الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / جمهورية انقطاع الانترنت: خيال طوباوي – ليال الحربي

جمهورية انقطاع الانترنت: خيال طوباوي – ليال الحربي

بورتريــــــه

جمهورية انقطاع الانترنت: خيال طوباوي

ليال الحربي*

 

الدولة العراقية تتخذ قرارا تاريخيا لا يقل شأنا عن اكتشاف النار، فالنار أحرقت أطراف الحضارة أما هذا القرار فقد أطفأها من الجذور

“منع الإنترنت عن العراق”

يا له من فتح مبين!

ولعلها أعظم القرارات التي تُسجل في سفر الإصلاحات، إذ لم يسبق أن حُلت أزمات أمة بكبسة زر. ومن أولى ثمار هذا الإصلاح الجذري، إعادة هيكلة النوم، تلك المؤسسة التي طالها الإهمال منذ اختراع الهاتف الذكي. فبعد أن كان المواطن يسهر حتى الفجر يراقب أخبارا لا تغيّر شيئا ويستيقظ عند العصر ليتابع أخبارا لم تتغير، عاد الآن إلى نظام كونيّ بديع، بات ينام مع غروب الشمس ويستيقظ مع شروقها وتلك وحدها معجزة.

للقطع محاسنه التي لا تحصى فالبطالة ستنقرض والمحاكم ستغلق أبوابها فلا خصومات زوجية بلا تطبيقات ولا طلاق بلا واتساب. أما العرض حالچية الذين ملأوا باب النظام بعكازاتهم الورقية فسيُبعثون من جديد في هيئة باعة ماء يحملون صناديق الفلين، يطاردون زحام الشوارع بدل زحام المعاملات. والمحامون سيهرولون خلف معاملات الرعاية الاجتماعية بينما تفتتح المحاميات فصلا جديدا من مسيرتهن المهنية كـ (حافوفات) منزليات وشعارهن اليومي: (تعالي يمّه أسوي حواجبچ خيط).

إنها جمهورية بلا نت لكنها جمهورية خيال، أقرب إلى المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون ولم يعثر عليها.

النت، وما أدراك ما النت!

للإنترنت فائدة لا تُنكر فهو حاوية لتصريف الفوائض الجنسية، فبدلا من مشاوير السيارة ومصاريف الجيب صار كل شيء متاحا بضغطة إصبع لكن ما إن ينقطع الإنترنت حتى تعود الخيالات الجنسية إلى الدوران في الرأس كالهامستر الذي يركض على عجلة ثابتة، يبذل جهدا هائلا من دون أن يقطع سنتيمترا واحدا.

ومع الانقطاع أيضا ستنقرض الطلاقات من المجتمع. ستعود النساء إلى سجادات الصلاة وهن يرددن ”

الله أكبر وليخسأ الخاسئون” أما الزيارات الدينية فستنكمش من عشرين مليون زائر إلى عشرين نفرا فقط. والمراكز الثقافية كشارع المتنبي ستغدو مأوى للجرذان فيما يتحوّل مجادية المتنبي الصورة بألف إلى مجادية النهضة نهارا، بعد أن يناموا ليلا في نفق الشرطة.

في عصر الإنترنت، لم تعد أم ستوري دَلّالة سوق كما كانت في الأزمنة المتخلفة التي كان الناس يبيعون فيها السلع ويشترونها فعلا. لقد ارتقت إلى مرتبة أسمى. صارت دَلّالة البيجات. هجرت البسطية إلى الفضاء الإلكتروني وأصبحت تتاجر بالكريمات السحرية التي تُعيد الشباب إلى الوجوه وربما تُعيد الموتى إلى الحياة لو أُتيح لها مزيد من المتابعين.

وكانت تعرض تفاصيل يومها منذ استيقاظها حتى نومها باعتبارها أحداثا ذات أهمية وطنية فيتابع الجمهور رحلة فنجان الشاي ومعركة تنظيف السجاد وانتصارها التاريخي في بيع علبة كريم. لكن الدولة بحكمتها التي تفوق حكمة الفلاسفة، قطعت الإنترنت. وفجأة انهارت تلك الممالك العظيمة التي بُنيت فوق الإشعارات والإعجابات. اختفت البطولات التي كانت تُنجز بضغطة إصبع وعادت أم ستوري إلى أصلها الأول، بسطية صغيرة على الرصيف والمال على التصريف كما عرفها الناس في أيام الحصار قبل أن يتحول كل هاتف إلى إمبراطورية وكل صاحب صفحة إلى شخصية تاريخية.

 

تنتهي حفلات التخرج من دون قرار من وزير التربية أو التعليم العالي فتعود صور التخرج إلى كونها صورا فوتوغرافية فحسب. أما لجنة المحتوى الهابط والأمن الوطني فيُمنح أعضاؤها إكرامية مالية مقابل كل من يجلب لهم محتوى هابطا، وذلك من خلال بيان ورقي كُتب فيه:

“أيها العراقيون الكرماء، أيها العراقيون الشرفاء، أين أولاد سعد بن أبي وقاص؟ هاتوا محتوى هابطا مقابل إكرامية”.

أما مغتربو البلاد فكانوا أكبر المتضررين من القرار. فقد أمضى كثير منهم سنوات طويلة يمارسون معارضة الوطن من وراء الشاشات حتى صار الإنترنت عندهم وطنا بديلا. فلما انقطع، وجدوا أنفسهم فجأة في البلاد التي يقيمون فيها.

راحوا يخرجون إلى الشوارع كل صباح، متأنقون بعناية كأنهم على وشك الظهور في المشهد الأول ويجلسون ويثرثرون بلغة البلد المضيف، وبدل أن يبحثوا عن قدر دولمة كلما رنّت الشهية صاروا يبحثون عن همبرغر وكنتاكي. يؤدون أعمالهم بدقة ألمانية، ويضع بعضهم عدسات خضراء أو زرقاء ويصبغ شعره أشقر ليصرخ للعالم “أنا أجنبي”، ويجلس الأجنبي إلى جانبه في المترو.

أما روح المعارضة العراقية، تلك البطالة الإلكترونية المزمنة فقد انتهت مع انقطاع الإنترنت. أصبح المعارض أخيرا ابن المدينة التي يسكنها، وطنيا بوطنيتهم، يتغنّى بشعاراتهم، ويحضر مبارياتها الوطنية ويتابع أخبار مجلسها البلدي أكثر مما يتابع أخبار المنطقة الخضراء. أصبح منهم ولهم واكتشف متأخرا أن البلد الذي يدفع ضرائبه فيه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.

تقتصر الحملة الإعلامية الانتخابية على صورة فوتوغرافية يكتب تحتها المرشح “انتخبوني مقابل حصة تموينية”.

أما فئة الشباب فتخرج فجرا إلى سوق العمل وتعود عند المغيب تتعشى وتلف رأسها وتنام. والفتيات اللواتي انسقن وراء صرعات الفيلر والبوتوكس والنحت، فقد أعادهن انقطاع الإنترنت إلى هيئتهن الأولى. تتلاشى الموضات الواحدة تلو الأخرى وتعود الوجوه إلى أصحابها الشرعيين ويشهد العراق للمرة الأولى منذ سنوات حركة هجرة معاكسة من هيئة دريد إلى هيئة جبار.

رسائل الحب بين العشاق قد عادت إلى الحمام الزاجل، غير أن الحرية المطلقة لم تكن من نصيب الطيور فالمطيرچي، بوصفه هيئة الاتصالات الوطنية يقف لها بالمرصاد وما إن يصرخ”كش عاع” حتى يبدأ الاعتراض القانوني للمراسلات. يُحتجز الطائر وتصادر الرسالة وتقرأ على الملأ قبل أن تعاد إلى أصحابها. وهكذا تحولت أسرار العشاق إلى نشرات يومية وعادت الفضائح الورقية لتحتل مكانها الطبيعي في السوق بعد سنوات من الاحتكار الإلكتروني.

ولأن صوت الرجل صار عورة في المجتمع العراقي ولم يعد يعرف كيف يتحدث إلى زوجته إلا عبر أثير الشبكة، فإنه يطلقها. ويعود الرجل إلى دور العهر المرخصة من الدولة مثل الكمالية وكنعان وغيرها بينما تسكن المرأة الشارع حاملة معها صدى الحب الرقمي الذي انتهى.

وفي الأعظمية والكاظمية والرشيد، أصدرت الدولة تعليمات مرورية جديدة تمنع دخول السيارات الحديثة إلى الشوارع التراثية. وحدها سيارات موديل 1985 وما دون سُمح لها بالمرور، باعتبارها أقرب إلى روح الأمة. أما سيارات السبعينيات فقد مُنعت لأنها قديمة أكثر من اللازم، والدولة لا تريد سوى النسخة المحسنة من الماضي.

أما قرب شارع السلطان علي، فقد استعاد محل الصداري الطبية أمجاده التاريخية. وبعد أن قضى سنوات يبيع معدات الإطفاء والإنذار المبكر استعدادا لنهاية العالم، عاد إلى مهمته الأصلية وهي تجهيز الأطباء والطبيبات لمواجهة نهاية الدوام.

استعاد شارع الرشيد وظيفته التاريخية بوصفه واجهة للأقمشة والبدلات والأحذية بدلا من مواد الإنشاء. وهرج بوليفار شارع النهر فقد أعلن هجرته الصباحية الكبرى إلى الرشيد ليلا وعاد الباعة إلى أماكنهم وعادت الأرصفة إلى أصحابها الشرعيين.

عندها فقط تندلع ثورة ضد قطع الإنترنت وما أدراك ما قطع الإنترنت!

تخرج فئة كبار السن من الرجال وإيچات الوطن، يستنفرون أبناءهم للنزول إلى ساحات الاعتصام لكن الابناء منهكون من العمل ولا طاقة لديهم للثورات، فتتعالى صرخة الباباوات والماماوات والعطلات خلف شعار تأريخي “كلا للوطن.. نعم للإنترنت!”

ومن الآثار غير المتوقعة لقرار الدولة أن كثيرا من الشخصيات الوطنية اختفت دفعة واحدة. فقد منحت الحكومة المواطنين مهلة أخيرة قبل قطع الإنترنت، فاستغلتها الحسابات الوطنية والتاريخية والعسكرية لحشد الجماهير إلى الاعتصام. وحين اجتمعوا في الساحة وقعت أول مواجهة حقيقية بين الإنسان وصورته الشخصية.

فالشمس الساطعة، التي عُرفت بين العراقيين بصفتها شابة في ربيع العمر تكتب عن الأمل والحب وصلت إلى الاعتصام وهي تقود عنزة وتمسك بيدها محراث تنور يعود إلى ستينيات القرن الماضي لتبين للحاضرين أنها أرملة تجاوزت الستين بقليل.

أما نور الأمل، التي اعتادت أن تختم منشوراتها بعبارة “الحياة جميلة لمن يعرف كيف يعيشها”، فقد شوهدت تتشاجر مع بائع طماطم بسبب فرق خمسمئة دينار.

والضابط العراقي الذي أمضى سنوات يهدد الأعداء ويطالب بالضرب بيد من حديد، حضر مرتديا ملابس العمال وبيده مجرفة يكنس بها ساحة الاعتصام. سألته الشمس الساطعة: أين النجمة؟ أين الضيم؟

ـ طالع تنظيف بغداد.. مجهود حربي

تقتصر انتفاضة الإنترنت في الجادرية مقابل هيئة الاتصالات والإعلام على ساعات الليل فقط؛ فهم زعير الليل خفافيش يعتصمون ليلا وينامون نهارا، احتجاجا على وزيرة الاتصالات التي حجبت المواقع الإباحية. وتقول الشهود إنها شوهدت وهي (تگدي) في مقبرة وادي السلام.

أما القچق، فيعودون إلى مهنتهم الأصلية في جلب المجلات المحظورة اجتماعيا.

وفي ساحة الاعتصام، يشق كبير السن دشداشته طولا احتجاجا على قرار الدولة بينما تقص المرأة شعرها حدادا على أيام الشبكة الخوالي أما مثقفو المتنبي، فيرددون بصوت واحد “النت ثقافة… أين الثقافة؟”

النشيد الوطني للمحتجين أصبح (ها خوتي عليهم // ها عليهم // كل الصوج منهم ومن أيديهم // من قطعوا النت // لك ردوهم ردود).

وشبكات الابتزاز الإلكتروني نصبت خيامها في ساحات الاعتصام وافتتحت مطاعم مجانية على حسابهم الشخصي ممولة من أموال الابتزاز.

في السبعينيات خرجت المظاهرات تحت شعار “نفط الشعب للشعب، موتوا يرجعية”، والآن يرفع معتصمو الإنترنت شعارا مطابقا “نت الشعب للشعب، موتوا يرجعية”.

تأتي بعض الجهات الخارجية الممولة لتقديم الدعم المالي للاعتصام، فيدگ المبتز الإلكتروني صدره ويتصدى لهم مرددا “الوطن وطننا ولن ندع غريبا يساعدنا، نحن أهل الثورة”.

استمر الاعتصام أشهرا طويلة لكن الحكومة رفضت التراجع وحين نفدت أموال المعتصمين وأُغلقت خيامهم الواحدة تلو الأخرى، ظهر أخيراً المسؤول عن تمويل الحراك في مؤتمر صحفي مقتضب أعلن خلاله طلب اللجوء الإنساني إلى إحدى الدول الأوروبية بسبب انقطاع الإنترنت في العراق. وما زال ملفه قيد الدراسة بوصفه أحد ضحايا الكوارث التقنية الكبرى في الشرق الأوسط.

كاتبة من العراق

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً