كلمة تقديمية احتفاء بالبيت القديم

سعيد ببو*
أبدأ بكلمات الترحيب على بداهتها وأذكر بها.. أرحب بكم أنتم رواد الفكر والعلم والمعرفة والأدب والفنون والثقافة.. أنتم الطامحون لبناء مغرب نام معافى.. أنتم الذين تبذلون قصارى جهدكم من أجل النمو السليم لأبنائنا كما مجتمعاتنا على المستويات العقلية، الفكرية… المعرفية …التوعوية.. السلوكية ..الأخلاقية، وحتى الروحية …
إذن مرحبا بنا وبكم عند المقهى الثقافي ” تادلسا”.. اسم طابق مسماه.. ومشعل ينير الدرب لأمثالنا نحن السالك الأواه..
مع جمعية مجالس أكادير للتنمية والثقافة.. والمجالس مدارس، تُعرف بها عقول الرجال وأخلاقهم……
مع مجلة مدارات الثقافية.. فمدار الكلام ما يجري عليه غالبا مدار الاهتمام… والثقافة هي الخلق المستمر للذات، أما الحضارة فهي التغيير المستمر للعالم.. فالحضارة تعلم.. أما الثقافة فتُنور..
في حضرة أستاذنا السيد النواري والأستاذ زكيرا والأستاذ الطيبي.. الأعلام الأجلاء – وسياتي معنا التفصيل في سيرهم.- أقول للسادة الأساتذة الأجلاء الكرام:
من خصالكم رفقة المهتمين.. وإرشاد الطالبين.. أنتم من انعقدت الخناصر على علو كعبكم.. وأشارت أعين الفضل إلى تقدمكم في المعارف ..
ونحن بين السادة الأدباء الروائيين القصاصين، مرايا النفوس والمجتمعات..، أعمالكم “كنوز حية” تحفظ ذاكرتنا البشرية وميراثها، تخليدا للمشاعر والأحاسيس والعبر.
ولهذا كانت حاجتنا للقصص ترقى الى مستوى حاجتنا للطعام ..وتتضخم كالجوع تماما.. جوع معرفي في هذا اللقاء الأدبي المتقصد الهادف الضارب الى غايات لنعرف الأشياء الجديدة فيه، والأشياء المتنقلة به ومنه الى سويداء قلوبنا ومكنة عقولنا..
والقلب والعقل إذا اجتمعا يتغلبان على كل شيء.. وحين يفيض نورهما يضيء فضاء هذا اللقاء.. لتلوح جادة الصواب..فيتلمح البصير الفطن في ذلك – كذا العلم فطن – جمال القول وكمال الكتابة..
فالكتابة تثير في القلب كوامن العواصف.. وفظائع العوائق.. ومكامن الذكريات.. وذكريات كل إنسان هي أدبه الخاص، وثراء حياته التي نسيها، ومع ذلك ترفض أن تموت.. فهي مفتاح المستقبل، لا مفتاح الماضي..
فهناك الهاربون من الإرث القديم ..وهناك الباحثون عنه بكل اشتياق..، وأصعب اشتياق هو أن تشتاق لنفسك القديمة.. صحتك القديمة.. قلبك القديم.. وحتى بيتك القديم..، فليس كل بيت قديم مجرد جدران، بعض البيوت تخبئ أسرارا وأصواتا لا يسمعها إلا من يقترب، ومهمة الفن ليس تقديم الشكل الخارجي للأشياء، وإنما تقديم المدلول الداخلي لها.. حيث كل باب يقود إلى سر أخطر.. ويبعث الضياع فيه صورة الجمال القديم الذي كانت العين غافلة عنه والأصل قائم.. ومن وراء هذا الأصل كاتب متمرس.. عقل متحرك في جسد ثابت.. لا يتحدى ذكاء القارئ بقدر ما يتحدى خياله.. ينفلت جوهر من كتاباته.. ليستقر في النص ،ويصيب بعدواه كل من يلمسه مثل المرض الفتاك…. فالمرض مدرسة تربوية، لو أحسن المريض الاستفادة منها، لكان نعمة لا نقمة، هذا النوع من النصوص .. يجعل منه أديبا.. مؤرخا.. فقيها.. سلاليا وحتى طبيبا.. كما جاء في ملحوظة في مقدمة الرواية.. فعندما تمتلك الإنسان حكة الكتابة، لا يشفيه منها سوى كشطها بالقلم.. ولسان حاله يقول : خفيفة روحي وجسدي، مثقل بالذكريات وبالمكان..في داخلي بيت.. سكانه متمردون ..، إن طرقوا بابي لبيت ..وإن آمنت بهم يرحلون.. ولكن…،
لا أحمل الحقد القديم عليهم***وليس “كريم” من يحمل الحقدا
هو كريم بلاد.. كاتب قاص روائي وناقد من واويزغت .. أستاذ التعليم الثانوي ..تخصص اللغة العربية وآدابها..
فاز بجوائز عديدة ……………………..
روايتنا هذا المساء هي” البيت القديم ” تحس معها بتشارك فريد بين الكاتب والقارئ.. كأنها المكان الذي يستطيع أن يجمع بين غريبين في صداقة مطلقة.. فالكاتب هنا لا ينهي روايته أبدا.. لكنه في لحظة يتخلى عنها.. بعد أن استنبط لغزا من جواب سمعته من عتبة البيت كل الآذان..
«…وي كأن عتبة البيت أعلى من القمم !!! »
فيا كريما على عتبة البيت رأيتـه ** جلجل اذني بالكتابة صوته
كان في الغرب يوما يحكي … *** وفي الشرق أنا.. فسمعتـــه
ولأن الأذن هي الكاتب الحقيقي الوحيد، والقارئ الحقيقي الوحيد.. أدعوكم أيها الحضور الجميل الطيب، فأنا لم أغفل عنكم، ولكني مشغول بحضوركم ومحاط بدفئكم، لنستمتع اليوم بالبيت القديم، وما يقال عن البيت القديم.. فكلنا آذان صاغية وشوق لا ينتهي.. لسماع قراءات أساتذتنا النقدية لتشريح هذا العمل الأدبي الراقي الماتع.. ومناقشة عوالمه.. مادامت الرواية هي ضرب من التفسير وضرب من النقد، النقد الذي يكمل العمل دون أن يهدم قيمته. وقد صدق الذي قال :”أندر من الكتاب الجيد القارئ الجيد..”
فاعل جمعوي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي