الرئيسية / الأعداد / قراءة أولية في حفريات ودلالات “سيكولوجيا الإنسان المُرَقْمَن، التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية” للدكتور المصطفى شكدالي – عبد الله الطني

قراءة أولية في حفريات ودلالات “سيكولوجيا الإنسان المُرَقْمَن، التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية” للدكتور المصطفى شكدالي – عبد الله الطني

فلسفة الثابت والمتحول في تاريخ الإنسان من الميثولوجي إلى الافتراضي-

قراءة أولية في حفريات ودلالات “سيكولوجيا الإنسان المُرَقْمَن، التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية” للدكتور المصطفى شكدالي

 عبد الله الطني*

 

استقبلت الخزانة المغربية، وكذا العربية، كتابا أعتبره ويعتبره المتخصصون في مجال الرقميات، رغم مقاربته الأكاديمية التفكيكية، مرافعة فكرية عالمة، دفاعا عن منجزات الثورة الرقمية، وفي الآن نفسه دفاعا عن الطبيعة الإنسانية ضد كل ما اعتراها من هذه الثورة من تشوهات، جعلتها تفقد حميميتها وعذريتها الأصلية وينضاف صاحب هذا المنجز المائز إلى مفكري ما بعد الحداثة، أو التنويريين الجدد، الذين امتلكوا جرأة تفكيك أَعْقَد إشكالية من إشكاليات هذا العصر. وكتابه هذا (1) يضم بين دفتي غلافه 268 صفحة من الحجم المتوسط. وإذا كان عنوان الكتاب هو الكتاب كله مستقطر في كأس، والدلالة مُشَكَّلة في بضع حروف وامضة بمدلولها، فإن متأمله سيجده متكونا من أربع مكونات، تحيل إلى أربعة مفاهيم ودلالات.

  • المكون الأول هو: “سيكولوجيا الإنسان المرقمن”، ويحيل على مفهوم إبستمولوجي، وبالذات إلى علم إنساني جديد، في حقل علم النفس، يهتم أساسا بالإنسان “المرقمن”، أو بالواضح الإنسان المعتقل في نظام آلي جديد لم يكن سوى من إبداعه، وهذا العلم هو “علم النفس السيبراني”
  • والمكون الثاني: يحمل عنوان “التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية”، ويحيل على مفهوم مركب، يتقاطع فيه التربوي، والهوياتي، والمعرفي الجديد؛ مما يعني أن سؤال الهوية لم يُغلق بعد، وإنما هو سؤال لا يزال مفتوحا على أكثر من معنى ودلالة، بل ويأبى إلا أن يظل متناسخا حسب سياقات الكائن الإنساني ومنعرجاته التاريخية والسوسيو ثقافية والمعرفية.

 المصطفى شكدالي، سيكولوجية الإنسان المرقمن، التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية، مقاربة سيكو ـ سيبرانية، تقديم الدكتور المصطفى حدية، مؤسسة باحثون للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى 2024.

 

  • أما المكون الثالث: فيحمل عنوانا آخر هو “مقاربة سيكوـ سيبرانية”، ويحيل على مفهوم ميثودولوجي، يحدد فيه الباحث نوع مقاربته، وأفق اختراقه لموضوع كتابه؛ وهي مقاربة سيكولوجية متخصصة في تحليل وإبراز آثار الرقمنة على سلوك الإنسان وعوالمه النفسية شعوريا ولا شعوريا.
  • فيما يتعلق بالمكون الرابع والأخير: فلم يعبر عنه الكاتب بلغة الكلمات، وإنما بلغة سيميوـ تشكيلية، بواسطة صورة الغلاف التي يُجسد الإنسان، وهو مفكك الملامح، في وضع تخدير واستلاب، وهو في قبضة الشبكة العنكبوتية وعينيه على السراب، كأنما يبحث عن مخرج من وضعيته هذه. وهو عنوان يلخص ورطة الإنسان المرقمن، ويحيل على مفاهيم مرضية مثل الاجتثاث، الاستلاب، الاغتراب والألْيَنة.

على مستوى الهيكلة العامة، يَتَشَكَّل هذا الكتاب من تقديم، وتمهيد، وستة فصول أو عتبات، وخاتمة، وباقة قراءات، تمثل عينة من الشهادات المدونة حوله، ومعجم بالمصطلحات والمفاهيم التي انْبنت بواسطتها مقاربة موضوعِه، وببليوغرافيا راصفة للمصادر والمراجع التي اشتغل عليها ومعها في تحليله لمختلف محاوره وقضاياه.

لقد كان تقديم هذا الكتاب للدكتور المصطفى حدية (2) حيث أبرز فيه رهان الرقمنة باعتبارها لغة كونية تستهدف إعادة تشكيل وبناء مفهوم التواصل الإنساني، وكمقاربة تكنو معلوماتية عابرة للقارات، ومخلخلة لثوابت النظم المعرفية والقيمية، مشيدا بأهمية هذا الكتاب وجرأته في اقتحام إشكالات وملابسات هذا المفهوم، وما نجم عنه من مزالق سلوكية، و انشطارات نفسية، و انزياحات في مفهوم الهوية، إن لم نقل في مفهوم الإنسان في ذاته وامتداداته؛ مؤكدا على القيادة الذكية لصاحب هذا الكتاب لأطروحته، في سياق يعج بالمواقف والحساسيات الأكسيولوجية، معتبرا إياه منجزا رائدا في ثقافتنا العربية المعاصرة.

وفي التمهيد العام، رسم الكاتب نفسُه محطات تَشَكُّل النواة الجنينية لكتابه هذا، منذ اهتماماته المبكرة بموضوع علاقة الإنسان بالتكنولوجيا والانعكاسات السلبية لسوء استخدامها، وتطور هذه الاهتمامات بالجامعة الحرة ببروكسيل التي تُوجت بشهادة دكتوراه في “إبستيمولوجيا التعليم بواسطة الحاسوب”؛ وكذا بدراسة عن “الوظائف الديداكتيكية لاستعمال الحاسوب”، وبكتاب آخر مشترك عن “المجتمع الافتراضي”، ودكتوراه ثانية عن “الشبكات الاجتماعية الرقمية فضاء للتنشئة الاجتماعية وبناء الهوية الرقمية.”

وبكل هذا الرصيد المعرفي المركب سيمخر عباب هذا الموضوع المترامي الأطراف، لكن بحذر شديد، مُبرزا المسالك التي سيسلكها والغايات التي يروم بلوغها، والحدود التي سوف يشتغل ضمنها لتفكيك عينة من ألغازه، أو على الأقل على جعل المتلقي يعيها، والباحث ينخرط في مناقشتها.

 

 (2) مفكر وباحث مغربي، أستاذ علم النفس بجامعة بني زيدان للعلوم الإنسانية بأبو ظبي.

هذا وقد خصص الكاتب الفصل الأول من هذا الكتاب لتحليل الظاهرة الرقمية، وما نجم عنها من مفاهيم سوسيولوجية جديدة، مثل “المجتمع الشبكي”، و”مجتمع الروابط الرقمية”، و”المجتمع المرقمن”، ومفاهيم سيكولوجية، منها: “الإدمان السيبراني”، و”العنف السيبراني”، والأناسبورغ”، و”البوح الحميمي”، و”التنشئة الخوارزمية”، و”الرموز الانفعالية”…

أما الفصل الثاني فقد خصصه لتحليل مفهوم “التنشئة الخوارزمية للإنسان المرقمن”، وتوصيف مظاهرها وتعالقاتها.

بعد ذلك أفرد الفصل الثالث للحديث عن “الإنسان المرقمن، وبناء الهوية المتحورة”، كبديل لمفهوم الهوية التقليدية، و”الأنا الرقمي”، كبديل للأنا الفلسفي المتعالي لدى كل من أفلاطون وديكارت، أو “الأنا الوجودي” لدى كل من هيدغر وسارتر.

ثم جعل الفصل الرابع يتمحور حول استراتيجيات ونماذج تقديم الذات للآخر على مرقاب الفضاء السيبراني، وما نَجَمَ عن ذلك من انزياحات وتماهيات.

أما الفصل الخامس فقد خصصه لمقاربة ظاهرة تشكيل طقوس وثقافة المجتمع، وما تَشَكَّلَ عنها من ممارسات رقمية، غيرت دلالات مختلف الظواهر الاجتماعية التقليدية في حياتنا اليومية.

في حين خصص الفصل السادس والأخير من هذا الكتاب لتفكيك وإبراز سلبيات وأعراض الإدمان الرقمي على الصحة النفسية مثل اضطراب النموـ فوبيا، تضاؤل حدة الانتباه، انخفاض وقت النوم، فقدان القدرة على الإنصات، وتدهور فقدان الذاكرة.

وأنهى دراسته بخاتمة ذَكَّر فيها بمنطلقاته وخلاصاته، مبرزا طبيعة مقاربة لموضوعه، وبمرجعياته المعرفية والابستيمولوجية، والأهمية التي يحتلها الآن في الأوساط الثقافية العالمية المعاصرة؛ مُعربا عن وعيه بحدود هذه الدراسة لاسيما والأمر يتعلق بمفاهيم وظواهر رقمية جديدة ومتجددة، تتطلب أكثر من منهجية ووجهة نظر واحدة، موثقا عينة من الأصوات المتجاوبة مع كتابه هذا من طرف عينة من قرائه، ومحددا لائحة بالمصطلحات والمفاهيم الواردة فيه، ثم لائحة بمختلف المصادر والمراجع التي اعتمدها وتفاعل معها، والتي تتميز بالغنى والتنوع.

لن أغوص في تحليل تفاصيل هذا الكتاب بكل محمولاته وحمولته المفاهيمية، ومعطياته المعرفية وإشكالاته المركبة، ولكنني سأكتفي بتسجيل بعض الانطباعات الأولية حوله وأحصرها في خمسة انطباعات:

1 ـ أعتبر صدور هذا الكتاب بمثابة حدث مائز في ثقافتنا المغربية والعربية، وذلك لانفتاحه على موضوع يعتبر مستجدا لافتا ومثيرا للجدل في الثقافة الإنسانية الحديثة، كمنتوج من منتوجات الحداثة، إن لم نقل ما بعدها. وهو موضوع تمظهرات وأعراض الثورة الرقمية في أبعادها التداولية.

 

وتأتي أهميته بالخصوص فى تحويل آخر مخرجات الجدل حول هذه الثورة من اللغات الغربية إلى لغة الضاد والقرآن، أي في ثقافة لا تزال تناقش مسألة مع أو ضد الحداثة الغربية، تحيينا لمسألة العقل والنقل أو الحكمة والشريعة، فيما يتعلق بمسألة الإرادة الإنسانية بين الجبر والاختيار.

2 ـ وتأتي أهمية هذا الكتاب، بالإضافة إلى ذلك، في المرجعيات التي اعتمدها الدكتور المصطفى شكدالي، في مقاربته للوضعيات السوسيو ثقافية والنفسية المترتبة عن هذه الثورة. وهي مرجعيات جاءت مركبة ومتنوعة، لموضوع متعدد الدلالات والأبعاد، تجمع بين علم الاجتماع، والتحليل النفسي، والابستمولوجيا، والأنثروبولوجيا، واللسانيات التواصلية والمفاهيمية؛ الشيء الذي يجعل منها مقاربة تكاملية….. وبالتالي رافضة للانحباس في منظور أحادي البُعد.

3 ـ إنه كتاب، وإن كان يحلل وضعية الإنسان المعاصر في مظهر من مظاهر استلاب إرادته، فهو في العمق يرافع من أجل الحفاظ على طبيعة الإنسان في الإنسان. ومرافعته هذه مخصوصة بخصوصية الاستلاب الرقمي أو السيبرنيكي. ويأتي في نظري تتويجا لمختلف تاريخ المرافعات السابقة في تاريخ الفكر الإنساني، ضد استلاب الإرادة الإنسانية عبر تاريخ كينونتها.

ومن خلال ما سبق يتعلق الأمر بمقاربة للوضعية الوجودية المعقدة للإنسان عبر تاريخها الطويل، من “الإنسان المُؤَسْطَر” الخاضع لهيمنة الأسطورة ولنسقها الاعتقادي، خلال المرحلة البدائية، إلى “الإنسان المُرَقْمَن” الخاضع للخوارزميات الافتراضية والدوامة السيبرانية، مرورا ب “الإنسان المُدَيَّن” الخاضع لتعاليم الدين، وأولياته الإيمانية، سواء الأرضي منه أو السماوي، و”الإنسان المُعَلْمَن” الخاضع لسيطرة العلم أو ما يسميه أوغست كونت “الإنسان الوضعي”. وكل محطة من هذه المحطات تُنتج نموذجا سوسيوـ ثقافيا، وتخضع لنمط من أنماط التفكير والوجود، وتُفرز بشكل أو بآخر، سؤالات حرية الإرادة والطبيعة الإنسانيين.

رغم إيمان الإنسان البدائي بالأسطورة كحل لمعضلة الجهل بقوانين الطبيعة، وإيمانه بالفلسفة كحل لتجاوز “الدوغما”، واعتقاده بالدين كتجاوز لمعضلة الغيب وبحثا عن كمال المآل، وبالعلم كأداة لمعرفة قوانين الأشياء والظواهر والتخلص من التفسير الميثولوجي والديني والفلسفي، وبالتكنولوجيا كأداة لتنظيم الوجود واقتحام العوالم الافتراضية، يبقى السؤال المطروح باستمرار أليس كلها شباك أبدعها الإنسان ثم سقط فيها؟ ومن جهة أخرى، أليس في كل هذا تتجلى إنسانية الإنسان في تمظهراته الحضارية ووعيه باستمرار بشرطه الوجودي بين الممكن وما يجب أن يكون، بين الضرورة والحرية؟

5 ـ ومن جهة أخرى إن قراءتي لهذا الكتاب جعلتني أمام إحساس مائج ومركب من المفارقات: مفارقة الاكتئاب والمتاهة، ومفارقة المعلوم والمجهول، ومفارقة جرأة التكنولوجيا، وخيبة أفق الانتظار، مفارقة الإنسان بين الحرية والقدرية، التنوير والاستلاب، ومفارقة الشخصية بين الأنا والآخر. وأعترف أن الدكتور المصطفى شكدالي بقدر ما كان تلميذا لدي خلال ثمانينيات القرن الماضي، فأنا الآن تلميذ لديه، في التعرف على هذه العوالم والمفاهيم. ولكن من جهة أخرى جعلتني قراءتي لكتابه هذا أدرك أن طبيعتي لا زالت بخير، وأنني لازلت حرا إلى حد ما تجاه الشبكات الافتراضية الماكرة.

ولا يسعني في الأخير إلا أن أهنئ الدكتور المصطفى شكدالي على هذا المنجز الرائد، وأتمنى له المزيد من الإصرار على إشاعة عقيدة التنوير والحرية، دفاعا عن الطبيعة الإنسانية من حيث هي جوهر، مع الاعتراف بقدرتها على التماهي مع مفعولاتها، وقدرتها على إبداع شروط كينونتها، ونفيها إذا ما تبين أنها قد أصبحت متجاوزة، وكذلك دفاعا عن أهمية الضرورة الرقمية في حياتنا مع الوعي بضررها.

 

ناقد من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

عبدالرزاق اسطيطو *   جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة …

اترك تعليقاً