوم التراب في صفاقة
وأحتسي مواجع البلد”
ـ أما في ديوانه المخطوط الأول: “خماسية الحب والفناء”.
فإننا سنجد لديه حضورا مكثفا للمزيد من العلامات والاحالات إلى الرموز الميثولوجية القديمة، مثل حضور باخوس إله الخمر، وإيروس إله المتعة، وتناتوس إله الموت، وعينات من ملاحم هزيود وهوميروس، إلى جانب إشراقات صوفية، بلغة العشق والتجلي والسفر، وتوظيفات للغة ديموقريطس الذرية ولغة اينشتاين النسبية، وجدلية الكينونة بين الطبيعة والثقافة التي يقول بها الأنثروبولوجيون.
ـ وفي مخطوطه الثاني الذي سيظهر تحت عنوان:” عزني في الخطاب” وهو عنوان مستلهم من الآية القرآنية الكريمة: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنها وعزني في الخطاب.} الآية 23 من سورة (ص).
نجد الشاعر يبدع بكل ما أوتي من قوة في خطاب شعري يتقاطع فيه الشعر بالفلسفة من أجل إبراز ملحمة الأديان، وجدلية الخير والشر، فوق كوكب الأرض، وما ترتب عن ذلك من مآسي إنسانية عميقة الأثر.
أترك لكم متعة التشويق كي تكتشفوا ذلك بأنفسكم عندما يصدر الديوانيين المخطوطين.
ـ وإذا نحن انتقلنا إلى منجزه القصصي، فإننا سنجده مسكونا بنفس الشعرية المركبة، فمجموعته الأولى “طرق لا تعرف وجهتها” تشي بشعارها الفلسفي الساخر الذي يختزله عنوانها، وفي الوقت نفسه بمسحتها الشعرية المشرقة، وهو ما انتبه إليه مقدم هذه المجموعة الدكتور محمد البغوري رحمه الله، حيث قال بأن هذه المجموعة القصصية تزخر بالحضور الشاعري اللذيذ الأسر، وهو حضور يصبغ على سرده جمالية رفيعة.
طبعا كل إناء بما فيه ينضح / وكل ذات بما فيها تفيض /، على حد قول الشاعر العراقي صفي الدين الحلي؛ فإناء الكاتب عبد الله فراجي مدموغ بخلطة كيميائية عجيبة من أعشاب الشعر والفلسفة والحكي والشطح الصوفي.
هذا ومن بين ما يلفت انتباهنا هو أنه يأبى إلا أن يصدر مجموعته القصصية هاته بمقولة الفيلسوف مشيل أونفري، من كتابه الموسوم ب “الانحطاط “يصف فيها دراما الزمن الحاضر الذين نعيشه، جاء فيها:
“لا يتكون الحاضر من خلال ما يراه المتفائل من مستقبل، ولا من خلال ماض يرتكز عليه المتشائم، وانما من خلال اللحظة المأساوية الراهنة.”.
وهي الفلسفة التي ستطبع جل قصص هذه المجموعة ابتداء من “ثالث اثنين”، حيث يعرض فيها مجموعة من المترابطات الجدلية، منتهيا بمناقشة فلسفة البين بين، والوسط الأرسطي في نظريته حول القيم عموما، والقيم الأخلاقية على وجه الخصوص، مستلهما نظرية التغريب البريختية للكشف عن مسرحية الوجود البشري في الحياة اليومية، إلى القصة الأخيرة الموسومة ب “جلسة حميمية” التي أبدع فيها على مستوى تجسيد الوضع البشري المحاصر بينما يجب أن يكون وما هو كائن، بكل مفارقاته المرعبة. وهو حصار عبر عنه في آخر جملة من قصته هاته حيث قال بما يشبه الشذرة الشعرية النتشوية: “وانظروا حولكم… انظروا… إن الكلاب قادمة نحونا، وفوقنا الصقور والغربان، ماذا أنتم يا ترى فاعلون؟!”، مرورا بقصص أخرى محكومة بسؤال الكينونة. ومن بينها قصته الموسومة ب “وحش المدينة”، حيث يستلهم في حبك خيوطها العديد من المآسي البشرية، وعلى رأسها “مأساة أديب”، و”مأساة أبي الهول”، وسؤاله الوجودي الذي مات دون أن يجد له جوابا شافيا هو وغيره من الطغاة المدعين في حين تتميز مجموعته القصصية الثانية “كائن ليس على ما يرام” بنفس السمتين وهما:
- سمة السخرية الفلسفية العبثية اللاذعة.
- وسمة الشعرية الوامضة.
مما يجعلك تحس وأنت تقرأ هذه المجموعة كأنما لو كان مبدعنا هنا ينتمي إلى الفلسفة العبثية التي تسكن أعمدة هذه الفلسفة على المستوى الأدبي أمثال ألبير كامو، وآرثرآمادوف، صاحب “كلنا ضد الكل”، وصامويل بيكيت صاحب في “انتظار جودو”، وغيرهم من أصحاب الكتابة الساخرة العميقة، سواء في الرواية أو المسرح أو الشعر؛ وهذا يعني وجود تقاطع بين الشعري والفلسفي في نسيج الحكي القصصي لديه؛ كيف لا وهو الشاعر الغارق في هواية الشعر ودوامته.
ونحن نتوغل في قراءة هذه المجموعة القصصية، تستوقفنا صيغ المفارقة التي تتخلل بنيتها منذ بدايتها الموسومة ب “صعود إلى الأسفل” وحيث يكون السقوط نصرا، عندما يقول: “مثل كبة قش، سقط في حفرة ماء عفن، في الصباح كان يتبجح بفتوحاته العرفانية.” الصفحة 17
وتتسع المفارقة في قصته التي تحمل عنوان: ” يقين الجنون”.
أما سمة السخرية فتبلغ ذروتها في العديد من شذراته القصصية عن العلاقة بين المريدين، وشيخهم مثل شذرة “فراغ”، وشذرة “حال المريدين”، وشذرة “الميزان”، وشذراته الأخرى التي أطلق عليها “هرطقات”، التي غالبا ما تأتي على شكل سهام نفاثة للواثقين المدعين، وبلسما للمغلوبين على أمرهم والمرتابين، ولكل كائن ليس على ما يرام.
وإليكم فقط سهمان من هذه السهام:
- السهم الأول: تحت عنوان “هرطقة واعظة”، حيث يقول: “اقترب الصبح، وهو ما يزال في محرابه يتلذذ بالكأس الأخيرة… في صلوات النهار يستفيق من لذاته، ينصح المؤمنين بكأس الآخرة…” (ص 29)
- السهم الثاني: يحمل عنوان “توقيع”، جاء فيه:
“أوصانا الراهب خيرا بأطفالنا،
وبين الوصية والكواليس،
كان يُدخل الأطفال إلى مخدعه،
ثم يوقع في صفحة كل واحد منهم… بقلمه المقدس.” (ص 34).
وأختتم حالات الكائن الذي ليس على ما يرام بشذرة، أو سهم يحمل عنوان “وعي الثمالة” يقول فيه:
“عندما انتفخ رأسه بعد ليلة صاخبة، أخذ يصيح بأعلى صوته، والصدى يصفعه: ” كلهم… كلهم.. “، سأله المريدون ماذا تقصد يا سيدي؟ قال: “سقراط، الحلاج، هتلر، المتنبي، بن بركة…” كلهم غادروا هذا العالم دون إرادتهم، وحتى أنا لست على ما يرام، ثم قفز في بئر عميقة.”
ونختم هذه المداخلة عن “شعرية الكينونة بين الفلسفة والأدب، في المنجز الإبداعي للشاعر والقاص والمترجم عبد الله فراجي، بالتوقف عند دلالة منجزه الترجمي، تارة من الفرنسية إلى العربية، والأمر يتعلق هنا بترجمته لديوان الشاعرة المغربية شامة عمي سنة 2022، وتارة من الشعر المغربي الزاجل إلى الفرنسية، كما هو الشأن بالنسبة لترجمته المجموعة الشعرية الزجلية للشاعر إدريس أمغار مسناوي سنة 2023.
وقد تتساءلون عن العلاقة بين الترجمة وعنوان هذه المداخلة. لكن، هل يرفع التساؤل إذا قلت بأنني أصدر ها هنا عن أطروحة مفادها أن الترجمة حدث فلسفي كوني، وليس مجرد حدث لساني. فهو حدث فلسفي كوني، لأنه يعبر عن إرادة التجسير بين تجربتين ثقافيتين وإبداعيتين تنتميان إلى نفس النسق الثقافي أو إلى منظومتين لغويتين ثقافيتين مختلفتين، ومن ثمة فالترجمة تعتبر تجسيدا لروح المثاقفة وسمة من سمات الكينونة، بين طابع القُطرية وطابع الكونية، أو ما يمكن أن نصطلح عليه بتعدد الهويات اللغوية والثقافية، وفي الآن نفسه انصهارها في النسق الثقافي والهوياتي الإنساني العام.
وفيما يتعلق بترجمة النصوص الإبداعية والشعرية، يمكننا الحديث عن شعرية الترجمة باعتبارها شعرية مركبة بين الأنا والآخر، ولعل هذا ما يقصده الشاعر المترجم عبد الله فراجي نفسه عندما يقول في كلمته التقديمية لترجمته ديوان شامة عمي:
“إن الشاعرة في هذا التواصل ما بين الأنا والآخر، تقدم كتابة نوعية تقوم على وعي وجودي ومعرفي بالكون والإنسان، بالحياة وبالأشياء”. ولعل هذا ما يبرر لديه الإقدام على هذه الترجمة لتوسيع هذا التواصل بين الأنا والآخر، بين الذاتي والكوني.
وأؤكد أطروحتي هذه حول هذا المفهوم للترجمة من خلال الإشارة إلى ثلاث محطات ترجمية كونية كان لها ما بعدها هي:
- محطة بيت الحكمة كمؤسسة الثقافية حققت هذا التجسير بين اللغة العربية وغيرها من اللغات والثقافات، ولعل هذا ما كان وراء النهضة الثقافية العربية الإسلامية في القرون الوسطى.
- ومحطة ترجمة الكتب العلمية والفلسفية والتاريخية العربية إلى مختلف لغات الكون، ولعل هذا ما كان وراء النهضة الثقافية والفكر الأوروبي في عصر النهضة.
- والمحطة الترجمية المعاصرة التي عملت على تجسير المخرجات الثقافية الإنسانية المعاصرة في مختلف المجالات بين الثقافة الغربية والثقافة العربية المعاصرين.
وخاتمة القول
إن منجز عبد الله فراجي قول مركب يتقاطع فيه الفلسفي والشعري والقصصي والترجمي من أجل مقاربة الدلالات المركبة للكينونة بكل معانيها المركبة، وكأنه يوظف كل ما يملك من أسلحة إبداعية وما يستطيعه من حروف البيان والتبيين.
دامت له نعمة الإبداع والإمتاع والتواصل. وكل هذا العشق الكبير للتجلي فلسفيا وشعريا وسرديا، وجامعا بين الألسن والثقافات عبر ترجماته الأنيقة.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي