الرئيسية / الأعداد / رواية “معبر زوج أبطال” بين سؤال الفلسفة وأسئلة المعيش. – عمرو گناوي

رواية “معبر زوج أبطال” بين سؤال الفلسفة وأسئلة المعيش. – عمرو گناوي

رواية “معبر زوج أبطال” بين سؤال الفلسفة وأسئلة المعيش

عمرو گناوي*

تطالعنا الأديبة المغربية الناشئة عبير عزيم، بروايتها     “معبر زوج أبطال”، الصادرة عن منشورات النورس سنة 2025.  بعد صدور رواية “زوج بغال” للكاتب الجزائري بومدين بلكبير. سنة 1994. وهو الاسم الذي اشتهرت به المنطقة الحدودية الفاصلة بين المغرب والجزائر.
وحتى نتلمس أوجه التلاقي بين الروايتين، نورد بعض أسباب  نزولهما. جاء في مستهل محكي سارد رواية “زوج بغال”، ما نصه :
(“أما أنا فكنت أتألم داخلي بعمق كلما أسمع الأطفال يرددون تلك الأغنية : “يا طيارة نعلبوك جيبي بابا من المروك”.)

من هذا الاستهلال، نستشف قرابة ما للنصين السرديين من وشائج، وما يحملانه من بلاغة رمزية وشعرية، ومدى علاقة الواحد منهما بالآخر، ذلك أنهما يؤسسان لأحداث مأساوية تجرع مرارتها كل من الشعبين الجزائري والمغربي، بعد إغلاق الحدود بينهما، على امتداد ما يزيد على خمسين سنة، بكل ما ترتب عن ذلك الإغلاق الجائر من انعكاسات سلبية، وأضرار نفسية واجتماعية بالغة الندوب.
ورغبة في المزيد من الإحاطة والاستيضاح، نجدد التذكير بأسباب نزول الروايتين :
* “معبر زوج أبطال” تعالج حادث مراكش أسني سنة 1994، والذي أغلقت بموجبه الحدود بين المغرب والجزائر.
* “زوج بغال” تشكل  بادرة من الكاتب الجزائري، بومدين بلكبير النبيلة، يلح فيها على إعادة العلاقة بين البلدين الشقيقين  إلى سابق عهدها.
يقول الكاتب الجزائري بلكبير بومدين، معللا مقصدية كتابة روايته، معتبرا إياها “محاولة إذابة جبل الجليد بين المغرب والجزائر”(رواية. زوج بغال.. ظهر الغلاف). وهو التعليل نفسه الذي ينسحب على رواية “معبر زوج أبطال”. لعبير عزيم.

فهل تجود السماء بالفتح حين تتحول “زوج بغال” إلى “معبر زوج أبطال”، كما تحلم بذلك رواية الكاتبة؟
سؤال يحمل في طياته، من الوجاهة ما تستهويه ذائقة كل متلق وكل قارئ للرواية . وبمجرد الجواب عنه، يصبح مرخصا جدا بجواز استبدال “زوج بغال”، رمز القطيعة  والهنجهية والتهور، برمز “معبر زوج أبطال”، رمز التحدي وفتح جسور التواصل، وترجمة المواقف إلى أفعال بطولية،   وسلوكات تطفئ النار قبل اشتعالها. وفي حالة تحقق هذا الحلم، نكون قد دفنا الماضي، واستشرفنا آفاقا مزهرة، يعود فيها كل أليف إلى أليفه، ونكون قد أسسنا لبناء مستقبل مشرق،  تذوب فيه الخلافات، وتندثر المآسي، وتفتح الحدود بين البلدين، وتزكو العلاقة بانتشار مظاهر المحبة والوئام بين الشعبين الشقيقين. كما تروم الرواية رسم معالمها وعوالها.
حول “معبر زوج أبطال” :
تحرص الكاتبة في روايتها، عبر مجموعة من المحكيات، على إضفاء الموضوع “،طابعا إنسانيا، محددة أسباب ومسببات تدهور العلاقة بين الشعبين الجزائري والمغربي ، إثر أغلاق الحدود بينهما منذ سنة 1994. وصولا إلى ما نجم عن قرار  الإغلاق من مخلفات غير مسبوقة، وقد ارتأت الكاتبة إعادة فتح المعبر في رؤية حالمة صيغت على شكل رواية بوليفونية  تساهم في نسج حواريتها مجموعة من الاصوات على اختلاف انتماءاتها وأجناسها وجنسياتها. وتكمن الغاية من تناول الموضوع ، الجمع بين تحقيق إمتاع القارئ، واطلاعه على عالم يعج بالمآسي والانكسارات.
وأول ما يواجهنا في رواية” معبر زوج أبطال”، على مستوى البناء، عتبة الإهداء، ذات شقين : شق تستبق  فيه الكاتبة فرحتها بأي منخرط في قراءة عملها/حلمها.
وشق تبدي فيه برورها بأبيها/ معلمها، مشيدة بأفضاله ودوره في تربيتها وإنارة ما اسود من دروبها.

وبمجرد انخراطنا في هذا العالم الحالم،، ينفتح امامنا فضاءان مركزيان، يشكلان بؤرة الأحداث  : فضاء مكان “معبر” وكل ما يستتبعه من أفضية منفتحة ومنغلقة كالمدرسة والمنزل  والمستشفى، وغريها.
ف”معبر”، الذي يشكل مركز الصراع بين الجزائر والمغرب، سوف يتحول من مركز حدودي، منغلق متوقف الحركة، إلى فضاء فني إنساني يعج بالأحداث الدرامية والهموم الإنسانية، حد اعتباره بطلا في الرواية.  وبما ان المكان في العمل السردي هو رديف للزمان، لما يجمعهما من تجذر في العلاقة، فإن الحديث عن الواحد منهما يصبح حديثا عن الآخر بالضرورة. وبناء على هذه الأهمية من العلاقة، سيحيلنا السارد، في حديثه عن الزمان، على بعدين أساسيين من أبعاده : بعد  تاريخي، ممثلا في أحداث أسني 1994، وبعد نفسي، تستمر مضاعفاته شاهدا على معاناة  جانبي المعبر، وديمومة جروح المتضررين من البلدين.
وقد استطاعت الكاتبة ان توظف عنصري الزمكان بشكل  فني لافت، رسمت بموجبهما خيوط عنكبوتية، زادت من محاصرة الشعبين، فطوحت الأقدار  بمعيش  فئات عريضة  من مختلف الأعمار. وقد استطاعت الكاتبة، رغم جدة تجربتها طراوة عودها وجدة تجربتها أن تقدم عملها السردي  بحس نقدي مرهف،  به من الإصرار ما يمكن من تحقيق حلمها وتجاوز محنة الشعبين، بكل ما يعانيانه من مآسي حارقة، على امتداد إغلاق الحدود لعقود خلت.
وقد وجدنا في  عنصر الزمان  ما يحيلنا، منذ بداية الرواية، على زمنين مختلفين، أو كتابين مختلفين بتقدير  يوسف.
* زمن مضى وانقضى، بكل أحداثه وأثقاله، وحمولاته  ومعاناة شخوصه، وهو ما يمثل الكتاب الاول من حياة يوسف
* وزمن راهن سرعان ما بدأ في التشكل، منذ اللحظة التي اجتاز السارد فيها غمار امتحانات البكالوريا، ورغبته الملحة في استشراف مستقبل مأمول يمثل كتابه الثاني ، يقيه حر الواقع وقساوة المعيش. يقول السارد في حديثه عن الزمنين :”ها قد توقف الزمن على أعتاب لحظة حاسمة  (ص: 5)، إنها محطة تؤشر على ترقب الآتي، انسجاما مع مبدأ التحول الذي دعا إليه هيراقليطس(Heraclis)،  ناصا على أن الإنسان قابل للتحول وانه “لا يسبح في النهر مرتين”. إنها السيرورة التي سوف تتيح ليوسف ومناصري دعوته، الانتقال من مرحلة السؤال عن ماهية السعادة،  ومكمنها، إلى الرغبة في تجسيدها  وتلمس تمظهراتها في المعيش اليومي، بعد أن تسمح الظروف بتذليل صعوبات الواقع ومثبطاته. وفي ذلك تحقيق للحلم الذي طالما راود الكاتبة منذ الاستهلال.

فالكاتبة، وهي تبدع، إذ تبدع روايتها “معبر زوج أبطال”، إنما تراهن عبر سرادها، على بسط أحداث الواقع ونقد تفاصيله، انطلاقا من سؤال : ما السعادة؟ إلى سؤال : أين تكمن السعادة ؟ وغيرهما من الأسئلة التي تنتشر في كل أفضية الرواية.  والسؤالان هنا محوريان في حياة شخصية  يوسف،  وباقي  الشخصيات. ومجرد الجواب عنهما، سيفتح أفاقا واعدة لبناء حياة جديدة متوخاة، تنتظر ظهور “زوج أبطال” وأكثر، لإحداث أي تغيير واقعي محتمل.  يقول أرسطو في شأن تعريفه للسعادة : “إن الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة”. والفلسفة، كما يحددها  فيتاغوراس، هي  الكشف عن الحقيقة، ومحاولة فهم الوجود بعقلنته وصياغته بطرق جديدة، تضمن للإنسان حياة طبيعية وحقوقا لا تعرف المساومة. ومجموع هذه القضايا هي ما حاول فلسفة الرواية أن تحققها.
إن تسمية الرواية “.. زوج ابطال” هو كون متخيل متحت عبير عزيم خيوطه من مآسي عائلات مزقتها حدود موصدة لعقود خلت. وقد ارتضت الكاتبة لروايتها هذا الاسم  اسما بالذات كصياغة بديلة عن “زوج بغال”، مولدة ائتلافا في الرؤى وانسجاما في المواقف، يتكامل فيها الخطاب السياسي والخطاب التربوي، رغم اختلاف البطلين، يوسف وهدى في طريقة الاشتغال. إلا ان غاية فتح الحدود، ونزع القيود، وإصلاح ذات البين بين الشعبين تبقى واحدة.
من هنا، تكون رواية “معبر زوج أبطال” قد أسست لخطابين متداخلين، رغم ما حملته من مفارقات كادت تعصف بالمشروع :

1 – خطاب إعلامي سياسي، توعوي، يحاول البطل يوسف من خلال رسالته الإعلامية، إقناع فئات عريضة من المجتمع المغربي والجزائري بجدوى المحافظة على مجموعة من القيم  كآصرة الدين وآصرة الأخوة والمصاهرة التي تجمع بين الشعبين.

2- وخطاب تربوي، خاص بالناشئة المتعلمة، مكملا لرسالة يوسف، تغيت منه المعلمة هدى، التوجيه والإرشاد، وتوعية الأجيال الصاعدة بجدوى قيم المحبة والتسامح، بعيدا عن أي جنوح إلى التعصب والكراهية.

وقد ساهم هذان الخطابان/ المشروعان في توضيح الرؤية  وبناء جسور الأمل، عبر تحقيق حلم طالما راود أجيالا متعاقبة، والذي بدت معالمه تتضح في متخيل “زوج أبطال” بديلا عن “زوج بغال”. ومن شان هذا البديل ان يفتح المجال لترميم  العلاقة المتوترة بين البلدين الشقيقين، وتحقيق مصالحة محتملة، تقود إلى إعادة فتح الحدود، وتجسيد شعار :”خاوة خاوة”، وصولا إلى كوجيطو : ” أنا جزائري إذن أنا مغربي..”. حينها تشرق شمس “زوج أبطال”، وتشرق لحضورها شمس “زوج بغال”، إيذانا بحلول البشرى، بشرى نبوءة يوسف وهدى، وتعم الفرحة أسر القطرين الشقيقين. ويتساءل الجميع في اندهاش كبير : “هل هذه حقيقة أم حلم ؟”(معبر زوج أبطال. الطبعة الأولى 2025. ص: 188)

وما كان لهذه العوالم أن تتضح لولا لباقة يوسف وليونة خطابه، وانخراط شخوص أخرى في بناء عالم ممكن، بديل عن الواقع. ومن هذه المواقف، موقف الجد، العالم بحيثيات اختفاء الأب، دون أن يجرؤ على الإعلان عن حقيقة اختفائه مخافة تأزم الاوضاع. تنضاف إلى هذه الأصوات أصوات أخرى معارضة لمشروع السلام كصوت سعيد، الذي ذكر المعلمة بسلوكيات “المراركة، خصوم دزاير”، في محاولة منه نسف مشروع التقارب. وللأصوات الأخرى دور كبير في الدفع بالأحداث إلى حيث المبتغى، والمساهمة في تأثيث حوارية للرواية، تطبعها دمقرطة الحضور والمشاركة، مما قد يساهم في تعميق الرؤى وتحقيق حلم الجميع.

أستسمحكم في هذه القراءة المبسترة جدا. والتي لم تكن ظروف صاحبها المرضية تسمح بالمزيد.
وأخيرا أقول للأديبة الرائعة اليافعة عبير عزيم : كل رواية وأنت بألف خير !
ودام عبيرك فواحا ينعش ذائقة عشاق الكتابة من الذكور والإناث.

باحث وناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً