
توقيع كتاب “الفكر العسكري وقواعد الحرب” لمصطفى الوراد:
قراءة نقدية جريئة في عالم المؤسسة العسكرية واستشراف لمستقبل الأمن العربي
شكل توقيع كتاب “الفكر العسكري وقواعد الحرب” للكاتب المغربي مصطفى الوراد، الذي جرى يوم الأحد الماضي الموافق 20 أبريل 2025 بمعرض الكتاب بالرباط، محطة هامة تستدعي التوقف والتأمل. فالكتاب، كما يتضح من النبذة الموجزة، لا يقدم نفسه كعمل تاريخي تقليدي أو سرد سطحي للاستراتيجيات العسكرية، بل يخوض غمار تحليل عميق وشامل للفكر العسكري وتطوره، مع جرأة ملحوظة في مساءلة المسكوت عنه في هذا المجال الحساس.
يُعلن المؤلف منذ البداية أن كتابه يمثل “نهجاً للباحثين المشتغلين على الفقه العسكري منذ النشأة وحتى اللحظة الراهنة”، مما يضع العمل في خانة المرجع المتخصص الذي يسعى إلى تلبية حاجة أكاديمية ومعرفية. لكن ما يميز هذا الكتاب هو تلك “الجرأة والشجاعة الزائدة” التي يتحدث عنها المؤلف، والتي تدفعه إلى “كشف بعض المسكوت عنه في عالم غامض لا يدخله إلا ذوي الجرأة والشجاعة الزائدة”. هذه الإشارة تثير فضول القارئ وتوحي بأن الكتاب سيقدم رؤى نقدية قد تتجاوز الطروحات التقليدية في دراسة المؤسسة العسكرية.
يعد الكتاب بـ “إماطة اللثام عن خبايا المؤسسة العسكرية” في جوانب متعددة، بدءاً بالمسائل الحربية والمعارك، مروراً بالاستراتيجيات والتسليح والخطط والتدابير، وصولاً إلى الانسحابات التكتيكية. هذه الشمولية في تناول الموضوعات تجعل من العمل مرجعاً غنياً بالمعلومات والتحليلات. والأكثر إثارة للاهتمام هو تأكيد المؤلف على أنه “يعيد كل ما هو شك إلى ما هو مطلق في العلوم العسكرية”، وهو ما يعكس روحاً نقدية تهدف إلى إعادة تقييم المفاهيم الأساسية في هذا المجال وعدم التسليم بالمسلمات.
يُولي الكتاب اهتماماً خاصاً بتتبع تطور الفكر العسكري عبر التاريخ، بدءاً من “فلسفة عظماء التاريخ العسكري بدء من سون تزو ( قبل التاريخ) وإلى العهد الحديث”. هذا الربط الزمني يمنح القارئ سياقاً تاريخياً لفهم النظريات والممارسات العسكرية المعاصرة. كما أن التوقف عند “نظرية الاحتلال المطلق، الذي خطط له جنرالات أمريكيون في حربهم على العراق (1990)”، يشير إلى رغبة المؤلف في ربط الأفكار النظرية بتطبيقاتها العملية المعاصرة، وتحليل نتائجها وتداعياتها.
جانب آخر هام يتناوله الكتاب هو استعراض المناهج التعليمية والتكوينية في الكليات والمعاهد والمدارس العسكرية حول العالم، مع تركيز خاص على المغرب. يشدد المؤلف على سعي هذه المؤسسات إلى تكوين أفراد القوات المسلحة تكويناً “يضاهي التكوين في كل المعاهد والجامعات المدنية”، ليس فقط في الجوانب العلمية والتكنولوجية، بل أيضاً في الجوانب الفلسفية والأدبية. الهدف من هذا التكوين الشامل هو إعداد “الساهر على أمن الأمة والوطن” ليكون “مثالاً للنزاهة والقوة، ويؤمن بالتضحيات الجسيمة التي وضعت على عاتقه”. هذه النقطة تسلط الضوء على البعد الأخلاقي والإنساني في التكوين العسكري، وهو جانب غالباً ما يتم إغفاله في التحليلات العسكرية البحتة.
يؤكد المؤلف على منهجيته في تقديم “استعراض متعمق يتوسل الدقة العلمية والمسح التاريخي الدقيق والأمين والواعي للعسكرية بوصفها فكرةً وتطبيقًا، فضلًا عن ماهيتها وما ينبغي أن تكون عليه مستقبلًا”. هذه الإشارة إلى استشراف المستقبل تزيد من أهمية الكتاب في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تواجه المنطقة العربية. ويأتي التحذير من “تفسخ العلاقة بين القادة وحطب الحرب” والتنبيه إلى “مسؤولياتهم الجسام ــ في وقت تغولت فيه جيوش العدو ــ اتقاءً لأخطار تحيق خاصةً بأمتنا العربية” ليضفي على الكتاب طابع الإنذار ويدعو إلى وعي استراتيجي حقيقي.
في الختام، تصف النبذة الكتاب بأنه “موسوعي يحكي بطولات فكرية لقادة عسكريين خلدهم التاريخ”، و”يستقرئ الآتي ويتنبأ بالهول والخطر القادم الذي يهدد الأمة بصفة عامة”، ليختتم بالقول بأنه “بوصلة وخارطة طريق للمستقبل العسكري في العالم العربي والمغرب استثناءً”. هذه الأوصاف القوية تؤكد على طموح المؤلف في تقديم عمل ليس مجرد تحليل أكاديمي، بل رؤية استراتيجية تسعى إلى توجيه الفكر العسكري العربي نحو مواجهة التحديات المستقبلية.
إن توقيع “الفكر العسكري وقواعد الحرب” لمصطفى الوراد في معرض الكتاب بالرباط يمثل إضافة قيمة للمكتبة العربية المتخصصة في الدراسات العسكرية والاستراتيجية. ويدعو هذا العمل النقدي الجريء إلى قراءة متأنية لما بين سطوره، واستيعاب رؤيته النقدية والاستشرافية في عالم بالغ التعقيد والأهمية.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي