صورة الليل في الشعرية العربية بين الثبات والتحول

جواد عامر*
لا يمكن للشعر أن يكون شعرا إلا إذا تقنع بالرمز وانزاح دلاليا ليتشكل في أبنية تقيم بنيانها من معجمية اللغة التي يبني منها النثر أنساقه التعبيرية ، فيستدعي الشاعر العربي صورا ورموزا مختلفة الروافد ويعمل على إعادة تشكيلها في مرسم القصيدة فتحمل ما شاء من معان يستضمرها القارئ العربي عبر قراءات وتلقيات متعددة راكمها عبر العصور منذ الجاهلية إلى الفترة الراهنة ، وهي رموز مستقاة من وحي الطبيعة والبيئة التي يعيش في كنفها الشاعر العربي أو مستقاة من مرجعيات ثقافية وروافد معرفية مختلفة كالدين والتاريخ والفلسفة والعلوم وغيرها ، ما يمنح النص الشعري قيمته الجمالية عبر تنوع الاستدعاءات وتباين مساربها ، ومن أجمل الصور والرموز التي وظفتها الشعرية العربية عبر تاريخها منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث صورة الليل التي شكلت واحدة من الثوابت الرمزية في الخطاب الشعري عبر العصور.
الليل في الشعر الجاهلي
ارتبطت صورة الليل في القصيدة الجاهلية بنفس الحمولة الدلالية التي ظلت ثابتة عند كل شعراء المرحلة ، فارتباط الليل بالسكون وما يبثه في النفس من قوى التأمل والانفعال ، وما يرسمه من لوحة تختلف وجوديا عن بقية لوحات الحياة ، فلم يكن الليل عندهم مجرد زمن عابر وإنما مقرا تفيض فيه الأحاسيس وتتلون فيه التصاوير فجاؤوا فيه بضروب الاستعارات والمجازات والتشابيه الفريدة فكان مصدر إلهام وتفجير لطاقات الشعر الكامنة في دواخلهم ، مدركين لفلسفة الليل وعارفين بأسرارالحياة الخبيئة فيه ، فاستطاعوا في أشعارهم أن يعبروا عن الليل تعابير نقلت كل أحاسيسهم حبا وحزنا واعتذارا وتحيرا وشجاعة ، ما جعل صورة الليل عندهم تمتاز بمرونتها الدلالية التي جعلتها تستوعب مختلف الأحاسيس والمواقف والأفعال على اختلافها وههنا موضع من مواضع براعة الشاعر الجاهلي وملكته الخلاقة التي فاقت كل وصف، فقد كان الليل عنده مرتعا لتفجير لواعج الحب التي يأنس بها الشاعر رغم الفراق المؤلم يقول المرقش الأكبر:
سرى ليلا خيال من سُليْمى فأرَّقني وأصحابي هجود
فبت أدير أمري كل حـــــــال وأرقب أهــلها وهمُ بعيدُ
فيصير الليل هنا مدعاة للخيال والطيف البشري يستدعيه الشاعر في ليله الساهر رغم بعد سلمي عنه ، ونجد الليل دفئا لفه الحب بين امرئ القيس وحبيبته ، فهو ليل ملئي بالذكريات الجميلة التي لا تنسى يقول ذو القروح :
لمنْ طللٌ أبْصَرتُه فشَجاني كخَطِّ زبورٍ في عَسيب يَمانِ
ديارٌ لهندٍ والربابِ وفَرْتَني ليـــــاليَنا بالنَّعْفِ من بَدَلانِ
لياليَ يدعُوني الهوى فأُجيبُهُ وأَعْينُ مَنْ أهوى إلىَّ رَوانِي
وقد يكون الليل في شعرهم بسواده وثقله منبع هموم تطول بطوله ولا تنجلي رغم مجيء الصبح بقول امرئ القيس في توصيف رائع لليل :
وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليــــــبتلي
فقلت له لما تمطى بصــــــــلبه وأردف أعــــجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انــجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجــــــــومه بكل مغار الـــــفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصــامها بأمراس كتان إلى صــــم جندل
فليل امرئ القيس شبيه بموج البحر إذ يحيط بغريق فلا يجد له مفرا وهو غاية في الوحشة يرخي ستور ظلامه مع ألوان الأحزان ليختبر أيصبر الشاعر أم يجزع وهو ليل طويل أفرط طوله وازدادات مآخيره تطاولا حتى بعد أوله عن آخره وما الصبح وإن حل إلا امتداد زمني لليل لا تنقضي فيه الهوم ولا تنجلي ، وليس ذلك بعجيب لما كانت نجومه مشدودة إلى جبل يذبل بحبال مفتولة قوية وثريا النجوم ثابته في أماكنها وهي مشدودة بحبال قوية من الكتان إلى صخور صلاب .
ونفس الرمزية الدالة على المعاناة والهم نجدها عند النابغة في قوله :
كليني لهم يا أميمة ناصــــــب وليل أقاسيه بطيء الـــــكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ولي ال ذي يرعى النــجوم بآيب
وصدر اراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب
فبطء الزمن الليلي ناجم عن المعاناة النفسية التي يكابدها الشاعر ، وقد نجد الشاعر الجاهلي يقتحم غمار الليل معبرا عن شجاعته وجرأته لما فيه من أهوال ويرخيه من ظلال الرهبة على الوجود ، فاليل مرتع المخاطر التي قد تحدق بالإنسان من كل جانب ومن حيث لا يدري ، ومع ذلك وجمنا الشاعر الجاهلي متجاوزا صورة الخوف التي تختلج في نفس كل إنسان ، يقول عنترة :
أطوي فيافي الفلا والليل معتكر وأقطع البيد والرمضاء تستعر
ولا أرى مؤنسا غير الحسام وإن قل الأعادي غداة الروع أو كثروا
فعنترة يطوي الصحارى المقفرة سواء في الحر الشديد أو في الليالي المظلمة لا يهاب شيئا من وحيشها أو من الأعادي أنيسه في رحلاته سيفه لا غير، ونجد نفس الصورة الناقلة لشجاعة الشاعر عند المرقش حين يقول :
ودَوِيَّةٍ غَبْراءَ قد طالَ عَهْدُها تهالكَ فيها الوِرْدُ والمرءُ ناعسُ
قطعتُ إلى معْروفِها مُنْكراتِها بعَيْهامَةٍ تَنْسَلُّ والليلُ دامِسُ
ترَكْتُ بها ليْلا طويلا ومَنْزلا ومُوقَد نارٍ لم تَرُمْهُ القوابسُ
فالمرقش يعلن عن عبوره للصحراء المقفرة بناقة قوية سريعة نجيبة ، في لبيل موحش شديد الظلمة يقذف الرهبة من تلاطم ظلمته .
الليل في الشعر الإسلامي
ونقصد به كل شعر قيل بعد العصر الجاهلي زمن الوحي ، سواء من الشعراء المخضرمين أو أولئك الذين ولدوا في عصر النبوة فقد ظلت صورة الليل متسمة بحضورها في الثقافة الشعرية الإسلامية دون أن تفقد حمولتها الدلالية فهو مبعث الذكرى وموئل الهم يقول حسان بن ثابت:
تأوَّبَني ليلٌ بِيثربَ أعــــــسرُ وهم إذا ما نوم الناس مسهرُ
لذكرى حبيب هيَّجَتْ ثم عبرة سفوحا وأسباب البكاء التذكرُ
فالليل يصير هنا محملا بالحزن الذي تهيجه ذكرى مؤتة وما كان فيها من مصاب ، كما يكون الليل موئلا للشكوى وبث الهموم تعبيرا عن خوالج الذات وما يعتلج فيها يقول حسان :
تطاول بالجمان ليلي فلم تكن تهم هوادي نجـــمه أن تصوبا
أبيت أراعيها كأني مـــــوكل بها لا أريد الــــنوم حتى تغيبا
غوائر تترى من نجوم تخالها مع الصبح تتلوها زواحف لغبا
فالليل طويل مديد يرعى نجومه حتى تغيب إلى الصبح ، وهي نفسها الرمزية التي ألفيناها عند شعراء الجاهلية من طول ليل وإسدال للهموم ومراعاة للنجوم إلى الإصباح ، ونجد صورة عبور الليل بلا خوف ولا رهبة حاضرة عند كعب بن زهير في البردة معبرا عن اطمئنانه قبل هدر دمه فيقول:
ما زلت أقتطع البيداء مُدَّرِعا جنح الظلام وثوب الليل مسبول
حتى وضعت يميني لا أنازعه في كف ذي نقمات قيله القيـــــل
ما يدل على استمرار النفس الشعري وامتداده إلى العصر الإسلامي زمن الوحي ، ولعل ذلك راجع إلى خضرمة هؤلاء الشعراء الذين ظلت نفس التصاوير وذات الحمولة في مفكرتهم الشعرية.
الليل في شعر الأمويين
من أجمل صور الليل وأبدعها في شعر الأمويين ما وجدته عند ذي الرمة شاعر الحب والصحراء ، قوله : وما أنا في دارٍ لَمِيٍّ عرفــــــتها بجَلْد ولا عيـــــــــــني بجمادِ
أصابتك ميٌّ يوم جرعاء مــالك لوالجَــــــــــةٍ من غُلّة وكُبادِ
طويل تشكى الصدر إياهــــــما على ما يُرى من فُرْقةٍ وبِــعادِ
ودَوِيَّةٍ مثل السماء اعْتسفـْــــتُها وقد صَبغَ الليلُ الحَصى بسوادِ
بها من حسيس القفر صوت كأنه غناءُ أنــــــاسي بها وتَــــــنادِ
إنها صورة نابضة بالحياة تجعل الليل المعروف بهدأته وسكونه متحركا لحظة سيره ليلا وهو الضائع التائه في ظلمائه المطبقة على الارض للدرجة التي جعلت من الليل إنسانا يلون الحصى بالسواد لترتسم لوحة مرعبة الظاهر لمنها تتمزق بفعل التنادي الذي تمارسه كائنات مملكة الليل من الجن وهي تغني غناء بشريا يحمل على الأنس، فلكي ينقل ذو الرمة صورة الضياع في عتمة الليل أثناء السير استند غلى صورة الغناء والتنادي بين الجن ليثبت شجاعته وعدم اكتراثه بأمر الليل وما يثيره من فزع إذ كيف لمن يسمع أصواتا من الجن وهو يستشعر أنسهم أن يهاب ظلمة ليل بهيم ، إنها صورة بديعة للجو الليلي وما يتحرك في داخله تنقله من طبيعته الساكنة المعتاجة إلى صورة ليلية تعج بالحركة .
وعند العرجي نجد الليل مبعثا للذكرى ومثارا لما يختلج فيه الباطن فيغدو الليل مسرحا زمنيا للتعبير عن خلجات الذات يقول :
ذكرني قرنا وخيما به ما زلَّ من عيشي فلم أرقدِ
إلا قليلا ليته ليته لم يكن شيئا كنوم الخائف الأرمد
وتتكرر صورة طول الليل في شعرية العرجي كما وجدنا عند الجاهليين فيقول :
تطاوُلِ أيّامِي وليليَ أّطْوَلُ ولامَ على حُبي عُثَيْمَةَ عُذَّلُ
وتأخذ رمزية الليل بما يحمله من تستر وإخفاء دلالة جديدة في الشعر الأموي لتعبر الصورة هنا عن طبيعة عصر اتسم بانحلال أخلاقي تجسد في العلاقات بين الرجل والمرأة وما كان يستلزمه اللقاء من خفية عن الأنظار كان الليل ستارها المسدل فحفل شعر عمر بن أبي ربيعة والعرجي وغيرهما من شعراء بني أمية باستخدامات شعرية جعلت الليل ملاذا للقاء يقول العرجي :
جن قلبي بذكر أم الغــلام يوم قالت لنا لجوا بســـــــلام
زينت لي شواكلي كل لهو ذات لوث من الصباح الوسام
ربما مثلها تسديت وهــنا بعد فتر وتحت داجي الظـلام
وقد يكون الليل أنسب الفترات لإحقاق الوصال في سرية تامة بعيدا عن عيون الرقابة الاجتماعية كما نجد عن عمر بن أبي ربيعة حين يقول :
قالت : أردت بذا عمدا فضيحتنا وصرم حبلي وتحقيق الذي ذكروا
هلا دسست رسولا منك يعلمني ولم تعجل إلى أن يسقط القمــــــــرُ
الليل في الشعر العباسي
استمرت نفس رمزية الليل التي وظفتها القصيدة العربية في الشعر العباسي مع بعض التفاوتات البسيطة التي أفرزتها المدنية وغذتها تلاقحات الثقافة مع بعضها البعض فارسية ورومية وزنجية وهندية ويونانية ، كلها تضافرت وامتزجت وشكلت روافد جديدة للثقافة العربية في أبنيتها المختلفة وكان الشعر واحدا من أكثر الأبنية تأثرا بهذه الروافد ،غير أن الصورة ظلت حاملة لنفس المعاني التي وجدت عليها في الشعرية القديمة ، صورة الليل الطويل ، وصورة الليل الحامل للهموم والأحزان ، وصورة الليل المستدعي للذكرى، وصورة الليل الحامل لمعنى الخفاء والسترة ، هي نفس المعاني لم تغب عن فكر الشاعر العربي في عصر بني العباس، فقد جاء على لسان إسحاق الموصلي قوله:
إن في الصبح راحة لمحب ومع الليل ناشئات الهموم
لكننا نجد التصوير الشعري آخذا في تغيير دلالاته الرمزية وإلباسه ألوانا جديدة من الدلالات التي اخترقت أسوار الشعرية التقليدية ، خاصة عند أبي تمام وما عرف عنه من صنعة وإتيان بالغريب من الصور التي لفت بالغموض والالتباس حتى على معاصريه يقول أبو تمام :
غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى يشلها وسطها ضبج من اللهــــب
حتى كأن جلابيب الدحى رغبـــــــت عن لونها أو كأن الشمس لم تغب
وهما بيتان من قصيدة عمورية في مدح المعتصم ، حمل الليل في البيت صورة تبدو مناقضة لحاله من السواد لأنه ليل تلتهم فيه النيران المدينة ما جعله ليلا لا كباقي الليالي ، وقد يكون الليل شبيها بعين كحيلة لسواده كما في قوله :
إليك هتكنا جُنْحَ ليلٍ كأنه قد اكتحلت منه البلاد بإثمد
وِلابن المعتز الذي عرف بجيد الوصف قول شبيه بقول أبي تمام في نعت الليل بالعين الكحيلة يقول:
وليل ككحل العين خضت ظلامه بأزرق لماع وأخضر صارمِ
وطيارة بالرحل حرف كأنها تصافح رضراض الحصى بجماجم
إن الملاحظ في صورة الليل هو أنها ظلت ثابتة الدلالة والإيحاء ، واقفة في مكانها رغم بعض التململات الدلالية المتفرقة هنا وهناك التي نبعت من رؤية الشاعر وتأثره بثقافة عصره وما أفرزته من تخييل شعري جديد ، جعل الصورة تأخذ مسارات تتلاءم وطبيعة البيئة والثقافة الجديدة ،فقد كان للمدنية التي رققت الطباع دورها الكبير في تحول مشهدية الصورة وأنماط التخييل في ثقافتنا العربية لذلك لم يكن غريبا على العصر العباسي أن يمتاز على غيره من العصور بظهور تلاوين جديدة على مستوى التصوير ، ما جعل صورة الليل تفقد شيئا من ثباتها الدلالي وتنداح إلى معانقة إيحاءات جديدة أنشأها تخييل شعري اغتنت به مفكرة الشاعر العباسي .
الليل في الشعر العربي الحديث
اخترقت الشعرية الحديثة الأنساق المألوفة عروضا وبناء ومضمونا وعمدت إلى تشكيل نسق شعري جديد متفرد بخصوصياته الموضوعية والبنائية والتصويرية والبصرية ، دون أن تعلن القطيعة الكلية مع التراث الشعري القديم وإنما عمل كثير من شعراء الحداثة على استدعاء النص التراثي والصورة معه عبر توظيف جديد وإعادة تشكيل مغاير ينسجم ورؤية الشاعر للعالم من حوله ، فحضرت الصور الشعرية المألوفة في التراث الشعري القديم واستقدم الشاعر العربي الحديث صورا جديدة متأثرة بمذاهب شتى كالسريالية والدادائية والصوفية وماتحة من الميتافيزيقا والفلسفة ومن روافد معرفية مختلفة، وكان لليل حضور قوي في الشعرية الحديثة دالا على المعاناة والأزمات في استدعاء شعري للصورة التقليدية لليل في تاريخ الشعرية العربية كما نجد عند سعدي يوسف :
وطني إذا الليل أظلم وادلهم الأفق يوما
فالشعب يعرف كيف يزهر في الليالي السود نجما
شعبي لك الآفاق واسعة لك الإصرار شهما
راياتنا خفقت فأية خفقة أسنى وأسمى ؟!
يبدو الليل هنا رمزا شعريا لكل الملمات التي يمكن أن تصيب أرض العراق غير أن الشعب يستطيع أن يصنع المستحيل ويخرج وطنه من براثن الأزمات ، ونجد دلالة الطول الزمني لليل عند شعراء الحداثة كما كان عند القدماء يقول حجازي في قصيدة الرحلة ابتدأت ”
يتحقق الحلم الجميل لليلة يتزودون بها
وينحدرون في الليل الطويل
ينتظرون على مداخل دورهم
أن يلمحوك مهاجرا
تلقي عصا التسيار تحت جدارهم يوما
وتمسح عندهم تعب الرحيل
وقد نجد الشاعر الحديث يلف الليل بعباءة الأحزان والإحساس بالوحدة والاغتراب كما عند حجازي حين يقول :
يا ويلي ، يا ويلي
يا أحزاني يا قضبان الليل
غير أن صورة الليل لن تستقر في الشعرية الحديثة عند هذه الدلالات التي أعدها عَرَضاً في سيل الحداثة الشعرية ، وعبرة سبيل لا غير استدعاها مقام شعري ذو نفس دلالي تقليدي فكان الليل أمثل الرموز للتعبير عنها ، ذلك أن الشاعر الحديث سيخترق هذه الدلالات ليمنح صورة الليل أبعادا جديدة غير مألوفة في التاريخ الشعري ، وبالتالي سينقل الصورة من صبغتها التقليدية إلى صبغة حداثية تتلون بأفكار الحداثة وتتشرب من معينها المتعدد الروافد ، لذا نجد الليل في رؤية الشاعرالحديث ، مدعاة للكتابة والإبداع فهو الزمن المؤهل للإلهام ، لتنفجر الكتابة في العتمة يقول حجازي :
اللفظ يولد أعمى ثم يعرفنا فيهتدي لقلوب الناس موكبه
لأننا في ليالي الحزن نكتبه وفي ليالي الهوى والشوق نعربه
وقد تتلفف صورة الليل بدلالة المجهول الذي هرب إليه الشاعر الحديث من واقع عربي متشظ ومتهشم، فوجد في الظلمة ملاذا للاختفاء والهروب يقول أدونيس:
في عتمة الأشياء في سرها
أحب أن أبقى
أحب أن أستبطن الخلقا
أحب أن أشرد كالظن
كغربة الفن
كالمبهم الغفل وغير الأكيد
أولد في كل غد من جديد.
وقد يسند لليل مظهر غريب عنه في الطبيعة بل يناقضه وهو مظهر من مظاهر الحداثة الشعرية التي صورت حقيقة المواقف النفسية والوجدانية للشاعر العربي المعاصر، يقول رفعت سلام:
قلت ها أنا شايع وضيق
أنا القاتل البريء
وطفلة ترمي مساء عابسا بضحكها
متاهة مسكونة بالغامض المضيء
وانتظاري شوكة على حد اشتعال الماء
أهوي
صاعدا
ولها ليل يجهل الظلمة
ليل له شموس صغيرة
وقد تتجلى صورة الليل منبتا خصبا للطحالب في تخييل غريب يجعل الليل منبعا للحياة ، كما نجد عند محمد بنيس في قصيدة نزول من ديوانه سبعة طيور يقول: طحالب في علو الليل / تنمو أو تعيد كتابة / الضوء الذي يوما تفجر من / نتوء حجارة / ثم ارتمى في الماء .
لقد استطاعت صورة الليل أن تحفظ لنفسها على امتداد عصور الشعر العربي ثباتها الدلالي، لكنها ستأخذ مسلكا جديدا متأثرا بحمولات الحداثة وما أفرزته من رؤية جديدة للواقع والعالم، رأى من خلالها الشاعر العربي الحديث كل شيء متشظيا ومتكسرا، فكانت صورة الليل بما تحمله من دلالات المجهول والتخفي والهروب من أكثر الصور التي لازمت الشعرية المعاصرة وظلت محافظة على استقرارها في المتن الشعري مستدعية حمولتها التقليدية أحيانا ومتلبسة بدلالات الحداثة التي منحتها قوة أكبر من خلال العلائق النحوية القائمة على التنافر والتضاد أو عبر إشباعها بالمعاني السريالية والميتافيزيقية التي زخرت بها شعرية الحداثة وشكلت جزءا كبيرا من معمارها الفني
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي