
التَّحْفِيزُ، وَتَطْوِيرُ الذَّاتِ.
بِقَلَمِ / حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ.
بُنَيَّ لَا زِلْتَ لَا تَعْبَأُ بِقَدْرِ المَسْؤُولِيَّةِ، وَلَا تُجْهِدُ ذَاتَكَ بِالسَّوِيَّةِ؛ إِذْ لَا تُقَدِّرُ لِلْأُمُورِ قَدْرَهَا، وَلَا تَضَعُهَا فِي نِصَابِهَا؛ فَيَا لِعَجَبِي مِنْ حَيَاتِكَ، وَتَعَجُّبِي مِنْ سِمَاتِكَ: فَوْضَوِيٌّ، مِزَاجِيٌّ، نَرْجِسِيٌّ، مِزَاحِيٌّ، مُرَاهِقٌ، صَلْدٌ، عَنِيدٌ، غَيْرُ رَحْبٍ بِتَعَقُّلٍ، ذُو أُفُقٍ دُونَ البَعِيدِ.
بُنَيَّ لَمْ يَمُتْ مَنْ سَهِرَ اللَّيَالِي، وَذَاقَ مُرَّ الأَمَانِي، إِنَّمَا مَاتَ مَنْ فَاتَ بِنَوْمِهِ كُلَّ عِزٍّ، وَغَالِي، فَهَلْ أَعَادَ التَّرَاخِي حَقًّا؟ أَمْ عَمَّرَ النَّوْمُ وَقْتًا؟ كَيْفَ يَعْلُو البِنَاءُ بِهَدْمٍ؟ وَهَلْ تَبْدُو المَآثِرُ فِي طَوْدِ رَدْمٍ؟
يَا مَنْ أَسْهَرَهُ الطُّمُوحُ، وَأَدْوَتْهُ الْجُرُوحُ، لَا تَجْزَعْ مِنْ هُبُوبِ الرِّيَاحِ؛ فَرُكَامُ السَّحَابِ يَتَحَرَّكُ بِهَا، وَيَنْثُرُ الْخَيْرَ بِفَضْلِهَا، فَالزَّوَابِعُ قَدْ تَحْمِلُ الرَّحْمَةَ، كَمَا يَكُونُ فِي الْابْتِلَاءِ نِعْمَةٌ.
بُنَيَّ تَنَاسَى جُرُوحَكَ، وَلَا تُهْمِلْ طُمُوحَكَ؛ فَهِمَّةُ الْمَرْءِ بُرْهَانُ عَزْمِهِ، وَدَلِيلُ حَزْمِهِ؛ فَإِنَّ النُّجُومَ لَا تُبْصِرُهَا الْعُيُونُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا فِي عَتْمَةِ لَيْلٍ قَدْ صَار.
بُنَيَّ مَهْمَا ذَرَى عَلَيْكَ التُّرَابُ نَقْعًا، فَلَا تَمُتْ صَفْعًا، بَلْ كُنْ كَنَبْتَةٍ شَقَّتْ مَخْرَجَهَا؛ فَأَنْبَتَتْ أَمَلًا بِالْحَيَاةِ قَدْ أَضَاءَ، كَالْفَجْرِ حِينَ يُولَدُ بَعْدَ لَيْلٍ فِي السَّمَاءِ، وَلْيَكُنْ شِعَارُكَ: الإِصْرَارُ فِي زَمَنِ الْخُفُوتِ، وَالضِّيَاءُ فِي لَيْلِ الْقُنُوتُ.
بُنَيَّ لَا تَحْمِلْ مَا يُثْقِلُ كَاهِلَكَ، وَلَا تَغُضَّ الطَّرْفَ عَمَّا يُنِيرُ حَاضِرَكَ، فَاحْمِلْ مَا تَسْتَطِيعُ؛ حَتَّىٰ لَا تَغْرَقَ بِالْمَتَاعِ؛ فَيَصِيرَ أَمْرُكَ لِلضَّيَاعِ.
بُنَيَّ أَتَدْرِي كَمْ عَنَائِي؟ أَتَعْلَمُ مِقْدَارَ سَعْيِي، وَقَدْرَ شَقَائِي؟ أَتَدْرِي كَمْ أَرَقْتُ مَاءَ وَجْهِي لِلُقْمَةِ عَيْشٍ عَلَيْهَا انْكِفَائِي؟ أَتَدْرِي كَمْ أَعْيَانِي الأَرَقُ؟ وَكَمْ جَفَا النَّوْمُ عَيْنِي فِي ظُلْمَةِ الغَسَقِ؟ أَتَدْرِي كَمْ شَهْرًا يَطُولُ؟ وَكَيْفَ حَوْلًا يَحُولُ؛ لِأَجْمَعَ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةً، ثُمَّ أَنْثُرَهَا بِأَيْدِيكُمْ، عَلِّي أُرْضِيكُمْ؟ أَتَعْلَمُ مَا أُلَاقِي مِنْ كَدٍّ صَبَاحَ مَسَاءٍ؟ وَكَمْ أَدْفَعُ مِنْ عُمْرِي لِكِسْرَةِ خُبْزٍ، وَشَرْبَةِ مَاءٍ؟ أَتَدْرِي كَمْ حَمَلْتُ عَنْكَ حِمْلَ بَعِيرٍ، وَلِسَعَادَتِي كَأَنَّ الحِمْلَ فَوْقَ ظَهْرِي يَسِيرُ؟
بُنَيَّ مَتَىٰ أَرَاكَ سَاعِدًا يَشُدُّ أَزْرِي؟ وَعَاتِقًا أَرْمِي عَلَيْهِ حِمْلِي؟ وَعُكَّازًا أَسْنِدُ بِهِ انْحِنَاءَ عُمْرِي؟ فَلَا أَحَدَ يَسْعَدُ بِكَ كَسَعَادَتِي، فَلَا تَخْذُلْ سِيرَتِي، وَلَا تُقَلِّلْ حُسْنَ مَسِيرَتِي؛ فَأَنَا، وَأَنْتَ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بِأَيِّ وَجْهٍ صُرِفَتْ، وَإِذَا أُعْطِيَتْ نَفَعَتْ.
بُنَيَّ أَقْسُو عَلَيْكَ مَحَبَّةً لِنَمَاءٍ، فَبَعْضُ لَسْعِ النَّحْلِ شِفَاءٌ؛ فَلَا تَسْتَهِنْ بِكَلَامِي؛ فَيَهِنْ أَمْرُكَ، وَيَحْقِرْ بَيْنَ الوَرَىٰ شَأْنُكَ، وَكُنْ ذَا هِمَّةٍ، نَائِيًا عَنِ المَذَلَّةِ، وَالتَّعَلُّلِ بِالْمَعَاذِيرِ، فَاطْلُبْ بِعِزَّةٍ، فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ.
بُنَيَّ كُنْ لِنَفْسِكَ مِرْآةً تَنْصَحُهَا، وَنَافِذَةً لِلْخَيْرِ تَفْتَحُهَا، وَسُلَّمًا لِلْخُلُقِ تَرْقَى عَلَيْهِ، لَا دَرَكًا بِالدَّنَايَا تَهْوِي إِلَيْهِ؛ فَأَنْتَ لَا تَنْقُصُكَ الْقُدْرَةُ، بَلِ الْقَرَارُ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَكَ، وَبَيْنَ الْمَجْدِ إِلَّا شُعُورٌ بِانْتِصَارٍ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ مِفْتَاحَ الْمَجْدِ، وَمِثَالَ الصِّدْقِ بِالْعَهْدِ؛ فَإِنَّ صَبْرَكَ لَا يُعَدُّ، وَفِي عَيْنَيْكَ أُفُقٌ لَا يُحَدُّ.
قاص من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي