أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / العدد الثامن والستون / أمازيغيات / فن الروايس: ظاهرة إنسانية تروم المعنى في الموسيقى – عبد اللطيف أجدور

فن الروايس: ظاهرة إنسانية تروم المعنى في الموسيقى – عبد اللطيف أجدور

فن الروايس: ظاهرة إنسانية تروم المعنى في الموسيقى

عبداللطيف أجدور*

 

اتسمت حقبة النصف الثاني من القرن الماضي بدينامية واسعة، شملت ميادين مختلفة من مجالات الحياة، العلمية والتقنية والفنية… حيث مكنت نهاية الحرب العالمية الثانية ونجاح الحركات التحررية في تصفية الاستعمار، الشعوب من التفرغ للإبداع والابتكار وتطوير الفنون المختلفة.

تأثر المغرب بتلك الحركية الفنية التي وسمت أروروبا – عبر ظهور فرق موسيقية في الروك والبوب مثل “البيتلز” و”الرولينغ ستونز” و”ذا هو” و”ذا دورز¹ – وكذا عبر ظهور مدارس مسرحية وأدبية جديدة، وبزوغ محاولات سينيمائية تجنح إلى الحداثة، ونبوغ أدباء مغاربة حاولوا تحرير الإبداع الأدبي من الأنماط السائدة، ركزت جميعها على التجريب والتجديد.

استفادت الموسيقى بشكل بالغ من هذه الانتعاشة عبر ظهور تيارات غنائية ثورية مع مجموعة ناس الغيوان وجيل جيلالة وغيرها؛ ولم تشكل الموسيقى الأمازيغية الاستثناء، إذ إن فن الروايس الأمازيغي يعدّ العلامة الفارقة في تاريخ الموسيقى الأمازيغية؛ حيث حوّل هذا النوع الموسيقي مجموعة من القصائد إلى عروض موسيقية محلية في القرى والبوادي، تؤدى أساسا خلال المناسبات مثل الأعراس ومواسم الحصاد، ومن ثم إلى مقطوعات موسيقية مسجلة عانقت العالمية، وحققت انتشارا واسعا.

وإذا كنا قد تطرقنا في مقالين سابقين² إلى الجيل الأول من رواد فن الروايس ومؤسسيه، فإننا سنعرض في السطور اللاحقة لتجربتين حداثيتين، تعكسان الحمولة الإنسانية الجميلة التي تختزلها التجارب الموسيقية لفن الروايس، التي تلقي بظلالها على شخصية الفنان قبل أن تمتد إلى التأثير في نظرة المتلقي لذاته وللعالم.

ينحدر الرايس أعراب اتيكي (ينتمي للجيل الثاني من الروايس)

من انتوكا³، تيتّم من جهة أبيه وهو صبي، ولجأ – كما هي عادة السواد الأعظم من الأيتام ممن بلغت سمعتهم الآفاق – إلى الرعي ليعيل أمّه وأسرته. إلى حين زواج أمه.

بزغ نجم الحاج أعراب أتيكي حين شارك في تنشيط الحفلات والأفراح بالقرى القريبة، والتقى الرايس الحسين الباز الذي كان قد شق طريقة حينئذ بين كبار الروايس، فعلّمه العزف على الرباب الآلة الموسيقية التي رافقته طوال مسيرته الفنية.

التحق بفرقة رقية الدمسيرية عازفا على الرباب، إلى حين اقترح عليه مولاي أحمد احيحي المشاركة في إصدار البوم يضم روائع لأشهر الفنانين آنذاك؛ وكان هذا أول عمل يصدره سنة 1981م. غنّى فيه:” فيس ايكيكيل أدور تالات” (كفى أيها اليتيم لا تبكِ أكثر).

تركزت موضوعات أغانيه جميعها تقريبا على اليتم، متأثرا بوفاة والده صغيرا، ومكابدته أهوال الحياة وحيدا بعد زواج أمه. كما قارب موضوعات ذات صلة مثل الفقر والظلم والقهر والحزن على فراق الأهل والبلاد بحثا عن لقمة العيش؛ تعتبر رائعته “أسمون إيوغازد الخاتم” (الحبيب أحضرت له خاتما) باكورة قصائده الرومانسية التي جرت على ألسن أجيال وأخرى حتى اليوم، في المغرب وبين الجالية الأمازيغية في أوروبا والعالم. ما حقق له شهرة ذائعة، سلطت الضوء على تجربة فنية نسجتها أبعاد اجتماعية صعبة وقيم إنسانية نبيلة.

تتعلق التجربة الثانية بالرايسة كيلي، قد يتوهم الكثير ممن لم يسمع بها بعد، بأنها أمازيغية تحمل اسما عائليا يشبه الأسماء اللاتينية، بيد أنها فرنسية برتغالية اسمها الحقيقي كارين دونفير Karen Dounever، رأت النور عام 1976م بفرنسا.

شكلت زيارة كيلي رفقة عائلتها لمدينة الدار البيضاء عام 1988م منعطفا فارقا في حياتها، فهي لم تكن تتخيل أنها تزور في عمر 12 عامًا البلاد التي ستسحرها بثقافتها الأمازيغية، وهي حضارة قلما يعرف عنها الأوروبيون حينئذ شيئا، كما أنها لم تكن تتخيل أن صوتها العذب وجمالها الرومي المتوج بزينة الأمازيغيات من سواك وكحل، والملفوف في أزياء أمازيغية منسوجة بذوق فني ومرصعة بحلي وجواهر ثمينة،  ستبلغ الآفاق وتقتحم بيوت الأمازيغ البسطاء في واحات الجنوب الشرقي ومرتفعات الأطلس وديان سوس ودرعة وتافيلالت.

تمكنت كيلي عام 1991م من اعتلاء منصة المسرح الوطني لمحمد الخامس في الدار البيضاء للغناء بالأمازيغية. وصارت ثنائياتها الشعرية خاصة مع حسن أكلاوو علامة بارزة ميّزت مسيرتها الفنية، وحفرت اسم الرايسة كيلي عميقا في الذاكرة الجمعية الأمازيغية التي أثتت طفولة أجيال كاملة، بمقطوعات عذبة تناولت موضوعات الحب والروابط الأسرية والفراق والأرض والتعاون والتسامح.

غدت الرايسة كيلي رمزا لقدرة الموسيقى الأمازيغية بإيقاعاتها الهادئة والهادفة في آن، على التأثير حتى في غير الأمازيغ، كما نستطيع أن نستحضر في هذا السياق التجربة الفريدة لفتاح عبو في تعليم اللغة والموسيقى الأمازيغيتين لعشرات الأمريكيين بولاية سان فرانسيسكو.

إن تجربة فن الروايس بدون مبالغة، من أكثر التجارب الفنية جمالا وعمقا، لا في المغرب وحده بل في العالم، ما يستدعي مزيدا من النبش والتأمل في هذا الموروث الشعري الرائع، والحافل بالقيم الأمازيغية الكونية الذي تنهل من المعاش اليومي المقاوم لمصاعب الحياة وأهوالها، والمحتفل بلذات الوجود ومباهجها، في زمن تسليع الروابط الإنسانية،  وتنميط القيم والفن معاً.

 

هوامش:

¹ موقع ميدل بيت Middle Best

² الفن الأمازيغي يختزل أصالة الإنسان : البساطة والفرح والامتنان-ذ.أجدور عبد اللطيف. جريدة تنوير 13.08.2024.

الظاهرة الصوتية لأحمد أمنتاك : ثلاثية النظم والتلحين والغناء في اتساق فطري عميق – أجدور عبد اللطيف. مجلة مدارات الثقافية عدد يوليو 2022

³ قبيلة إنتوكا (متوكة) مجالاتها الترابية من الشرق قبيلة أفيفن (نفيفة) موطن مدينة إيمي نتانوت، ومن الشرق والجنوب قبيلة إيدمسيرن، ومن الجنوب والغرب قبيلة اداوبوزيا الحاحية، ومن الغرب قبيلة اداوزمزم الحاحية، ومن الشمال قبيلة اولاد بوالسباع وقبيلة الكريمات وقبيلة مسكالة

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً