
ما جدوى المسرح؟
كريم بلاد*
ما جدوى المسرح؟
سؤال عَنَّ لي وأنا أتذكر كتابا درسناه بالمرحلة الثانوية شعبة الآداب، وكان عنوانه: “قراءة جديدة لشعرنا القديم”[1] للشاعر صلاح عبد الصبور، الكتاب الذي خصه صاحبه للإجابة عن فائدة الشعر وجدواه في حياتنا العامة، وفي ثقافتنا العربية، في مرحلة من مراحل تطور المجتمع العربي، ربما أحس فيها الشاعر/ الناقد أن الشعر لا معنى له، أو أنه بلا جدوى، ونحن إذ نعود بأنفسنا وذكرياتنا إلى تلك المرحلة، نجد – مقارنة مع اليوم – بأن الشعر كانت له كل الجدوى في الحفاظ على لغتنا وهويتنا وتحصيننا ضد الاستيلاب الثقافي.

واليوم، أتساءل: ما جدوى المسرح؟
سأعود من أجل الإجابة عن هذا السؤال المشروع إلى المرحلة الجنينية من الفكر الإنساني، أقصد العصر اليوناني، وأستمد الجواب الأول من أرسطو، فكما عاد صلاح عبد الصبور إلى أفلاطون لينتقد طرحه حول لا جدوى الشعر، واستبعاد الشعراء من مدينته الفاضلة، فكذلك أنا، أعود إلى أرسطو صنو أفلاطون، لأقول ما قاله، وأتبنى طرحه الفكري والجمالي عن دور المسرح، لأنه قال في المسرح قولا بليغا، بقي راسخا في كل ثقافة إنسانية، وفي كل عصر من عصورها التي تلت تلك الفترة الأولى، وهو قوله بالتطهير أو ما سماه بالكاترسيس، إن المسرح يطهرنا من الداخل.
ولكن كيف؟

ارتبط التطهير عند أرسطو بالتراجيديا، بوصفها محاكاة لفعل جاد، وظيفته إثارة الشفقة والخوف التي يتم بها التطهير، وتقترب بهذا الوصف من النظرة المسيحية إلى المعاناة الإنسانية والتضحية والألم كنوع من التكفير والتطهر من الذنوب. إننا عندما نشاهد المسرح نتطهر من آلامنا، ونتطلع إلى تحقيق آمالنا، نتماهي مع شخصيات العرض أو النص، ونخلق معها اندماجا يخلصنا مما يثقلنا من مثبطات.
وسأقفز على مراحل متعدد من حياة الناس “المسرحية” عبر العصور، وأستقي من برتولت بريشت مفهوما مناقضا للتطهير، ويتعلق الأمر بالتغريب، وهو عنده قائم على نفي المشاركة الوجدانية للمتفرج على أساس أن العرض المسرحي ذو طبيعة مصطنعة. لذلك يرتبط التغريب في المسرح بالحدث أو الشخصية، ويتحقق فيهما بـ “نزع البدهي والمعروف والواضح عن هذه الحادثة أو الشخصية وبالتالي إثارة الاندهاش والفضول حولها”[2]. ويعني ذلك ما يعنيه من قدرة المتفرج بفضل التغريب على الظفر بمواقف جديدة في المسرح تصلح أن تمتد به إلى الحياة الواقعية.
نعم المسرح يطهرنا من أنفسنا، ويغربنا عنها في الوقت نفسه، لأنه عندما نغترب، نفكر، وعندما نفكر، نعيد ترتيب ذواتنا على إيقاعات الحياة المتغيرة من حولنا، إن في التغريب تطهيرا، وهذا لم يقل به أحد، في حدود علمي المتواضع.
كاتب وباحث في المسرح من المغرب
[1] عبد الصبور، صلاح، “قراءة جديدة لشعرنا القديم“، دار اقرأ، بيروت، لبنان، بدون تاريخ، ينظر الفصل الأول من الكتاب: ما جدوى الشعر؟
[2] الزبيدي، قيس، “مسرح التغيير، مقالات في منهج بريشت الفني“، مقال حول المسرح التجريبي، لكاتبه برتولت بريشت، دار ابن رشد، بدون تاريخ، ص. 192.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي