معلقات درويش
حسن الباعقيلي*
لم تكن حياة محمود درويش مثل حياة أكثر الأشخاص الذين نصفهم عادة بالعاديين. كما لم تكن مثل حياة أكثر الذين عاشوا تجربة حياتية شبيهة بتجربته. عناصرها الاحتلال والنزوح والسجن والشتات والتيه في دنيا الله. ولعل العنصر الفارق عند محمود درويش، والذي جعل تجربة حياته متمايزة هو أنه كان شاعرا. أي أنه كان يملك تلك الوسيلة الرائدة في الاحساس وفي التعبير. والتي تتيح لمن يملك ناصيتها النفاذ إلى بواطن النفس وابراز الذي يعتمل داخلها جليا ناصعا.
إن حيازة ملكة الابانة عن مكنونات النفس هبة سماوية، لا تعرف طريقها في الغالب إلا للمحظوظين الموهوبين المثابرين. فما بال هذه الملكة إذا كانت “الشعر”. تلك القدرة الإنسانية التي حيرت الشعراء أنفسهم، وأوقفت بعضهم حائرا يناجيها قائلا..
يا شعر، يا آخر الدنيا وأولها يا مسة الجن يا دوّامة القلق[1]
ولم يكن الشعر طارئا عند محمود درويش. أو أنه طلبه رغبة في حيازة أداة للتعبير. فقد كان شاعرا منذ أن كان صغيرا. وكان الشعر صدى صوته الداخلي. بل كان صدى لوجدانه المنفعل ونفس الحبلى بالانكسارات والتطلعات. ولم يتوقف على مدار حياته يسقي شعره ألوانا من خبرات الأيام ونوائبها. ورواسب الذكريات وآثارها ورغبات النفس وآمالها.
لقد كانت القصيدة عند درويش مثل جذع شجرة سامق. ينشر على أغصانها المتشعبة أشعاره كي تجف، وكي تبعثرها الرياح شمالا وجنوبا، غربا وشرقا. وكنت أتلقى بعضا من هذا الشعر المحلق طافحا بهالة هلامية تحوم حول صوره ومعانيه. وأتملى تلك الهالة الهلامية وأعجب منها. وأتساءل هل حقا هذا الذي أسمعه شعرا أم فلسفة أم هو شعر بروح فلسفية أم فلسفة في قالب شعري؟
فقد كانت صور محمود تتراقص أمامي، ومشاهده تطفوا فأراه فيها صغيرا جالسا إلى جده يعلمه القرءان، في ظل دوحة الريحان. وملتفة إلى أبيه بعينين حائرتين خائفتين تتساءلان.. “لماذا تركت الحصان وحيدا يا أبتي؟ وتتكاثر المشاهد والصور ويخطو معها محمود الصغير جهة اليفاعة والرشد فيحن إلى خبز أمه، وقهوتها التي اندلقت وروت أرضا طيبة مقدسة. وإلى أيام “ريتا” القريبة.
وهكذا نظل نتعثر في حالات درويش وأحواله التي يتبدى به في قصيدته إلى أن نعثر عليه في مقهى مع جريدته جالسا. وتكاد الحسرة تأكل قلبه حين تسرقه الذكرى إلى الوراء قليلا. وما إن يتملص منها حتى يتأوه حسرة، ويزفر أنة عميقة.. “كم كنا ملائكة وحمقى”. غير أنه سرعان ما يتوب إلى نفسه ويعتدل في جلسته. فيطوي جريدته ويضعها جانبا. يفرك يدا بيد حتى تصيرا دافئتين فيدلك بهما وجهه ويمسد شعره. يضع رجلا على رجل وينفد إلى أحاسيسه على مهل فيدرك من أعماقهما أن العزم على المضي قد تجدد، والأمل والإصرار أيضا. أوليس “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”؟
نعم يا محمود.. على هذه الأرض ما يستحق الحياة. وإن بقلب متعب نالت منه النكبات وأرهقته الأوجاع. وقد بدأ الاضطراب يغشاه بين حين وحين. ولم تعد “حبة الأسبرين تكفيه كي يلين ويستكين”. ولعلك يا محمود رأيت في اضطراب قلبك شبح زائر قادم. غير أنك لم تكن تتهيبه أو تماطله اللقاء. بل توطن نفسك على استقباله بقلب شاعر جسور. ذاك الذي يبرز إلى خصمه ندا علندا. ويطلب منه أن يكون هو الآخر قويا جلدا..

“ويا موْت انتظرْ ، يا موت،
حتى أستعيد صفاء ذِهْني في الربيع
وصحٌتي، لتكون صيٌادا شريفا لا
يصيد الظٌبْي قرب النبع . فلتكنِ العلاقة
بيننا ودٌيٌة وصريحة: لك أنت
مالك من حياتي حين أملأها..
ولي منك التأمٌل في الكواكب:
لم يمتْ أحد تماما، تلك أرواح
تغيٌر شكْلها ومقامها.
يا موت! يا ظلٌي الذي
سيقودني، يا ثالث الاثنين، يا
لوْن التردٌد في الزمرٌد والزٌبرْجدِ،
يا دم الطاووس، يا قنٌاص قلب
الذئب، يا مرض الخيال! اجلسْ
علي الكرسيٌ! ضعْ أدواتِ صيدك
تحت نافذتي. وعلٌقْ فوق باب البيت
سلسلة المفاتيح الثقيلة! لا تحدٌقْ
يا قويٌ إلي شراييني لترصد نقْطة
الضعف الأخيرة. أنت أقوى من
نظام الطب. أقوى من جهاز
تنفٌسي. أقوى من العسلِ القويٌ،
ولسْت محتاجا لتقتلني إلي مرضي.
فكنْ أسْمي من الحشرات. كنْ منْ
أنت، شفٌافا بريدا واضحا للغيب.
كن كالحبٌ، عاصفة علي شجر، ولا
تجلس علي العتبات كالشحٌاذ أو جابي
الضرائبِ. لا تكن شرطيٌ سيْري في
الشوارع. كن قويٌا، ناصع الفولاذ، واخلعْ عنك أقنعة
الثعالب. كنْ
فروسيا، بهيا، كامل الضربات.”
ثم لماذا يخاف شاعر فنان من الموت إذا كانت الفنون تقدر على هزيمته؟ أوليست هذه الآيات الفنية الباقيات شهودا على مآل المبارزة بينهما؟ أو لم ينكسر الموت في عراك الفنون؟
“هزمتْك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين. مِسلٌة المصريٌ، مقبرة الفراعنةِ،
النقوش علي حجارة معبدي هزمتْك
وانتصرتْ، وأِفْلت من كمائنك
الخلود “
وتصبح قصيدة درويش صدى لصوت الشاعر والمفكر معا حين يلتقيان. فينسجان معا “طباق”. ولا بأس لو طغى فيها صوت المفكر وخفت صوت الشاعر إرضاء للصحبة والغربة والهوية المبعثرة عند كليهما.
ونسمع صوت المفكر إدوارد حين يعتصر فكره في حضرة الشاعر ويلعن علنا “المستشرق الذي يرشد الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب شرقية”.
وقد لا أبالغ لو قلت إن هذا أجمع تعريف للاستشراق قرأته لحد الساعة. ففيه إحاطة مستوعبة لجوهر الاستشراق والغرض منه والاطراف الفاعلة فيه. أوليس جوهره غير النبش في تفاصيل الشرق كيف ما كانت وحيثما كانت وبأي أسلوب وعلى أي وجه وبأي طريقة؟ أوليس الغرض منه هو التعاون الوثيق بين مؤسسة الاستشراق والمؤسسة العسكرية من أجل السطو والسيطرة والغزو؟ أو ليس المستشرق هو عين الجنرال التي يرى بها ويده التي يتحسس بها وربما عقله الذي يفكر به؟ أو ليس من الغايات التي يسعى إليها الاستشراق هي أن يرشد الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب الشرق، كي يصيبه في مقتل، ويمزقه شر ممزق؟
أما صوت الشاعر في “طباق” فقد ضل خافتا. يظهر حينا ويتوارى أحيانا. وحين يظهر فمن أجل أن يصف أو يتأمل أو يسأل أو يفكر. ولا بأس لو أصخنا السمع إليه وإلى هنود قدامى كانوا ينادونه في هذا المقطع الشعري الجميل:
لا أتذكر أنا ذهبنا إلى السينما
في المساء. ولكن سمعت هنودا
قدامى ينادونني: لا تثق
بالحصان، وبالحداثة
ولعلنا ندرك كم هو موح وعميق هذا المقطع الشعري. وكم هو عامر بمآسي عميقة، وذكريات أليمة، وتاريخ دام، وخلاصات حزينة. تلك التي استخلصها الهنود القدامى من غزو الأوربيين لأراضيهم وثقافتهم. فقد جاءوهم على صهوات نبل الأحصنة يبشرونهم الحداثة. ثم تكشفت لهم مع الأيام حقيقة النبل والبشارة قتلا ونهبا واستعبادا. فقاموا يقاومون ويقاتلون، وقد أضمروا في قلوبهم الأسى، يخرجونه من أفواههم همسا مرا لعله يكون عبرة لسواهم.
كاتب من المغرب
[1] البيت للشاعر المصري علاء جانب.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
