أخبار عاجلة
الرئيسية / ابداعات / لَدْغَةُ المِحفظة السوداء  – مصطفى الشريفي

لَدْغَةُ المِحفظة السوداء  – مصطفى الشريفي

لَدْغَةُ المِحفظة السوداء

 مصطفى الشريفي*

 

 

بعد عطلة قصيرة عاد” الهاني” وزوجته “الصافية”، بعد عطلة قصيرة وقد تخلصوا من ضغط  وشوائب التعب في أحضان الطبيعة العذراء وسط جبال وغابات الأَرز الفيحاء …

على بعد كيلوميترات من مدخل المدينة، كان السفر قد أنهك الجميع، وعلى حاشية الطريق رجل وامرأة يذودان، يبدو أنهما طاعنين في السنّ استوقفاه فلم يكترث.. لكن زوجته استعطفتْ وألحَّتْ … فرْمَل الى جانب الطريق واتجه إلى ورائه لانتشال العجوزين من خلاء المكان ووحشة الظلام.

اتكآ في المقاعد الخلفية إلى جانب طفلين،  كانت ثيابهما رثّة، تبدو كثياب البهاليلْ، ويظهر عليهما أثر سفر متعب وطويلْ …

تطاير في الخواء بعض الكلام العبثي، سرعان ما انتهى وعمّ الصمت … استرخى العجوزان بعد أن فاحت منهما  رائحة التعب …

علم الهاني أنه تورط …لكنه كان يواسي نفسه بنيته “الصافية”،  …ثم إنه لم يبق على مدخل المدينة سوى كيلومترات خلف الحاجز الأمني (الباراج..) الذي استوقفه لمراقبة دورية…

طلب الدركي من” الهاني” فتح صندوق السيارة للمراقبة:

– الدركي : لمن المحفظة…؟

– “الهاني” ليست لي…ولمن هي…؟! هي للراكب سيدي …

سأل الدركي الشيخ … لكنه أنكر …!

زادتْ شكوكُ الدركي وامْتعض “الهاني”

ناهرا العجوز: ليست لك ؟ ولمن هي إذًا …؟ ردَّ الشيخ لا ..لا.. ليست لي …

ألحَّ الدركي على” الهاني” بفتحها لكنه رفض…أنزل الدركي المحفظة ليفتشها وزادت علامات الوجوم والحيرة لدى زوجته.. ونهرت العجوز مجددا: ليست لك؟؟ ولمن هي إذن…؟ همت بالنزول لكنها فجعت لهول ما رأتْ؟! بعدما كبل زوجها بالأصفاد .. نعم لقد اعتُقل  ؟!

وهي تصرخ: غير معقول.. غير معقول ؟!!!

استمر الهاني في التبرير .. لكنه لم يجد آذانًا صاغية…! أُخذ الهاني إلى المخفر وزوجته تصرخ، لكن صُراخها كان فقط كصراخ الأشباح …

منع أحد الدركيين تقدمها، وأخبرها بأن زوجها متهم بحيازة مخدرات، و ما عليها إلا الاستعانة بمحامي وتدبير الأمر قبل فوات الأوان.

الصافية في ذهول: مخدرات…؟! محامي…؟! وقبل ان تجس جبينها وقعت مغشيا عليها…

دَقَّتْ الأقفال من جديد، وضجت أقفاص الحديد، واشتد  السواد والصديد، الذي طوق العديد .. أشباح هنا وهناك كالسكارى في زوايا العتمة والنتانة وطول الساعات المؤلمة ودقائق الليل المظلمة …

كانت جلبة الحديد، ورائحة الموت والأصفاد وخطاب التأنيب و الاستبداد تفوح في كل مكان …

على بعد خطوات من مفتاح الأمل الضخم تفوح الرائحة العمياء من “المحفظة السوداء” ، بين يدي حارس ضخم كلما استدار تستدير معه حياة “الهاني” ومعنوياته لتعانق الحضيض …

مفتاح الأمل ؟ بيد حارس يديره متى يشاء، وحين يتعطل عن الدوران مدة ينقطع الأمل، فكل الأدلة كانت تعيق سير التحقيق نحو هذا الأمل ودفء الأسرة وأصدقاء العمل… بات كل شيء  مستحيلا وطمست  الأحلام وكممت الأقلام …

أصبح “الهاني” مهددا بعقوبة سجنية من 5 إلى 10 وبغرامة قد تصل الى 500 ألف درهم…

على بعد خطوات كان الهاني في زنزانته يتجرع الألم والندم… وعلى صوت المفتاح الصدئ يجتر الكوابيس ككل حَبيس …

(سي الهاني على سلامتك…!) كلمات الحارس مع رجة المفتاح في باب الحديد لم يلق لها ” الهاني” بالا…

رافقه مستسْلما كمن يسير مذعنا الى مثواه الأخير، بعد أن فقد الأمل في كل شيء.. تدهورت حالته، انقشع وزنه وانهارت معنوياته… وقف الهاني كالمعتوه فاغرًا فاه …!

أخيراً ظهرت العجوز رفقة زوجة” الهاني” تنتظرْ، ولما رأتهُ تقدمت لتعتذرْ؛ امتلأ  “الهاني” حُنْقا .. لم يستوعب الموقف إلا بعد ذهول كاد يطول، ثم انخرط في سمفونية هيستيرية من البكاء والعويل …

اِعترفت العجوز بحِيازة زوجها ” المحفظة ..”  بعد شدٍّ وجذبٍ مع ضميرها وبعدما عادت إلى رشدها، شهدت ضد زوجها وبرِئت ذمة الهاني …

تمَّ اعتقال الشيخ العجوز وتبين أن وراء العملية ابن لهما كان يستغل دَرْوَشتهُما وعُتيّهما للأغتناء على كاهلهما .

غادر “الهاني” زنزانته بعد عدة أيام على ذِمّة التحقيق، اعتقد فيها أن ما بناه طيلة حريته قد لدغته محفظة مشؤومة في لحظة مذمومة إلا أن  الدرس الذي تلقاه كان قاسيا ولن ينساه …

 

 

قاص من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً