حوار مع هايكيست
حوار مع الهايكيست مصطفى عبد الملك الصميدي

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
- باحث أكاديمي، ومترجم أدبي، وشاعر من اليمن
- . تخصص في فن الهايكو قراءةً وكتابةً، مدفوعاً بشغفه بالمشهدية الطبيعية والكثافة الفلسفية لهذا الفن.
- نُشرت أعماله في منصات عربية وعالمية،
- حصد مراكز متقدمة في مسابقات دولية.
- يركز حالياً على تعميق مهاراته الفنية والبحث في الدراسات النقدية المتعلقة بالهايكو.
المحور الأول: البدايات والتكوين الشعري
س3) الشاعر مصطفى عبد الملك الصميدي، لكل تجربة بداية؛ كيف اختلى بك هذا الحلم الشعري وأنت لا تزال تتلمس الطريق في بداياتك الإبداعية؟
ج: بدأتُ علاقتي بالهايكو من بوابة الترجمة الأدبية والمقارنة بين الشعرين العربي والإنجليزي؛ إذ كنتُ أدرس الأنماط الشعرية وأساليب كتابتها، فصادفتُ الهايكو بوصفه النص الأقصر، لكنه الأكثر صعوبة من حيث التكثيف والمفارقة والدقة. في البداية بدا بسيطاً، ثم اكتشفتُ أن كل كلمة فيه تُختبر بصرامة، وإلا تحوّل إلى نثرٍ قصير لا أكثر. كانت قراءتي لمصطلح (هايكو) وتقنياته أشبه برفع الغطاء عن شيء ضبابيّ في مخيلتي، يكمن تحته المعنى دون امتلاك أدوات البداية؛ كَمَنْ يجيد الإعراب بالممارسة لكنه يفتقر لمعرفة القواعد التأصيلية. ولأني أُحب الطبيعة، كنتُ ألتقط مشاهدها تلقائياً دون وعي بوجود جنس شعري يحتضن هذه اللحظات. ومع القراءة المتعمقة، خصوصاً لنصوص “باشو” وفلسفته الكامنة وراء البساطة، أدركتُ أن الهايكو ليس شكلاً بل رؤية وصدق ومهارة في الصمت. غياب التوجيه المباشر دفعني إلى التعلم الذاتي، وكان لتجارب أساتذة مثل: توفيق أبو خميس، وأحمد يحيى القيسي، ومحمد بنفارس وغيرهم، أثرٌ واضح في صقل وعيي، حتى بدأتُ أُدرك جوهر الهايكو لا شكله فحسب. حينها تعلمتُ أن الهايكو ليس وصفاً لما نراه، بل هو تلك “العصارة” التي تظل حية في وعي القارئ، تنبض في صمتها كإصغائك لقطرة مطر وتأملك في “تعسلج” الربيع.
س4) كيف أقنعَ شعر الهايكو الشاعر مصطفى الصميدي “بالمعانقة العلنية”، حتى تغير اتجاه تجربتك نحو هذا النوع تحديداً؟
ج: لم يكن اقترابي من الهايكو نتيجة تشجيعٍ عابر، بل استجابة لتحوّلٍ جمالي داخلي. صحيح أنّ نصاً كتبته في بداياتي وشجّعني عليه أحد زملائي شكّل لحظة انتباه مُبكرة، لكن ما أقنعني فعلياً هو اكتشافي أنَّ الهايكو يحمل فلسفة عميقة خلف بساطة خادعة. وجدتُ فيه قدرة نادرة على التقاط اللحظة واختزال المعنى دون افتعال. أدركتُ أنه مِعيار صارِم للرؤية والصدق؛ لذا لا أكتب الهايكو لأتسمّى به، بل لأختبر أدواتي باستمرار، مُنتظراً أن تمرّ نصوصي يوماً ما على مجهر نقد نظري متخصص، لأن النضج لا يتحقق إلا بالحوار مع النقد، لا بالاكتفاء بالتجربة الفردية.
س5) ما سر اشتغالك كشاعر على “الهايكو” دون غيره، والذهاب فيه بعيداً؟
ج: اشتغالي بالهايكو لا يعني انصرافي عن بقية الأشكال، فأنا أكتب العمودي والتفعيلة والنثر، وأمارس الترجمة بوصفها مختبراً لغوياً. غير أن الهايكو أصبح بؤرة تركيزي لأنه يختبر الشاعر بأقصى درجات الصرامة: أقل عدد من الكلمات مقابل أعلى كثافة في الرؤية. كانت القراءة النقدية التي كتبها الأستاذ توفيق أبو خميس عن أحد نصوصي لحظة حاسمة؛ لأنها كشفتْ لي أن هذا الفن لا يحتمل الزوائد أو الادعاء. ما شدّني إليه أيضاً هو قدرته على الجمع بين المشهد والصدمة دون خطابة، تماماً كما في نصوص “باشو” أو المقاربات العربية الجريئة.
س6) ما الكتب التي أثرت في تجربتك الإبداعية عامة، ومن هو “الهايكست” الذي ترك بصمة في تجربتك تحديداً؟
ج: إبداعياً، كانت نصوص “باشو” مدخلاً أساسياً لفهم فلسفة الهايكو كمعنى يتولّد من الصمت. أما عربياً، فقد تركتْ كتابات الأستاذ توفيق أبو خميس أثراً بالغاً على مستوى الوعي النقدي، بجانب متابعتي لمحمد بنفارس، وأحمد يحيى القيسي، وحسن التهامي، ومحمود الرجبي. كما أتعامل مع النصوص الفائزة في المسابقات كمختبر تطبيقي لتفكيك أسباب دهشتها. أؤمن أن الكتابة شكل من أشكال التعلّم، وأن الوعي لا يتكوّن إلا عبر الخطأ والمراجعة.
المحور الثاني: الهايكو.. نشأته وحضوره العربي
س7) كيف ترى هذا المولود “شعر الهايكو” الذي نما في الأرض العربية تاركاً جذوره في اليابان؟
ج: أراه مولوداً “مُعاد التوطين”؛ نشأ في اليابان لكنه حين دخل العربية لم يفقد جوهره، بل دخل مرحلة تمحيص. الهايكو العربي اليوم مختبر جمالي مفتوح، ينجح حين يحافظ على “الاقتصاد اللغوي” والصمت، ويخفق حين يُختزل في القِصر المخل أو يُثقل بالرمزية المفرطة. مستقبله مرهون بوعي نقدي يحدّد معاييره ويفصله عن “الومضة” أو “الشذرة”. أعتقد أننا سنصل لنصوص تُرسّخ مفهوم الهايكو العربي كجنس مستقل يتجاوز ثنائية الأصل والاقتباس.
س8) هل يمكننا القول إن هناك “هايكو عربي” قائم بذاته؟ (نرجو الإجابة بنظرة الناقد المتفحص)
ج: لا، الهايكو العربي لم يكتمل بعد؛ فهو لا يزال يتأرجح بين التقليد والابتكار. معظم النصوص العربية تميل للرمزية المفرطة، ونادراً ما تفي بالخصائص الجوهرية للهايكو. ما نراه اليوم هو “هايكو متكيف ثقافياً”. لتحقيق الاستقلال، يجب دعم التجربة بالنقد المنهجي. الحس الشعري العربي يمتلك القدرة على التقاط المشهد، لكننا بحاجة لصقل هذه التجربة لتتحول إلى نص مستقل يعكس بيئتنا دون تقليد أعمى لليابان وفلسفتها (الشنتو والبوذية).
س9) ما سر اهتمام الشعراء العرب بالهايكو؟ هل هو القصر، أم اختزال الصور، أم أسباب أخرى؟
ج: السر يكمن في طبيعته الفلسفية التي تصنع تجربة شعورية قائمة على “المشهدية”. في السياق العربي، يمثل الهايكو محاولة لاستعادة العلاقة بين اللغة والطبيعة بعيداً عن البلاغة المتفاخرة أو السرد المطوّل. هو فضاء للابتكار بالاستلهام من الأصل الياباني كمرجع لا كقيد.
س10) هل ترى أن الاهتمام بهذا النوع حالياً عملية إبداعية سليمة تثري المشهد الشعري؟
ج: نعم، هي عملية مثرية شريطة أن يرافقها وعي نقدي بجوهر الفن، وإلا فقد يظل مجرد “صرعة” أو تجربة عابرة تفتقر للعمق.
المحور الثالث: قضايا أدبية عامة
س11) ما رأيك في الكتابات النسوية بالعالم العربي؟ وكيف ترتب حضورها الإبداعي حالياً؟
ج: الكتابات النسوية شهدت نمواً سريعاً لافتاً أضاف تنوعاً للمشهد. لكن الهايكو تحديداً يختلف؛ فهو فن يقوم على المشهدية الدقيقة التي لا تفرض جنس الكاتب على النص. الهايكو فضاء محايد يعكس المشهد بوعي فني متأمل، مما يجعله مجالاً يبدع فيه الجنسان دون مساس بالمصداقية الفنية.
س12) ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب؟ وهل تراها مقياساً حقيقياً للنجاح؟
ج: الجوائز تمنح حضوراً جماهيرياً ونقدياً، لكنها ليست معياراً مطلقاً. النجاح الحقيقي هو قدرة النص على ترك أثر مستمر في وجدان القارئ. الجوائز إشارات تشجيعية، لكنها لا تعوّض عن عمق التجربة والوعي النقدي. الإبداع الأسمى محركه “التشجيع المعنوي” والدافع الداخلي.
المحور الرابع: تأملات ومشاريع
س13) كيف يرى “الإنسان” مصطفى الصميدي “الشاعر” مصطفى الصميدي؟
ج: أراني مستكشفاً دائماً للمعنى واللحظة. أتعامل مع النص كما أتعامل مع الطبيعة: بصدق ودقة. الشاعر في عيني هو الإنسان في حالة استكشاف دائم، يدرك أن التعلم المستمر والنقد البناء هما الوقود الحقيقي للنمو الشعري.
س14) ما هي مشاريعك المستقبلية في الهايكو وغيره؟
ج: أعمل على تنقيح نصوصي في الهايكو تمهيداً لجمعها في كتاب يكون الأستاذ توفيق أبو خميس موجهه وناقده. أما في الترجمة، فأعمل على ترجمة قصائد يمنية إلى الإنجليزية، وأخطط لنشر مجموعة شعرية ثنائية اللغة (عربي-إنجليزي) قريباً.

سقوط الأوراق
على طريق ريفنا الممتد
آثار أقدام الأجداد
بشكل خاطف
تخطيط قلب السماء
وميض البرق
ريف الوادي
من بين طبقات الضباب
تعلو مئذنة
آخر الليل
يخرج من ريف الوادي
ضوء عَرَبة
قُرص عسل
على قُطنٍ مُذَهََّب
خسوف القمر
ينقصها المصابيح
لتكون مجرة
خيوط عنكبوت
مساء صيف
في فقاعة صابون
مجرَّة صغرى
مرورٌ خاطف
على علَم المدرسة
ظلُّ طائر
ساعة الظهيرة
أدخنة تحجب الشمس
مواقد الريف
نقرات المطر
كم من الوقت ويعود
عقرب الساعة؟
صباحٌ بارد
مفتاحُ العربة يُزيحُ
الثلجَ أولاً
رياحٌ سريعة
من ثقوب جدار يدخل
نُباحٌ بعيد
مطر خفيف
على أرضٍ عطشى
رائحة التراب
مزارب سقف
من دار قديم ينقضُّ
جدار الطريق
ليل خريفي
خشخشة أوراق الليمون
مقام حجازي
كَرْمَة الصّدقات
يتدلّى على عساليجها
قمر ممتلئ
مطرُ أيلول
تفيضُ الجداول جذلاً
في عيونِ مزارع
بعد المطر
تتكشف للعيان أكثر
خربشات جدار
أَعَسَلُ جدارٍ،
أم يتمسَّحون
بحائط مبكى؟!
موت مفاجئ
باقات ورد على قبره
كاريكاتير اليوم!!
شجرة عارية
يعبر المارة أمامها
بملابس العيد
على الأطلال
غَرَابِين تبني أعشاشها
تراجيديا العصر
بهدوء تام
يسقط من السفح
قمر الخريف
على موج هادئ
يتهدَّج راقصاً
قمر الشتاء
هجرة إلى الشمال
تترك ظلَ البرد وراءها
طيور تشرين
ليلةٌ مقمرة
بندقيته عند جذع شجرة
حارس الحقل
نسيم الصباح
من أوراق سِدرة
مطر الأمس
ورقة أخيرة
على غصنٍ عارٍ
شمس المغيب
قوس قزح
في صفحة الماء
طيفٌ نابض
ليلُ البحر
سمكةٌ صغيرةٌ تعلو
من قمر ساكن
صفحةُ البحر
تبعثرُ انعكاسَ القمر
قفزةٌ حوت
ما زال أبيض
في صفحة الأمواج
قمر الربيع
ظلال
تمر فوق العشب
سرب طيور
أثر الغيم
تخضرُّ أوراقها ثانية
زيتونة عتيقة
صباح باكر
على أوراق الزيتون
ندى الغيم
هلال
يكتمل الآن
بمرور الرَّباب
ندى الفجر
على البابونج الأبيض
نسمة شِفاء
زخات خفيفة
بركة معطلة تفيض
بنقيق ضفدع
نسمة ربيع
تقلب صفحة مفتوحة
على الشتاء
ارتجاف الزرع
فجأة ينكسب سقف
من جراد منتشر
مِشتلٌ نضير
يمشط أزهاره المطر
رقصة باليه
آخر الخريف
على شجرة عارية
عشٌّ مُترب
ضباب كثيف
في طرفة عين
لا أثر للقرية
ساحة رملية
ريح مفاجئة تطمس
أثر شِجار
شروق آخر
على جدار لازوردي
زهرة شمس
سقف أخير
يلوذ تحته عصفور مبلل
رأس كوبرا
نبات صبار
في لظى البِيد واقفٌ
ظِلٌّ قصير
شروق
تتلألأ ذهباً
جداول الريف
نسيم عليل
من مكان بعيد
رائحة توليب
شعاع ضوء
عالم يفيض حركة
جُسيمات غبار
عود ثقاب
لحظة ضوء قصيرة
في هبة ريح
فراشات الليل
حول فانوس جازِيّ
طواف الوداع
ياللترف…
تفاحة لِحاف النوم
تسد الجوع
ريح المساء؛
صفير جذع أجوف،
وعواء كلب!
يا لزهر الربيع…
من قِطعٍ متجاورات
رائحة واحدة
أوراق متساقطة
نازحون حولها
يتوهمون مائدة
سماء مرفوعة
بعمدٍ واحد
شجرة دم الأخوين
شمس الغروب
صفحة البحر تحترق
من طرفها
سنة عجفاء
ديوك جائعة تُنَقِّرُ
حصى الفناء
عبر النافذة
أول شروق يمُرّ
على لوحة الشمس
بركة مكشوفة
قفزة ضفدع تحرك
قمراً هادئا
كرمة واحدة
في الحقل مثمرة
رسالة مبهمة
كم منه باقٍ
على أوراق الشجر
قمر متوارٍ
سقوط لوحة
شلال خارج الإطار
دون تدفق
وداع آخر
في مرآة العربة
آخر لقطة للدار
قمر خريفي
ظل دار قديم يقف
على طريق مهجور
سهاد؛
صرير سيقان عارية،
وأنين طاعن في السن!
حديقة مهجورة
في خطوات من مروا
تنبت الأشواك
آخر ورقتين
على شجرة عارية
“انتظار جودو”
مغمضة عينيها؛
تحاول الوثوب سِحلِّية
من فم أفعوان!
ياللغروب…
الكثير، الكثير
على المانجو
سِلل فواكه
لمائدة اليوم
صورة في صحيفة مفروشة
خيوط المطر
تلف وجه الجبل
نقاب أبيض
ليل بهيم
رقصة بيضاء دائرية
هالة القمر
عاصفة
كل ما تحتاجة الورقة
الاصطدام بحجر
شفق
ضباب الوادي
قِباب ذهب
طير مهاجر
ما زال تغريده عالقاً
على الغصن
ظل غصن
يملأ شُرخاً
في سور المدرسة
ليل دامس
يرده من حافة منحدر
وميض برق
قطتان تتصارعان
يفك اشتباكهما
قصف رعد
رعد مفاجئ
على الحائط يهتز
ظلي
انعكاس القمر
على زجاج متصدع
شمس باهته
غروب خريفي
دفقات نار تمور
أمواج البحر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي