تأملات حول حقوق الأقليات في تونس
بسمة جدلي*
حين يغرق بلد ما في الركود يستطيع المرء أن يهاجر، وحين تصبح الكرة الأرضية كلها مهدّدة فلا يكون في وسعه أن يرحل ليعيش في مكان آخر، وإن شئنا أن لا نرضى بالتقهقر لنا كما للأجيال القادمة، فعلينا أن نحاول تغيير مجرى الأمور[1].
لا مناص من القول في هذا السياق أن الاختلاف حق، نعمة، ولا يفسد للود قضية، بل هو دليل على أن المجتمع يتحرّك ويتفاعل وأن الفرد داخل المجتمع يتميز عن غيره من الأفراد وهذه الديناميكية تحقّق معنى الديمقراطية أمام إيمان هذه المجتمعات بالتعددية والاختلاف، هذا الأخير مكرّس قانونا وبشكل واضح في الدستور التونسي[2] الذي يضمن الحقوق والحريات حيث تمّ التأكيد على الحق في التعددية الفكرية والسياسية وحرية التعبير عن الرأي وحرية المعتقد[3] وبصفة خاصّة أقرّ الفصل السادس من الدستور أن “الدولة راعية للدين وضامنة لحرية المعتقد والضمير والحرية الفردية وحرية التعبير.”
كما يضمن الدستور حرية الصحافة والتعبير والاعلام وهو ما يعزّز تكريس حق الاختلاف والمساواة أمام القانون، ثم إن النظام السياسي التونسي بعد ثورة 2011 قد قام على التعددية الحزبية والاحترام المتبادل بين مختلف القوى السياسية والفكرية، ناهيك عن تكريس حق الاختلاف على الصعيد الدولي أيضا في العديد من الوثائق والمعاهدات الدولية التي تهدف الى حماية حقوق الإنسان وتعزيز الحريات الأساسية[4].
أمام ما ذكر وتقدّم، ليس هناك أي دليل قاطع على أن هذا الحق في الاختلاف مشروط بالكثرة والتعددية، فهو بالتالي ليس حكرا على فئة دون غيرها بل هو موكول للجميع تكريسا لحق المساواة في الاختلاف والإبداع وتقديم ما يميّز الفرد عن غيره، ربما هذه الفئة تكون أقلية وهذه الأخيرة ليست صفة سلبية لتترك جانبا منسية ويتم تجاوزها كما لو كانت “كلمة شاذة”.
إن موضوع حقوق الأقلية ليس مسألة حديثة الوجود اجتماعيا بل إن له أثرا على المستوى التاريخي تحديدا في الفقه الاسلامي، حيث كان يشدّد الاسلام على مبادئ العدل والمساواة يغض النظر عن الدين أو العرق، كما يرفض التمييز العنصري وهو ما نستشفه من الآية الكريمة “يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.[5]”
تؤكد هذه الآية الكريمة أن جميع البشر متساوون في أصلهم وكرامتهم عند الله وأن الفضل بين الناس لا يكون بالعرق أو النسب أو اللون بل بالتقوى والعمل الصالح وهي دعوة لإزالة الفوارق الاجتماعية والتمييز العنصري والقبلي وتعزيز مفهوم الوحدة البشرية والعدالة الالهية.
كما أن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان هناك يهود يعيشون في المدينة وكانوا جزءا من المجتمع، وقع النبي معاهدات معهم مثل “صحيفة المدينة” التي أكدت على حقوق المجتمع بغض النظر عن الدين أو العرق[6] وهو دليل على احترام الأقليات وتعزيز فكرة التعايش المشترك فيما بينهم.
خلافا لتعامل الشريعة الاسلامية مع قضايا الأقليات بلين ورأفة والسعي لمساواتهم بالأغلبية ونبذ التمييز بينهم، فإن القانون الروماني كان يتعامل مع الأقليات بشكل يتراوح بين التسامح والاضطهاد حسب الظروف الاجتماعية والسياسية في كل مرحلة، مثال في بداية القرن الأول الميلادي، تعرض المسيحيون للاضطهاد من قبل الإمبراطورية الرومانية بسبب رفضهم عبادة الأباطرة والآلهة الرومانية التقليدية، كما شهدت الامبراطورية حالات من الاضطهاد ضد اليهود في بعض الفترات خاصّة بعد التمردات التي حدثت ضد السلطة الرومانية مثل ثورة باركو خبا(132-136م).[7]
رغم التقدّم الذي شهدته البلاد التونسية في مجال الحقوق والحريات، الا أن الأقليات سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية مازالت تواجه عديد التحديات في تحقيق تمثيل عادل ومساواة كاملة لها في الحقوق، وهو ما وجب معه التطرق الى هذا الموضوع من خلال نظرة شاملة تأخذ بعين الاعتبار التفاعل بين التنوع الثقافي والديني من جهة وضرورة احترام حقوق الانسان والمساواة أمام القانون من جهة اخرى.
وفي سياق هذا البحث يثار التساؤل حول التوجه التشريعي المعتمد قصد ارساء منظومة متكاملة تكفل حقوق الأقلية بطريقة متوازنة وتضمن ادماجهم في المجتمع ؟
الجواب عن هذه الاشكالية يفترض التطرق في جزء أول الى فكرة العدالة والتوازن في حماية حقوق الأقليات، قصد التوقف في جزء ثان عند الادماج الاجتماعي للأقليات.
جزء أول : العدالة والتوازن في حماية حقوق الأقليات
إن ضمان حقوق الأقليات في المجتمع التونسي وإن كان مسعى تشريعي وقضائي واضح الا أنه يظل مسألة توجب أخذ الحيطة اللازمة عند بسطها وتكريسها في المجتمع حتى لا تعمّ الفوضى ويصبح المجتمع الواحد ساحة وفضاء للإشكالات المتبادلة بين الأقلية والأغلبية.
وهو ما يعني أن حقوق الأقلية يجب أن يتم طرحها بشكل متوازن في المجتمع، يكفل حقوق الفئة المذكورة آنفا، وفي نفس الوقت يحافظ على المعتاد عليه ضمن أغلبية المجتمع، وهذا التوازن المنشود هو بيت القصيد وغاية المشرع التونسي في المراوحة والموازنة بين الحقوق المتضادة أحيانا، لذلك يتجه التعرض الى مفهوم حقوق الأقليات في مبحث أول مرورا بتحقيق التوازن بين حقوق الأقلية والأغلبية في مبحث ثان وصولا الى التحديات في تحقيق العدالة للأقليات في مبحث ثالث.
مبحث أول : مفهوم حقوق الأقليات
الأقلية هي جماعة فردية تضمّ أقل من نصف مجموع أعضاء مجوعة أكبر منها وتكوّن مجتمعا تربطه ملامح تميّزه عن المحيط الاجتماعي، القلة بالتالي هي ما نقص عن النصف وهي نقيض الكثرة الذي هو عادة ما زاد عن النصف[8] الا أن ذلك لا يعني أن الفئة المذكورة يجب أن تكون مضطهدة داخل المجتمع وأن يتمّ قمعها بافتكاك حقوقها وتجاوزها ،لا بل إن الأقلية لهم حق ممارسة حقوقهم شأنهم شأن الأغلبية والتمتع بها تحقيقا لمبدأ المساواة، فالحق هو كل مصلحة يحميها القانون والتي يمكن أن يتمتع بها الفرد أو المجموعة، وهو وسيلة للتعبير عن قدرة الشخص على التصرف ضمن حدود معينة قصد حماية ممتلكاته أو حريته أو حقوقه الشخصية أو أي مصلحة أخرى.
ويتّخذ الحق أشكالا مختلفة مثل الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فليس من المنطق ولا من المفيد أن يقع حرمان الفرد لمجرد كونه “من ضمن الأقلية” من ممارسة مختلف الحقوق المكرّسة قانونا، كالحق في الهوية الثقافية، الحق في التعليم بلغتهم الخاصّة، الحق في المشاركة السياسية، الحق في المساواة أمام القانون، الحق في حرية الدين والمعتقد، الحق في التعبير، الحق في حمايتهم من التمييز.
الأقلية هم فئة من المجتمع (الديمقراطي من المفترض)، فلما يتم نبذهم من ذويهم ؟
بعد ثورة 2011 تمّ تضمين حقوق الأقليات في الدستور التونسي لعام 2014 والذي يعترف بالمساواة بين المواطنين بغض النظر عن الدين، العرق أو المذهب، حيث نصّ الدستور على حماية حقوق المرأة، حرية التعبير، حرية المعتقد، وحقوق الأقليات بشكل عام.
والمقصود بالأقليات هو تلك المجموعات السكانية التي تشكّل جزءا صغيرا من المجتمع ولا تمثّل الأغلبية في مختلف المجالات العرقية، الدينية، اللغوية أو الثقافية، ومن هذا المفهوم الواسع للأقليات يمكن أن نذكر عدّة أنواع:
* الأقليات الثقافية واللغوية، يضمّ المجتمع التونسي أقليات لغوية وثقافية مثل الأمازيغ الذين يعيشون في بعض المناطق الجبلية والجنوبية في تونس، يعود تاريخهم الى آلاف السنين قبل وصول العرب الى المنطقة، ويشكّل الأمازيغ جزءا مهما من الهوية الثقافية والتاريخية لتونس، حيث يتمتعون بتراث غني من اللغة والعادات والتقاليد التي تختلف عن الثقافة العربية السائدة، تعرف اللغة الأمازيغية ب “تشلحيت” أو “تمازيغت” وكانت تٌستخدم على نطاق واسع من المناطق الجبلية والريفية والساحلية لتونس[9].
رغم تأثير العوامل الثقافية والتاريخية الا أن الأمازيغ في تونس قد حافظو على جزء من ثقافتهم ووجودهم من خلال التقاليد الاجتماعية والمهرجانات الخاصّة التي تنظم في بعض المناطق للاحتفاء بهذا التراث.
إلى جانب الأقليات الثقافية واللغوية في تونس، توجد أيضا الأقليات الدينية، ومسألة تحديد مفهوم الأقليات وتعريفها بشكل منضبط من أكثر المسائل تعقيدا ولا تقتصر هذه الصعوبة على الدراسة القانونية فقط بل شملت معظم الحقول المعرفية المعنية بظاهرة الأقليات وذلك بسبب تباين أوضاع الأقليات وعدم اعتماد معيار موحد لوصف جماعة بشرية بالأقلية[10] وقد عرّفتها الموسوعة العربية بأنها “مجموعة من الناس تختلف في سماتها عن المجموعة الرئيسية التي تمثّل غالبية المجتمع، وتعدّ اللغة، المظهر، الدين، نمط المعيشة والممارسات الثقافية لهذه المجموعة من أهم مظاهر الاختلاف”.
والمقصود عموما بالأقلية الدينية هي “كل جماعة عرقية يمثل الدين المقوم الرئيسي بذاتيتها وتميّزها عن غيرها من الجماعات العرقية التي تشاركها ذات المجتمع[11]وفي تونس يمثّل الاسلام الدين الرسمي (للأغلبية الساحقة)، لكن الدستور يعترف بحرية المعتقد وحق ممارسة الشعائر الدينية، لذلك يوجد أقليات دينية في المجتمع التونسي مثل المسيحين واليهود والملحدين.
يعتبر اليهود في تونس مثلا أقلية تحظى بحماية قانونية، يعيشون بشكل رئيسي في تونس العاصمة وجربة، وتعتبر جزيرة جربة مركزا تاريخيا للجالية اليهودية في البلاد، ويعتبر معبد “الغيلان” في جربة من أقدم المعابد اليهودية في العالم، كما توجد بعض المجتمعات اليهودية الصغيرة في مدن اخرى مثل سوسة وصفاقس، وتتمّ حماية هذه الفئة من خلال اتخاذ تدابير أمنية من قبل الحكومة التونسية تتضمّن حماية المواقع الدينية اليهودية والمواطنين اليهود، كما توفر السلطات التونسية حماية مكثّفة للمناطق الحسّاسة مثل المعابد والكنائس، اضافة الى تأمين الحماية الخاصّة خلال المناسبات الدينية، مثل “اليوم اليهودي في جربة” والذي يمثّل حدثا سنويا مهما.
نفس الشيء بالنسبة للمسحيين في تونس، وهم أقلية دينية صغيرة أغلبهم يرتكز في العاصمة تونس وبعض المدن الكبرى مثل سوسة وصفاقس، يمثّلون أفرادا من الطائفة الكاثوليكية وبعض الطوائف البروتستانتية، وأغلبهم من الأجانب مثل الايطاليين والفرنسيين الذين يعيشون في البلاد للعمل أو الدراسة، وتضمن لهم الحكومة التونسية حرية ممارسة شعائرهم الدينية.
ومثلما هناك فئة الأقليات الدينة المتمثلة في اليهود والمسيح، فهناك أيضا الملحدين وهم فئة صغيرة مقارنة بالغالبية المسلمة في البلاد، لكنهم موجودين ولهم بعض الحقوق اذ أن هناك بعض المنظمات التونسية التي تدافع عن حقوق الانسان تعمل على حماية الحريات الدينية والفكرية، بما في ذلك حق الأفراد في التمسك بمعتقدات غير دينية.
إلى جانب الأقليات الدينية واللغوية في تونس، هناك أيضا صنف آخر من الأقليات يتمثّل في فئة المثليين الجنسيين وهو توجه جنسي ينطوي على انجذاب عاطفي وجنسي بين أشخاص من نفس الجنس، بعبارة اخرى ينجذب الشخص المثلي عاطفيا وجنسيا الى أفراد من جنسه بدلا من الجنس الآخر، وهذا التوجه يمكن أن يظهر في سلوكيات، مشاعر، أو علاقات ويعدّ جزءا من تنوع التوجهات الجنسية الاخرى.
والمثلية الجنسية في واقع الأمر ليست خيارا أو سلوكا يمكن تغييره بشكل ارادي، بل هي جزء من هوية الشخص وتكوينه البيولوجي والنفسي، وأصبحت في السنوات الأخيرة معترف بها دوليا كجزء من حقوق الانسان.
إلا أن هذه الفئة القليلة في تونس غير معترف بها، حيث ينبذ المجتمع مثل هذه التوجهات كما يردعهم القانون (سوف يتم التطرق الى هذه الفكرة بالتفصيل والتوضيح في مبحث ثالث خاص بالتحديات التي تواجهها فئة الأقليات)، فالغالب أن مثل هذه الممارسات تتم في سرية تامّة بين الأشخاص.
لئن تعدّدت واختلفت المفاهيم الواسعة لحقوق الأقليات، فإن المطلب المشترك بينهم هو ضمان حمايتهم في المجتمع التونسي، حيث تشكّل هذه الأخيرة عنصرا أساسيا لضمان الاستقرار الاجتماعي والتنوع الثقافي في تونس، فتمكين هذه الفئات من ممارسة حقوقها بكل حرية يساهم في تعزيز التعايش السلمي والحفاظ على النسيج الاجتماعي المتماسك.
لكن يبقى التساؤل مطروحا حول مدى امكانية تحقيق التوازن بين حقوق الأقلية والأغلبية في المجتمع ؟
مبحث ثان: تحقيق التوازن بين حقوق الأقلية والأغلبية
يتطلب تحقيق العدالة للأقليات في تونس موازنة دقيقة بين حمايتهم والحفاظ على وحدة المجتمع، فمن الضروري منح الأقليات حقوقها الثقافية واللغوية دون أن يؤدي ذلك الى خلق تفرقة أو توترات داخل المجتمع.
وقد كرّس دستور 2014 مبدأ المساواة وعدم التمييز، اضافة الى بعض المبادرات المدنية التي تسعى الى تعزيز الوعي بحقوق الأقليات ودورها في المجتمع، كما تلتزم تونس بالعديد من الاتفاقيات الدولية التي تعزّز حقوق الأقليات مثل الإعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تلعب الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان دورا في مراقبة مدى احترام تونس لالتزاماتها في هذا المجال.
ومثلما تسعى الدولة التونسية الى حفظ حقوق الأقليات منذ ثورة 2011 أين شهدت عديد التغيرات في العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الانسان والحرية الشخصية، فإن التحديات مازالت قائمة في تحقيق التوازن الكامل بين حقوق الأقلية والأغلبية، فمثلما يحقّ للأقلية ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم وحقوقهم، يقوم الحق أيضا للأغلبية في الحفاظ على الموروث الثقافي والديني والاجتماعي الموجود والذي تمتاز به النسبة السكانية الساحقة في المجتمع.
بالتالي، كثيرا ما يواجه الأفراد من الأقليات ضغوطا اجتماعية، حيث يميل المجتمع الى الحفاظ على التقليد الثقافي والديني السائد، ويمكن أن يؤدي ذلك الى عزلة أو تهميش لأولئك الذين لا يتبعون ما هو سائد وشائع[12].
وهذا التناقض بين مطالب الأقلية والأغلبية من شأنه أن يخلق الفجوة التي يضيع بينها التوازن المنشود، خاصّة فيما يتعلق بالقضايا الدينية والفكرية نظرا لطابعها الحسّاس، ففي الوقت الذي يضمن فيه الدستور حرية المعتقد، فإن القوانين المتعلّقة بالدين مثل “ازدراء الأديان” قد يُستخدم لتقييد حرية التعبير بالنسبة لأولئك اللذين يتبنون آراء مختلفة، هذه القوانين من شأنها خلق التوتر بين ضمان حقوق الأقليات وحق الأغلبية في الحفاظ على النظام الديني والاجتماعي.
كما أن هناك تحدي آخر يتمثّل في ارتفاع مستويات التطرف الديني في بعض الأوساط التي تسعى للضغط على الأقليات أو تهديدهم، وهو ما يوجب على الحكومة والمجتمع المدني تحقيق التوازن بين مكافحة التطرف وحماية حقوق الأقليات، ثم إن المجتمع التونسي تقوده الأغلبية السكانية بهويتها وعاداتها وتقاليدها ودينها الحنيف وهو ما يصعب معه التغيير والخضوع لما هو غير مألوف وخاصّة عندما تأتي من فئة قليلة من المجتمع.
لكن الأمر بخلاف ذلك بخصوص فئة الأمازيغ وهم في واقع الأمر ليسوا أقلية بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما هم أصولنا وجذورنا التي انحدرنا منها فهم السكّان الأصليين لتونس ودول شمال افريقيا عموما (المغرب، ليبيا، الجزائر، موريتانيا)، لكن اللغة الأمازيغية وبالرغم أنها كانت واحدة من اللغات الرئيسية في شمال افريقيا إلا أنها تعرّضت للانقراض أو التهميش ولم تعُد مستخدمة بسبب الاحتلالات الأجنبية من ناحية وانتشار اللغة العربية في القرن السابع ميلادي بشكل كبير في شمال افريقيا، حيث أصبحت اللغة العربية هي لغة الدين والتعليم.
بناء عليه أصبح المتحدثون باللغة الأمازيغية يشكّلون فئة قليلة من المجتمع، وهو ما من شأنه أن يخلق عدم التوازن في المجتمع بين الأغلبية المتحدثة باللّغة العربية حيث يتمّ تدريسها وتلقينها وبين فئة من المجتمع تُجيد الأمازيغية كلغة أصلية لها، اذ يصعب التوافق بينهما على المستوى الواقعي، فلا نعتقد اليوم أن المجتمع التونسي بعد أن أصبح متحضرا باللّغات الأجنبية ومتقنا لها وكذلك اللّغة العربية أن نجده يتحدث اللّغة الأمازيغية، وفي الآن ذاته نجد فئة قليلة من المجتمع لا تُتقن الا اللّغة الأمازيغية، فأي تكامل وأي انسجام قد يطال الفئتين؟
يبدو أنه أمر يعسر التوصل اليه ويصبح معه التوازن أمرا منشودا، وهذه الصعوبة المطروحة تزداد شدّة مع وجود فئات اخرى من المجتمع لا نعلم إن مازالت فئة قليلة في المجتمع التونسي أم أنها تنسج نحو الكثرة والتعددية، وهم أصحاب الرايات أو كما يُطلق عليهم “المثليين الجنسيين”.
وتعتبر المثلية الجنسية من المواضيع الحسّاسة في المجتمع التونسي الذي أغلبية سكانه يعبدون الدين الاسلامي ويقدسونه ومازال هذا المجتمع يحمل في ثقافته ومعاييره الاجتماعية رفضا قويا للمثلية اذ تُعتبر مخالفة للقيم الدينية والتقاليد الاجتماعية، وبينما تُبذل جهود قوية من قبل منظّمات حقوق الانسان لتحسين وضعهم (المثليين) يظل تحقيق التوازن بين حماية حقوقهم وبين الحفاظ على تقاليد الأغلبية تحدّيا صعبا.
فيما عدا ذلك، فإن المجتمع التونسي يمكن أن يخطو نحو تحقيق التوازن بين الأقلية والأغلبية حيث حقّقت البلاد بعض التقدّم في مجال حقوق الانسان، والدستور التونسي يضمن الحريات الأساسية للأفراد بغض النظر عن الدين وهناك عدد من المنظمات الحقوقية التي تعمل على تحسين الوضع من خلال الدعوة إلى احترام حقوق الأقليات.
بصرف النظر عن تحقيق التوازن من عدمه بين حقوق الأقلية والأغلبية، فإن مسألة العدالة الممنوحة لهذه الفئة لم تتحقّق على أرض الواقع ولم تصل الأقلية الى مبتغاها في نيل حقوقها على الصعيد الواقعي.
مبحث ثالث : التحديات في تحقيق العدالة للأقليات
رغم الاطار القانوني الداعم للأقليات، تواجه هذه الأخيرة في تونس عدّة تحديات تختلف باختلاف الحالات وطبيعة الحقوق المزمع حمايتها.
أولا، بالنسبة لحقوق الأقليات الثقافية واللّغوية، فبالرغم من وجود إقرار دستوري بالمساواة بين المواطنين وحرية التعبير دون تحديد أي لغة يتمّ بها هذا التعبير الحرّ عن الرأي[13]إلا أنه لم يتمّ تطبيق ذلك على أرض الواقع بالنسبة إلى فئة الأقلية من الأمازيغ في تونس، اذ قد تواجه هذه الأخيرة عديد الصعوبات في الوصول إلى العدالة في التعليم أو في القضاء وكذلك في التعبير عن الرأي بلغتهم، ذلك أن لغة التدريس الرسمية في تونس هي اللّغة العربية، ولئن ظهرت مبادرات لتعليم اللّغة الأمازيغية سابقا إلا أنها لم تتّخذ شكلا رسميا.
وبالنسبة الى القضاء التونسي فقد يتعامل مع قضايا تتعلّق بالحقوق اللغوية في حال حدوث نزاعات بين الأطراف، لكن لا تزال هذه القضايا في مراحل أولية حيث لا توجد قوانين واضحة تنظّم حقوق الأقليات اللّغوية بشكل مفصّل.
نفس الشيء بالنسبة الى المحكمة الدستورية، اذ لم تبتّ في القضايا المتعلقة بالحقوق اللّغوية حتى الآن، لكن يمكن تصوّر أنه اذا تمّ رفع قضايا قانونية تتعلّق بتطبيق الحقوق اللّغوية فسيكون للمعايير الدستورية دور هام في تحديد ما اذا كان هناك تمييز ضدّ الأقليات اللّغوية.
على الرغم من أن الدستور التونسي يضمن المساواة بين المواطنين بشكل عام، الا أن حقوق الأقليات اللّغوية مثل الأمازيغ قد تحتاج الى توجيه خاص من قبل النظام القضائي لتعزيز الاعتراف بها.
ثانيا، أمّا بالنسبة إلى الأقليات الدينية، فلئن كان النظام القضائي التونسي يعترف بحرية الدين[14]الا أنه في بعض الأحيان قد تواجه الأقليات الدينية تحدّيات في تطبيق هذه الحقوق على الأرض، خاصّة فيما يتعلق بحرية ممارسة الطقوس الدينية أو التبشير، ومع ذلك لا توجد قوانين تمييزية ضدّ الأقليات الدينية بشكل صريح.
ثالثا، الأقليات الاجتماعية المختلفة (المثليين)، يواجه الأشخاص الذين يُعبرون عن ميولهم الجنسية على النحو المذكور عديد التحدّيات القانونية والاجتماعية:
على الصعيد القانوني: تُعتبر المثلية الجنسية جريمة نصّ عليها الفصل 230 من المجلة الجزائية التونسية[15]، وهو ما يعني أن المثلية الجنسية تُعتبر مخالفة قانونية ولا يوجد في القوانين التونسية ما يضمن حقوق الأفراد المثليين أو يعترف بوجودهم كمجموعات ذات حقوق قانونية خاصّة، ويتعامل القضاء مع هذه الفئة بطريقة حازمة حيث يتم محاكمتهم بناء على أحكام الفصل 230 المذكور آنفا ويستند في بعض الحالات لكشف الميول الجنسي للفرد على عدّة أدلة مثل “الفحص الشرجي”، الا أن بعض المنظمات الحقوقية تعتبره انتهاكا لحقوق الانسان، لكنه ليس كذلك في واقع الأمر مادام يؤدي وظيفة الاثبات باعتباره وسيلة قضائية (اختبار) كاشفة للحقيقة (الضرورات تبيح المحظورات).
أمّا على الصعيد الاجتماعي، فتعتبر المثلية الجنسية مُحرّمة اجتماعيا في تونس اذ يهيمن على المجتمع التونسي فهم ديني وثقافي يتعارض بشكل كبير مع امكانية قبول المثلية، وهذا الرفض الاجتماعي ينعكس على النظام القضائي حيث يضغط على الأفراد المثليين للإخفاء أو التراجع عن ميولهم الجنسية خوفا من العقوبات القانونية أو التمييز الاجتماعي، ثم إن المؤسسات الاجتماعية والعائلية تلعب دورا كبيرا في التأثير على كيفية تعامل الأفراد مع ميولهم الجنسية ممّا يؤدي الى ضغوط كبيرة قد تؤثر على قرارات القضاء في بعض الحالات.
تظلّ المثلية الجنسية جريمة بموجب القانون التونسي، ممّا يُعرض الأفراد المثليين لمخاطر قانونية واجتماعية، فرغم وجود دعوات لإلغاء القوانين التي تُجرم المثلية الجنسية، فإن التغيير القضائي والتشريعي في هذا المجال لا يزال بعيدا، وهو ما يتطلّب جهدا اجتماعيا وقانونيا مستمرا لتحقيق العدالة والمساواة لجميع المواطنين بغض النظر عن ميولهم الجنسي.
تظلّ الأقلية فئة اجتماعية شأنها شأن أي فرد داخل المجتمع الواحد يُناشد حقوقه الأساسية في دولة الديمقراطية، من خلال ادماجه في المجتمع بشكل ناجع يضمن معه تحقيق مفهوم المواطنة الذي يرتكز على ثنائية الحقوق والالتزامات.
جزء ثان : إدماج الأقليات في المجتمع
يعتبر إدماج الأقليات في تونس من القضايا الحيوية التي تتطلب اهتماما خاصّا نظرا لأثرها العميق في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتعميق مفهوم المواطنة المتساوية، وتكمن هذه الأهمية في عديد المستويات يتجه التعرض اليها تباعا ضمن مبحث أول قصد التوصّل الى آليات هذا الادماج في مبحث ثان والتحديات التي قد تعترضه في مبحث ثالث.
مبحث أول : أهمية إدماج الأقليات في تونس
ان إدماج الأقليات في تونس ليس فقط مسألة حقوق انسان بل يشمل أيضا تعزيز التنوع الثقافي والاجتماعي، وهو ما يساهم في بناء مجتمع أكثر تلاحما وشمولية، وتونس مثل غيرها من الدول تضم مجموعة من الأقليات سواء كانت دينية، لغوية، أو ثقافية.
يعتبر دمج الأقليات في مختلف مجالات الحياة (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية) خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع المواطنين، كما أن إدماج الأقليات في تونس يعتبر جدّ مهم لتحقيق التنمية المستدامة، فهذه الفئة يمكن أن تسهم وبفاعلية في النمو الاقتصادي والتقدّم الاجتماعي من خلال استثمار امكانياتهم، كما أن ذلك من شأنه تعزيز ثقافة الاحترام والتفاهم المتبادل بين جميع فئات المجتمع التونسي ويحدّ من التوترات والصراعات التي قد تنشأ نتيجة التهميش والتمييز[16].
بيت القصيد، إدماج الأقليات في تونس يحمل أهمية كبيرة على عدّة مستويات اجتماعية، ثقافية واقتصادية:
على المستوى الاجتماعي: يُسهم الادماج في تعزيز التنوع الاجتماعي والثقافي حيث تتمتع تونس بتنوع ثقافي وإدماج الأقليات من شأنه الحفاظ على هذا التنوع وتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل بين مختلف فئات المجتمع.
كما أن إدماج الأقليات في تونس من شأنه أن يعزّز حقوق الانسان ويسهم في بناء مجتمع عادل يتساوى فيه الجميع، بغض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق.
أمّا على المستوى الاقتصادي، فإن دمج الأقليات في سوق العمل والتعليم والمجالات الاقتصادية يعزّز الانتاج والابتكار ويخلق بيئة أكثر تنافس، ذلك أن خلق فضاء يشجّع على التنافس من شأنه أن يعزّز فرص الابداع والابتكار أكثر نحو التجديد والتغيير، ثم إن استغلال مهارات وطاقات مختلف الفئات يزيد من النمو الاقتصادي.
ثم إن إدماج الأقليات في المجتمع من شأنه أن يساعد على الاستقرار السياسي والاجتماعي، بالمقابل عدم الإدماج يؤدي الى تهميش هذه الفئات وهو ما قد يؤدي الى خلق توترات اجتماعية وسياسية.
دمج الأقليات بالتالي يؤدي الى تعزيز الهوية الوطنية حيث تصبح هذه الأخيرة أكثر تنوعا وشمولية، وهو ما من شأنه أن يُسهم في تعزيز الانتماء الى الوطن والتعايش السلمي، باختصار، إن دمج الأقليات في تونس ليس فقط مسألة حقوقية وأخلاقية، بل هو ضرورة قصوى لتحقيق التقدّم والتنمية المستدامة في جميع المجالات، لذلك جعل التشريع التونسي لحقوق الأقليات اطارا قانونيا يدعّمها ويُعزّز وجود هذه الفئات في المجتمع.
وهو ما يبدو جلياّ من خلال تًرسانة القوانين التي صدرت على المستوى المحلي مُنادية بحفظ وحماية حقوق الأقلية بصرف النظر عن خلفياتهم، على غرار دستور 2014 ضمن فصليه 21 في اطار مبدأ المساواة و 2 الذي يكرّس حماية اللّغة والثقافة، الى جانب القانون المتعلق بمكافحة التمييز العنصري(القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 اكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري) وهو يمثّل خطوة هامة نحو حماية الأقليات من خلال تجريم كل أشكال التمييز العنصري على أساس العرق أو اللون، كذلك قانون حقوق المرأة (عدد 58 لسنة 2017)، قانون الجمعيات عدد 88 لسنة 2011 الذي يضمن حرية تكوين الجمعيات والتعبير عن الرأي، قانون الانتخابات عدد 16 لسنة 2014 الذي ينص أن كل التونسيين بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو الدينية أو الثقافية لهم حق الترشح والمشاركة في الانتخابات، هذا الى جانب الهيئة العليا لحقوق الانسان والحريات الأساسية التي تمّ تأسيسها بموجب دستور 2014 وتعمل على تعزيز وحماية حقوق الانسان في تونس، كذلك القانون المتعلق بالمساواة في الارث 2018 وهو مشروع قانون المساواة في الإرث يهدف الى تعزيز المساواة بين الجنسين في توزيع الإرث، أيضا قانون حقوق الأشخاص ذوي الاعاقة حيث يُوفر هذا القانون للأقليات ذات الاعاقة الجسدية أو الذهنية حق التعليم، العمل، النقل والاعلام.
كما أن عدم دمج الأقليات في المجتمع من شأنه أن يجعل الساحة القضائية فضاء ومساحة لتداخل مختلف المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على المستوى الوطني والدولي وكذلك المنظمات والجمعيات الداعمة لحقوق الأقلية، ومن ضمن المؤسسات الحكومية نذكر البرلمانات والهيئات التشريعية التي تقوم بوضع قوانين وسياسات تتعلق بحقوق الأقلية، أمّا بالنسبة الى المنظمات الحكومية فيمكن أن نشير الى منظمة الأمم المتحدة(UN) التي تلعب دورا كبيرا من خلال هيئاتها مثل المفوضية السامية لحقوق الانسان (OHCHR) التي تعمل على حماية حقوق الأقليات حول العالم، كما تعمل اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري (CERD) على تنفيذ معاهدات حقوق الانسان المتعلقة بالتمييز العنصري، هذا الى جانب منظمة العفو الدولي التي تركز على الدفاع على حقوق الانسان، كذلك المنظمات التي تعمل على مراقبة انتهاكات حقوق الأقليات في العديد من الدول وتقديم التقارير التي تسلط الضوء على معاناتهم، وهناك ايضا منظمات غير حكومية[17] تحمي حقوق الأقليات من المؤكد أنها سوف تتداخل بدورها في هذا النوع من القضايا.
بالتالي فإدماج الأقليات في المجتمع التونسي يعتبر ضرورة حتمية، ومن هنا يثار التساؤل حول آليات هذا الإدماج.
مبحث ثان : آليات إدماج الأقليات
إن إدماج الأقليات في تونس يتطلّب العديد من الآليات القانونية والاجتماعية التي تهدف الى تعزيز حقوق الأقليات وحمايتها من التمييز والاضطهاد:
على المستوى القانوني، يضمن دستور 2014 حقوق الأقليات بشكل عام حيث تضمّن الفصل 21 منه أنه تُضمن المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز كما تم إدراج قوانين تحضر التمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو اللّغة أو أي اختلاف آخر.
أمّا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فيحصل إدماج الأقليات من خلال التعليم والتوعية أولا ، لذك يتّجه العمل على نشر ثقافة التنوع والاحترام لحقوق الأقليات وذلك من خلال المناهج التعليمية والتوعية، واقامة حملات توعوية على مستوى المجتمع المحلي لمكافحة الكراهية والتعصب.
ومثلما للتعليم دور مهم في ادماج الأقليات فإن التوظيف والمساواة في فرص العمل لا يقل أهمية عن ذلك، حيث يتّجه تفعيل القوانين التي تضمن تكافئ الفرص في العمل واتباع الاجراءات الادارية اللازمة للمساهمة في إدماج الأقليات في مختلف قطاعات المجتمع.
كما يجدر اتباع سياسة التوظيف العادل للأقليات ورفع مستوى تمثيلهم في الوظائف الحكومية والخاصّة للدولة، اذ ليس من المنطق ولا من المفيد أن يتم اقصاء الفرد لمجرد كونه من فئة قليلة في المجتمع، اذ من حقه العمل والمشاركة في الحياة السياسية وأن يشغل كذلك مناصب سيادية، أو تخصيص مقاعد في البرلمان أو البلديات لأفراد ينتمون الى هذه الفئات، كما يمكن تنظيم ورشات ودورات تكوينية للأقليات لتعليمهم كيفية المشاركة في العمليات الانتخابية، واطلاعهم على حقوقهم السياسية وزيادة وعيهم بالوسائل الديمقراطية المتاحة لهم.
كل ما سبق وتقدّم ذكره من آليات لدعم إدماج الأقليات في المجتمع وتعزيز دورهم لا يقل أهمية عن دور الإعلام في تحقيق هذا الأمر المنشود (الإدماج)، فالإعلام هو مرآة تعكس وجود الفئات القليلة في المجتمع وحقيقتهم، لذلك يجب أن يكون محايدا وذلك من خلال توفير منصات للأقليات للتعبير عن قضاياهم وهمومهم مع ضمان أن تكون هذه المنصات محايدة وبعيدة عن خطابات التحريض والكراهية ضد أي فئة من المجتمع.
يلعب الإعلام دورا مهما في تقديم نماذج ايجابية لأفراد من الأقليات الذين حققوا نجاحا في مجالات مختلفة مثل الفن، السياسة، أو الاقتصاد وهو ما يُعزّز قبول المجتمع لهم ويحفز الأجيال القادمة.
إن تطبيق مختلف هذه الآليات (الاعلام، التعليم والتوعية، تكريس مبدأ تكافئ الفرص في سوق الشغل وإدماج الأقليات في الحياة العملية وتقليدهم مناصب سياسية في الدولة) يستوجب إرادة سياسية قوية، بالإضافة الى مشاركة من المجتمع المدني والمنظمات الحكومية والقطاع الخاص نحو تحقيق المذكور أعلاه بشكل يتناسب و فكرة تحقيق الفلسفة المنشودة في المراوحة والموازنة بين مختلف المصالح والحقوق المتضادة بين الأقلية والأغلبية في مجتمع تتحقّق فيه معالم الديمقراطية.
عموما، إن إدماج الأقليات في المجتمع التونسي يتطلّب عملا جماعيا يعكس قيم الحرية والمساواة والتسامح التي كرّسها الدستور التونسي بعد ثورة 2011.
ورغم أهمية إدماج الأقليات في المجتمع والاطار القانوني الداعم لها وتكاتل الآليات المتحدة لتطبيقه، الا أن هذه الفكرة مازالت تواجه عديد التحديات في الواقع.
مبحث ثالث: تحديات إدماج الأقليات
تعتبر قضية إدماج الأقليات في تونس من المسائل الهامة والمعقّدة خاصّة متى اعترضتها عديد التحديات المعرقلة لها، فالبلاد التونسية شأنها شأن العديد من الدول الاخرى قد تواجه عديد الصعوبات في تحقيق التكامل الفعلي لجميع فئات المجتمع خصوصا الأقليات التي قد تواجه تهميشا أو تفرقة في بعض الأحيان، وتتراوح هذه التحديات بين ما كان منها اجتماعيا ثقافيا، اقتصاديا وسياسيا.
على المستوى الثقافي والاجتماعي: قد يواجه الأقليات في تونس مثل الأمازيغ، اليهود والمهاجرين صعوبة في الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية في المجتمع التونسي الذي يغلب عليه الطابع العربي و الاسلامي وهو ما يعني أنهم قد يعانون من التهميش الاجتماعي والثقافي.
رغم أن البلاد التونسية قد شهدت بعض التّقدم في مجال حقوق الانسان، لكن لا تزال هناك قضايا متعلّقة بالحريات الثقافية والدينية خاصّة عندما يتعلّق الأمر بممارسة الطقوس الدينية أو الحفاظ على اللّغات المحلية، فالتمييز العنصري والديني مازال يمثّل تحدّيا للأقليات وخاصّة المهاجرين، كما أن بعض الأقليات الدينية مثل المسيحيين واليهود قد يواجهون تفرقة اجتماعية بما في ذلك في مجالات التعليم أو فرص العمل.
ثم إن المجتمع التونسي يبقى في حاجة ماسة الى التوعية والتثقيف، اذ تعتبر قلّة الوعي بحقوق الأقليات وضرورة تعزيز التعايش السلمي بينهم وبين الأغلبية من أبرز التحديات الأساسية التي قد تواجه فكرة إدماج الأقليات في المجتمع نتيجة النقص في البرامج التربوية التي تُركّز على التّنوع الثقافي والعرقي وهو ما يؤدي الى تعزيز التفرقة بدلا من الوحدة.
أمّا على المستوى الاقتصادي: فقد نجد الأقليات تواجه صعوبة في الوصول الى فرص العمل والتعليم بشكل متساوٍ مع الأغلبية، وهذا التمييز قد يكون مردّه التقاليد الاجتماعية أو القوالب المُسبقة التي قد تساهم في رفض الأشخاص من أقليات معينة لأسباب غير موضوعية، في بعض الأحيان قد يواجه الأفراد من الأقليات صعوبة في الحصول على الوظائف العامّة أو في التقدّم في مسارهم المهني بسبب هذه الخلفيات.
تنسحب تحديات إدماج الأقليات أيضا على المستوى السياسي، فرغم وجود بعض المحاولات لتحيين تمثيل الأقليات في المؤسسات السياسية الا أن هناك تحديات مستمرة في تمثيلهم بشكل عادل في المناصب السياسية والقيادية، وهو ما من شأنه التأثير على وجودهم ومشاركتهم في القرارات السياسية التي تتعلق بحقوقهم واحتياجاتهم.
قائمة المراجع
* المؤلفات المختّصة
– أحمد محمد عثمان ادريس: الأقليات المضطهدة في العالم، القاهرة ،مركز ابن خلدون 1996
– العربي العقون: الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول والهوية، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، طبعة أولى 2010
– بسيوني محمد شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الانسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة 2003
– شعبان الطاهر الأسود: علم الاجتماع السياسي، قضايا الأقليات بين العزل والاندماج
– صلاح الدين زيدان، كتاب دراسات في تاريخ الامبراطورية الرومانية
– علي راتسي : التعددية الثقافية، مقدمة قصيرة جدا
– محمد سمير الموصللي : كتاب الأقليات والأكثرية والحضارة العالمية، مكتبة نور القاهرة
*المقالات
– رقية السالمي: المتحولون الى المسيحية من التونسيين، غياب التأطير والجهل بتعاليم الاسلام والاستقطاب الذي تمارسه المجموعات التبشيرية، موقع باب نات 9 أفريل 2016
– صبرين الجلاصي : مقال الأقليات الدينية ،قراءة مفاهيمية ،تونس دراسة حالة
*التشريعات الوطنية والدولية
– الدستور التونسي لسنة 2014
– المجلة الجزائية التونسية
– الإعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) المادة 19
– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) المادتين 18 و 19
– الاتفاقية الأوربية لحقوق الانسان (1950) المادة 10
– الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب (1981) المادة 8
[1] – محمد سمير الموصللي : كتاب الأقليات والأكثرية والحضارة العالمية، مكتبة نور القاهرة 2020 ص 2
[2] – دستور 2014
[3] – التوسع في مساحة حق الاختلاف في مختلف الميادين الاجتماعية والسياسية
[4] – الاعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) المادة 19
– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) المادتين 18 و 19
– الاتفاقية الأوربية لحقوق الانسان (1950) المادة 10
– الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب (1981) المادة 8
[5] – سورة الحجرات : الآية 13
[6] – بسيوني محمد شريف، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الانسان، المجلد الثاني، دار الشروق، القاهرة 2003
– في نفس السياق يمكن الرجوع أيضا الى كتاب الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد بن منيع الزهري، الجزء 7
[7] – صلاح الدين زيدان، كتاب دراسات في تاريخ الامبراطورية الرومانية
[8] – أحمد محمد عثمان ادريس : الأقليات المضطهدة في العالم، القاهرة ،مركز ابن خلدون 1996 ص 130
[9] – العربي العقون: الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول والهوية، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، طبعة أولى 2010 ص 35
[10] – رقية السالمي: المتحولون الى المسيحية من التونسيين، غياب التأطير والجهل بتعاليم الاسلام والاستقطاب الذي تمارسه المجموعات التبشيرية، موقع باب نات 9 أفريل 2016
[11] – صبرين الجلاصي : مقال الأقليات الدينية ،قراءة مفاهيمية ،تونس دراسة حالة
[12] – شعبان الطاهر الأسود: علم الاجتماع السياسي، قضايا الأقليات بين العزل والاندماج ص 15
[13] – الفصل 37 من الدستور التونسي: “حرية الرأي والفكر والتعبير والاعلام والنشر مضمونة…”
[14] – الفصل السادس من الدستور التونسي
[15] -الفصل 230 من المجلة الجزائية : “اللواط أو المساحقة اذ لم يكن داخلا في أي صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة يعاقب مرتكبه ، بالسجن مدة ثلاثة أعوام”
[16] – علي راتسي : التعددية الثقافية، مقدمة قصيرة جدا ، ص 97
[17] – منظمة حقوق الأقليات Minority Right Group
– مؤسسة الدفاع عن حقوق الأقليات (تعمل على توفير الدعم القانوني والاستشارات للأقليات المضطهدة)
– جمعيات حقوق الانسان المحلية
ناقدة من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
