قصــــــة

أحمد بلحاج آية وارهام*
السماء تئن تحت وطأة الغيوم الداكنة، وعمر منصلب في جلبابه المنسوج من وبر الماعز، كان أشبه بشجرة بلوط يحميها الجلباب من برودة الخوف، لا من برودة الليل. كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، مثقفًا ومفكرًا، لكنه الآن يبدو كأنه شبح خائف يترقب، يترقب أن تخرق رأسه رصاصةٌ من رصاصات الزمن الذي كان قد نصب له فخًا مميتًا فقد قضى عقدًا كاملًا من عمره في ظلامٍ دامس، حيث كانت الوحوش البشرية تقتات من جسده كلما جاعت، وتذبح جزءًا من إنسانيته.
خرج أخيرًا، لكن بلباس الرعب الذي كان قد تعشش في كيانه، يتردد في كل خطوة، يلتفت خلفه في كل زقاق من أزقة المدينة، خوفًا مما يخاف منه إنسان مراقَب، ينتظر أسوأ المصارع. كان يعلم أن الموت يلاحقه، لكنه كان مصممًا على أن لا يموت دون أن يصرخ، دون أن يعلن للعالم عن ظلمٍ كان قد عاشه لسنوات.
عمر لم يكن دائمًا بهذا الخوف. في شبابه، كان شابًا مليئًا بالأحلام والطموحات. درس القانون في جامعة مرموقة، وكان يطمح إلى أن يكون صوتًا للعدالة في وطنه. لكن مع مرور الوقت، أدرك أن الفساد كان متجذرًا بعمق في النظام، وأن الساسة كانوا يتلاعبون بمصائر الناس لمصالحهم الشخصية.
بدأ نضاله بشكلٍ بسيط، من خلال مقالاتٍ واظب على كتابتها في الصحف ، ينتقد فيها السياسات الحكومية والفساد المستشري. لكن سرعان ما أصبح هدفًا للتهديدات، وبدأت الضغوط تمارس عليه من قبل السلطات. لم يكن أمامه خيار سوى الاختباء، والاستمرار في نضاله من وراء الكواليس.
قضى سنواتٍ طويلة في العزلة، يعيش في شققٍ سرية، ينتقل من مكانٍ لآخر، لا يثق بأحد. كان يشعر بالوحدة القاتلة، لكنه كان يعلم أن كل خطوةٍ يخطوها قد تكون الأخيرة. فصحته بدأت تتدهور، وتفاقمت عليه الأمراض، لكن عزيمته كانت أقوى من كل ذلك.
ظل يبحث عن الوثائق، عن الشهود، عن كل ما يمكن أن يثبت للعالم أن هناك من يسرق أحلام الناس، ويقتل آمالهم. ولم يفقد إنسانيته رغم كل الوحشية التي واجهها، ففي قلبه أملٌ لا يتزعزع، وإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، وأن هناك جيلًا جديدًا يمكن أن يغير كل شيء.
أديب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي