
الموت والحياة معان نسبيّة للوجود: قراءة في تجربة “الأحياء الأموات” للخزاف حمدي زرود
محمّد المبروك عمراني*
المقدّمة
شكلت ثنائية الحياة والموت موضوعًا جوهريًا في الفكر الفلسفي والفني على حد سواء، حيث تساءل الإنسان منذ الأزل عن ماهية الوجود، وما إذا كان للموت معنى يتجاوز الفناء البيولوجي والتحلّل. وفي هذا الإطار، تندرج تجربة “الأحياء الأموات“، للفنان “حمدي زرود” كمحاولة لتجسيد هذه الإشكاليات من خلال ممارسة فنية خزفية، تجعل من المادّة الغفل وسيلة لنحت تساؤلات فلسفية تعيد صياغة علاقة الفرد بالحياة والموت. فيبحث عن مدى قدرة الفن في التعبير عن إشكالية الحياة والموت، ومدى تمكّن الخامة من التعبير عن هذه الثنائية الوجودية، عبر تحويل الطين إلى وسيط جمالي محمّل بدلالات فلسفية للتساؤل والتأمل في طبيعة الوجود الإنساني. فهل يمكن للمادّة أن تقول شيئًا؟ والى أيّ مدى يمكنها أن تعبّر عن القلق الوجودي للفنّان كإنسان؟
- “الأحياء الأموات” وجوهريّة الاستفهام
لطالما شغلت مسألة الحياة والموت الفلاسفة والمبدعين، حيث ارتبطت هذه الجدلية بطبيعة الوجود الإنساني وبحثه المستمر عن الخلود. ويمكن اعتبار أعمال الفنان “حمدي زرود” امتدادًا لهذا التساؤل العميق، حيث يوظف في أعماله خامة الطّين، باعتبارها مادة أوليّة تتشكل من عناصر الطبيعة الأساسية للكون التراب، والماء، والهواء، والنار.. وليست هذه العناصر مجرد أدوات تشكيلية، بل لها دلالات عميقة تمثّل دورة الحياة والموت والبعث، مما يجعل من التّجربة الفنّيّة لـ”زرود” مساحات جماليّة لحوار ممتدّ بين المادّة والزّمن، والفناء والبقاء، والحياة والموت، والعبث والبعث… ما يسمح بقراءة أعمال “زرود” انطلاقًا من رؤى جدليّة متعددة، بوصفها تأمّلًا بصريّا في مفهوم “الخلق” والتّحوّل، حيث يستحضر الخزّاف مسارًا وجوديًا للعجين ينطلق من العدم نحو الوجود. ” بهذا اذن ، تكون النّزعة العدميّة تاريخا يمضي بمعيّة الكينونة نفسها”[1] بحثا عن معنى للحياة في ظل هذا الوعي المتأزّم بهاجس الموت. ويتجسّدً هذا التوتر في أعمال “زرود” بين الفناء والاستمرارية، حيث يُخضع الطّين إلى دورات من التّحولّ عبر قوّة طبيعيّة حيّة تمثّلها حركة اليد، لينتج أشكالًا على هيأة “راس ثور” تتجاوز مادّيتها الصلبة. فتعدو الخامة كأنها في حالة مخاض وولادة، أو هي إعادة بعث تترك للصّدفة دورها الفاعل. فـ”تعبث” تبعا بما تصوغة حركة العجن في إطار من العفويّة المدروسة لتكون الصّدفة والتّوقّع جزء لا يتجزأ من العمليّة الإبداعيّة لديه، وأن ما يحدث بدون تخطيط مسبق يمكن أن يحمل قيمة جماليّة وفلسفيّة عميقة تقود الفنّان نحو تصعيد جمالي يتكشّف فيه المعنى من خلف لحاف المادّة الّتي تسفزّ عاطفة المتقبّل وحواسّة.

يواصل “زرود” من خلال هذا الطرح إعادة استكشاف العلاقة بين المادة والوجود في سياق معاصر يرى في العفويّة والصدفة دورا قادحا لفعل التّشكيل والصّياغة. فيتجاوز الطّين تفاصيل مقادير المزج والعجن وكونه مجرد خامة للتشكيل إلى كونه وسيلة لطرح تساؤلات فلسفية وجودية:
- عبث ام بعث؟
- أحياء أم أموات؟….
يقدّم الخزاف هذه الأسئلة المحوريّة ليعلي جوابه بطريقة استفهاميّة اخرى: هل يمكن للحياة أن تقول شيءا؟ وكذا الشأن للموت…، ويجيب “حمدي زرود” عن هذه التساؤلات الوجودية بتأملات من طين محوّلًا إياها من مادة غفل بلا ملامح إلى أشكال تعجّ بالحياة، متجاوزًا بذلك حدود المادة وقصورها ليطرح مداخل وجوديّة تقترن بالبحث تشكيليّا في جوهر الموت والحياة بما تركه من بصمات قبضتيه وأثرها على المادّة. فيصبح الطّين شاهدًا على التّحول وراصدا لزمنيات الإنشاء ومراحل الخلق والبعث بأسلوب جمالي كان فيه للصدفة دورا فاعلا في إحداثيات الصّورة وصياغة ملامح المجسم، حيث الاختلاف الموحي بالتشابه بين ما بعثه للحياة بتفاحتي راحتي يديه… ولمّا كانت التفاحة شاهدا على خطيئة ادم، فانّ تفّاحة يد الخزّاف بدت متجليّة على مجسّمات خزفيّة في مرحلة العجن الأولى… فأيّ خطيئة “ألمت” بمادّة غفل كي تتحمّل عناء المزج والعجن من “عبثيّة” يد خزاف أراد بها ولادة بعد عدم؟
ولدت خزفيات “حمدي زرود” من رحم الأرض وعمقها باحثة عن أجوبة لأسئلة شغلت فكر الإنسان، وكانت محورا لقلقه وهوسه بالخلود والحياة في مسعى لتحدي حتميّة الموت. فيقدم شواهد جماليّة تعبّر عن هذا القلق، والأرق، والتّوتّر بين الفناء والاستمرار، حيث تلوح تنصيبته وكأنها أصداء لكائنات منسية، وأخرى كأنها تتحدّى العدم استعدادا للنهوض مجددًا للحظة عبور بين العدم والوجود.
ولا يقدم “زرود” إجابات قطعية، بل يدعو إلى التأمل لأنّ الأسئلة الجوهريّة لا تتطلب أجوبة قطعيّة. يعيد تقييم التفاعل بين حركة الجسد وبين الوعي بالعالم والمادّة، ويدمج الممكنات التعبيرية التي تطرحها مادّة الطّين ويتلقّفها ذهن المتقبّل كي يكون جزءًا من العمل الفني ويتفاعل معه بما يضيف بعدًا آخر للتجربة الجمالية. ولا تجيب أعمال “زرود” تقدم أجابة بشكل مباشر عن سؤال الموت والحياة، بل تطرحها في صيغة تحولات مستمرة، وكأن المادة نفسها تتساءل عن مصيرها حين تحاكي دورة الحياة وحيث يتداخل الموت مع الولادة، والفناء مع البقاء. كما حمل توظيفه لمواد شفّافة في أعماله الخزفية إضافة مفاهيمية هامة للتفاعل بين المادّة والضوء واللّحاف كجسور بين الحياة والموت دون إجابة فاضحة عن أولويّة بين البقاء والفناء، وبين الحضور والغياب…وتعبر شفافيّة القبور المدمجة والفراغات التي يتركها في مجسّماته الخزفيّة حين مرحلة العجن عن المساحات غير المرئية بين الوجود والعدم، وبين الحياة والموت…، ما يجعل المجسّمات لا تكتفي بإبراز الشّكل والإفصاح عن مرحليّة الإنشاء، بل تدعو المتقبّل إلى التّفكير في ما هو غير مرئي، وفي المساحات الحياتيّة الّتي يعيشها كل فرد مذ ولادته إلى حين ارتحاله؛ وهي الرّحلة التشكيليّة حيث لا تمثل الشّفافيّة والفراغات الغيابَ بقدر ما تمثل الحضور وما يمكن ان يرافقه من استحضار لسؤال الآتي الغائب عن الأنظار ولحظات الولادة والترقّب وتوتّر الإنتظار… فماذا بعد العجن؟:
لا شيء يمكن أن نحسم حضوره من غيابه أو حياته من موته… أوجه وتراب وماء يتنازعون حضورهم. وهنا يمنحنا الخزاف قدرة على التساؤل عمّا يحدث، ولكن يقصي عنا الأجوبة كي يفتح نوافذ نحو بعد آخر من الوجود حيث يتسلل الضوء عبر الفجوات والمواد الشفافة ليخلق حوارًا بين الظاهر والباطن، وبين الحاضر والغائب.
ويقدم “حمدي زرود” من خلال هذه الجدليات بين الحياة والموت، وبين المعتم والشفّاف، وبين الصلب والسّائل تجربة خزفية تتجاوز البعد الإجرائي إلى أبعاد فلسفيّة ووجوديّة أعمق. فتوظيفه للمرحلة الأولى من العجن يجعل من أعماله كائنات انتقالية بديناميكيّة بصريّة تحمل في طياتها تساؤلًا مفتوحًا: هل يمكن للفنّ أن يكون وسيلة للبعث ام للعبث؟ وتأتي إجابة الخزّاف على شكل تحوّلات مستمرّة، حيث لا يكون الموت نهاية حتميّة بقدر ما هو مرحلة مستمرّة من دورة ممتدّة لا تتوقف عن الخلق وإعادة التكوين. وبهذا المعنى، يقترب “زرود” من التّصورات الصوفية التي ترى في المادة تجليًا للحقيقة غير المرئية، حيث يكون الطّين وعاء بصريّا يحمل روح المعنى.. ولا يفصح “زرود” أجوبة قطعية من خلال تشكيله للعجين، بل ينشئ أعمالًا تعبّر عن ذاتها بذاتها كي تُعلي ممكنات التّعبير والطّاقة الكامنة فيها بما يدفع للتّأمّل في جوهر الأشياء، وفي ذلك الحد الفاصل بين ما هو حياة وما هو موت، وبين ما هو موجود وما هو غائب عن الإبصار وتستشعره العواطف والبصيرة. كما اشتغل الخزاف على رمزيّة الأرقام 3، 9، و12 وجعلها مفاتيح دلالية؛ تفكّك، وتعيد تشكيل جدليّة الحياة والموت ضمن تنصيبة خزفيّة مشحونة بثنائيّة المعنى والرّمز. فتجلّى رقم 3 كبداية للنموّ، بينما عكس رقم9 اكتمال دورة الحياة والانبثاق، في حين شغل رقم 12 الإشارة إلى الزّمن وانسجام العناصر الأساسية الأربع: الماء، التراب، الهواء، والنار[2]. وتحضر هذه العناصر كإحاطات جماليّة حول، وداخل صندوقين شفافين يرصدان زمنيّات من التجلّي والمكاشفة ليكون الضّوء عنصرا فاعلا واساسيّا ضمن التركيبة[3]، حيث وضع أقنعة مغمورة بالماء وأخرى مدفونة في التّراب كأنّها كيانات عالقة بين الوجود والعدم، وبين الإفصاح والكتمان. وتتحوّل فتحات الصندوقين -بما تحويه من أسطوانات شفّافة وكريات مضيئة- إلى نوافذ بصرية تروي حكايات الصمت والبوح والحضور والغياب. وفي هذه المشهديّة، تصبح الأقنعة شواهدً ومعبّرًة عمّا بداخل الخزّاف، وتكون جسورا دلاليّة للمعنى. فتُخفي لتكشف، وتدفن لتُحيي في تداخل مع رمزيّة الأرقام الّتي استند عليها الخزّاف، وتتضافر الألوان الحارّة والباردة (الأحمر والأصفر والأزرق) مع القيم البصريّة ما يولّد مخرجات جدليّة ولا نهائية، حيث لا يستقرّ الموت كحقيقة حتميّة، بل يتحول إلى معبر للحياة، وجوهر كامن في صيرورة المادة وممكناتها التّعبيريّة عن الحقيقة والفناء المُلهم. وهنا، يمكن استشعار ما قد تمّ تجريده من العالم الخارجي للأشكال الخزفيّة لتنزح المجسمات نحو افاق تمثّليّة تتجاوز الامتداد الحسّي واللّوني والملمسي, وينعكس هذا الى حضور متعدّد الأنماط وتتّجه الصور نحو المطلق واللّامتحدّد.[4]

الوجود والفناء الملهم
تتجاوز الأعمال الخزفية لـ”حمدي زرود” في “الاحياء الأموات” الأبعاد الجمالية المحضة لتتداخل مع بنائيّة فلسفية وجودية معقدة، حيث يُشكل الطّين ليس فقط مادة فنية قابلة للتحول، بل هو معنى حيوي للوجود ذاته ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم جدلية العدم والوجود والحركة والثبات من خلال الطّين واستحضار عناصر طبيعيّة اخرى كالماء والتّراب.ويمكن ربط أعمال “زرود” بالمقاربة الوجودية التي ترى في الإنسان الكائن الوحيد القادر على التأمل في وجوده الخاص. في هذا السياق، تتلاقى أعماله مع فلسفة جون بول سارتر التي ترى أن الإنسان يخلق نفسه من خلال أفعاله وتجاربه، “وهكذا فإنّ الحركة هي الوجود لموجود خارج عن ذاته“[5]، حيث يعبّر فعل الخزاف الذي عن ذاته من خلال تشكيل الطّين ليمثّل نقطة انطلاق ومادّة خلق تهب المجسّمات المادة ماهيّة جديدة وتكون مطيّة للتّواصل بين الفنّان والعالم ليتجلى ما هو غير مرئي إلى ابصارات، حيث تولد المجسّمات من العدم، وتكتسب معاني وجودها من خلال الفعل وردّه. وتعتمد تجربة “زرود” بشكل جوهري على العناصر الأربعة:
- التراب: المادة الأساسية التي تُستخرج من أديم الأرض، وهي تمثل رمز الموت والعدم، لكنها في الوقت ذاته تشكل أصل الحياة، حيث يُعاد تشكيلها خزفا لتتحول إلى كيانات جديدة وكينونات متجّددة.
- الماء: المادّة التي تمنح الطّين ليونته، وهو قراءة للحياة والانبعاث الأول، وهو كذلك ما يمنح المادة قدراتها على التغير بما يعكس فكرة التحول وعدم الثبات.
- الهواء: المّادة الّتي تساهم في تجفيف الطّين ويجعله في حالة من الانتظار بين الحياة والموت، وكأن المجسّمات الخزفيّة في مرحلة انتقالية قبل أن تتخذ شكلها النهائي.
- النار: العنصر الأكثر حسمًا، والذي يحدد الشكل النهائي للعمل الفني، لكنه أيضًا رمز للبعث والانبعاث الجديد، حيث يتحول الطّين من حالة قابلة للتغير إلى حالة صلبة تمثل استقرار الكينونة ومبعث الولادة وحرارة اللّقاء.

إن هذا التفاعل بين العناصر الأربع في أعمال “زرود” لا يقتصر على كونه عملية اجرائيّة، بل هو رحلة وجودية للإنسان في جوهره، حيث يعيد عبر تشكيلاته الخزفية تمثيل دورة الحياة والموت، وكأنه يوثق بصريًا لحركة الزمن وتأثيره على المادة من خلال أثر اليد في صياغته للمرحلة من العجن، فترصد الأشكال مراحل الفناء الّتي تعقبها مراحل أخرى من الولادة دونما القطع الثّابت في أولويّة كليهما. وتقودنا فكرة التحول والتغير المستمر في أعمال “زرود” إلى تمثّل المقاربة النسبيّة لـألبرت أينشتاين والّتي ترى أن كل شيء في الوجود ليس ثابتًا، إذ يمكن للمادة أن تتغير بتأثير النار والماء والهواء، وهذه التغيرات تمثل مرونة الواقع الذي لا يُحتسب البتّة ثابتًا. ومن خلال هذه المقاربة، يمكن اعتبار الطّين أداة للتعبير عن الوجود النسبي، وبالتالي، تساهم هذه خزفيّات في دعوة المتلقي إلى إعادة التفكير في الواقع المادّي للأشياء. فهل نحن كالأشياء، نموت لنحيا حالة تغير دائم، أم أن هناك شيئًا ثابتًا في جوهرنا؟
تقدم تجربة “حمدي زرود” في فهما تشكيليّا للعلاقة بين الوجود والعدم، حيث لا يقدّم الطّين كأداة للتشكيل، بل كوسيلة لإعادة اكتشاف جوهر الأشكال وكنهها. فيوظف الصدفة والعفوية في مرحلة العجن كعمليّة ابداعيّة تعمل على تفكيك شفرات المادّة وتقديمها في أشكال تَهِمُ بالتّشابه في حركيّة وتحوّل يحملان في طياتهما تواتُرا بين الحياة والموت؛ ما يعكس فكرة الانسجام مع الطبيعة من خلال التّفاعل بين الذّات والمادّة. كما يوظّف الخزّاف الطّين كأداة حيّة تعبر عن جدلية الوجود والعدم و الخلق والبعث باعتبارها خامة تتراوح بين اللين والصلابة للتعبير عن التحولات الوجودية التي تحكم كينونتها.
- العدم وفسحات الوجود
يطرح زرود تساؤله الجوهري حول ما إذا كان للموت والحياة قدرة على الافصاح والمحاورة وهو تساؤل فلسفي عميق يعكس فكرة أن الحياة ليست مجرة حركة من التسربل المستمرّ، ولا أن الموت مجرد صمت مطلق، بل أنّهما حالة من التلازم، والتحول والتجدد. فهل يمكن اعتبار الولادة نقطة نهاية وعدم وفناء وان الفناء نقطة بداية وولادة جديدة؟ يستحضر هذا السؤال عدة رؤى فلسفية تختلف بين الشرق والغرب، وبين التصورات الوجودية التي ترى في الموت انقطاعًا نهائيًا، وبين الفلسفات الشرقية التي تعتبره مجرد مرحلة انتقالية في دورة الحياة. في هذا الإطار، يبدو زرود” وكأنه يستلهم من التصورات البوذية والهندوسية التي ترى في الموت عملية تحول، حيث لا يُنظر إليه على أنه اختفاء، بل كممر إلى شكل آخر من الوجود والحياة.
تعامل “زرود” مع مفهوم “الإحياء” بشكل مزدوج: فمن ناحية، تتجلى قدرة الفنان على إعادة تشكيل المادة الخام (الطّين) وتحويلها إلى كيانات نابضة بالحياة، ومن ناحية أخرى، تعكس هذه العملية رؤية فلسفية أعمق عن كيفية تحويل العدم إلى وجود عبر الممارسة الإبداعية. وهنا، يمكن استحضار مفهوم “الخلق الفني” عند مارتن هايدغر، الذي يرى أن الفن هو فعل كشفٍ للحقيقة، حيث يمكن للأشياء أن تتجلى بشكل مختلف عن واقعها المادي، مما يمنحها حياة جديدة خارج حدود الزمنية. فتتقاطع رؤية “زرود” مع تجارب فنية متعددة حاولت تجاوز المفهوم التقليدي للمادة والفراغ. يمكن مقارنة هذه الرؤية بأعمال الفنان الإيطالي لوسيو فونتانا، الذي لم يكن يرى اللوحة كمساحة مغلقة، بل قام بتمزيق سطحها ليكشف عن بعد جديد، كما لو كان يفتح بوابة نحو عالم آخر يوحي بذاكرة الأشياء بعد موتها. فتبدو أعمال “زرود” في حالة تحوّل مستمر، او ما نصطلح مجازا على تسميته بـ “يقظة الخامة”؛ إذ لا تنتمي الأشكال إلى الحياة بشكل كامل وقطعي، ولكنها لا تعبّر عن الموت بوصفه نهاية وحتمية. وتعكس هذه الازدواجيّة تجربة وجوديّة تتجاوز المادّي إلى الرّوحي، حيث يصبح الطّين، الذي يمثل في أصله مادة غفل منبعثة من روح الأرض وعمقها، وسيلة للتعبير عن ديمومة الحياة من خلال العمل الفني. وكأن زرود يدعو المشاهد إلى إعادة التفكير في علاقة المادة بالزمن، فيجد نفسه أمام سؤال: هل ما يمثل أمامنا هو النهاية الّتي ينبغي بلوغها والوصول اليها، أم أنه مجرد مرحلة ضمن عملية مستمرة من التحول والمغايرة؟
تلوح الإجابة فاضحة ضمن تنصيبة يستحضر فيها الخزاف الكون ضمن مداخل القراءة والتّأويل. فلا يكون الموت مجرد غياب ولا الحياة مجرّد حركة وحضور فيزيائي، بل أصبحا وسائط للحوار الفنّي، حيث يحاور الماءُ الترابَ، وتجادل النّارُ العجينَ، وينازع الفعل كلّ هذا… فتشي الأشكال الخزفية عن سيرورة لا تتوقف وصيرورة متجدّدة، وعن دورة مستمرة بين الفناء والانبعاث لتكون المجسّمات الخزفيّة تأملات جماليّة تحمل بين طياتها صدى التساؤلات الوجودية التي لطالما شغلت فكر الخزّاف توتّرا وتوهجا ابداعيّا. فبات للخيال مدخلا لرؤى حسّيّة تمنح جوانب التلقّي شعورا باطنيّا تتوالد عنه مجموعة من القيم الجماليّة اللامتناهيّة، “فالسلسلة اللامتناهية من التمثيبلات تحتوي على شيء مطلق الوجود.”[6]
الخاتمة
فتحت تجربة “الأحياء الأموات” للخزّاف “حمدي زرود” بابًا واسعًا للتأمل في ماهية الوجود وجدلية الفناء والبعث. بما حوّل مادّة الطّين في أعماله إلى مساءلة تشكيليّة تتضمّن استفهامات عميقة حول التحوّل والتجدّد، دونما تقديم إجابات قطعيّة، ما يمنح المتلقي فرصة للمشاركة في إعادة تشكيل المعنى وصياغته. وتتجاوز تجربة زرود البعد البصري ومجرّد المثول الفيزيائي إلى آفاق تمثّليّة وميتافيزيقية تعكس تساؤلات الإنسان الأزلية حول جوهريّة الحياة، الموت.
المراجع
- امبرتو إيكو، ت. سعيد بنكراد ،التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط 2، 2004
- جان بول سارتر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، الوجود والعدم، منشورات دار الاداب بيروت، ط1، 1966
- حمدي زرود، الأحياء الأموات، ورقة بحثيّة غير منشورة، ص 2
- د. عفيف البهنسي، مدارات الإبداع، الهيأة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، د,ت
- مارتن هايدغير، نرجمة محمّد مزيان، الفلسفة، الهويّة والذّات، كلمة للنشر والتوزيع، تونس 2015
- ناجي فوزي، ماهر راضي، الضّوء بين الفنّ والفكر،مطابع المجلس الاعلى للاثار، مصر، 2010
باحث في الجماليات من تونس
[1] مارتن هايدغير، نرجمة محمّد مزيان، الفلسفة، الهويّة والذّات، كلمة للنشر والتوزيع، تونس 2015، ص 113
[2] “إنّها لعبة الوجود الّتي يحكمها التّكرار والتّفاعل المتبادل بين الألوان والأشكال والقيم الضّوئيّة والأفواه والأقنعة ممّا يؤكّد رمزيّة الرّقم ثلاثة إضافة إلى الرّقم تسعة والرّقم اثنيْ عشر، فنتلمّس مرحلة نموّ الشّكل الخزفي ونضجه، الّتي تعكس حياة الإنسان. فرقم تسعة هو في الواقع أحد الأشهر اللاّزمة لاكتمال الجنين الّذي يتكوّن بشكل كامل ابتداء من الشّهر السّابع. والرّقم تسعة باعتباره الأخير في سلسلة الأرقام يعلن عن نهاية وبداية، أي الانتقال إلى مستوى جديد. وهنا نجد فكرة الولادة الجديدة والإنبات، وفي نفس الوقت نجد فكرة الموت”، حمدي زرود، الأحياء الأموات، ورقة بحثيّة غير منشورة، ص 2
[3] “الضوء هو عنصر اساسي في اللّوحة. ويجب اختيار لحظة من لحظات سقوط الضوء على المنظر وتسجيل تأثبر الضوء في هذه اللّحظة في اللّوحة”، ناجي فوزي، ماهر راضي، الضّوء بين الفنّ والفكر،مطابع المجلس الاعلى للاثار، مصر ، 2010، ص 143
[4] “الصورة يجب أن تتجه نحو المطلق وليس نحو المحدد. أن تتجه نحو الجمال المحض “الجمال بذاته” وليس نحو جمال الأشياء، وهو جمال تسعفه الحاجة المادية والضرورة. أماّ الجمال المحض فإنه مجرّد عن المنفعة” د. عفيف البهنسي، مدارات الإبداع، الهيأة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، د,ت، ص182
[5] جان بول سارتر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، الوجود والعدم، منشورات دار الاداب بيروت، ط1، 1966، ص 365
[6] امبرتو إيكو، ت. سعيد بنكراد ،التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط 2، 2004، ص 133
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي