حوار مع الزجالة سميرة جودي

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح
في هذا الحوار، تستضيف مجلة “مدارات ثقافية” صوتاً زجلياً متميزاً وحضوراً جمعوياً لافتاً؛ الشاعرة والزجالة والباحثة سميرة جودي. امرأة لم تولد في جلباب المبدع التقليدي، بل صقلت موهبتها بين جبال الأطلس الشرقي ونواحي ميدلت والرشيدية، وتوجت شغفها بالكلمة بمسار أكاديمي رصين في اللسانيات والأدب والجماليات.
في هذا اللقاء الشيق، تفتح لنا سميرة جودي قلبها ودفاترها القديمة؛ تأخذنا في رحلة حنين إلى الطفولة، حيث شكلت مجالس الذكر برفقة جدتها لبنة وعيها الإيقاعي الأول. تكشف لنا كيف تحولت جولة عفوية في “ضاية رومي” إلى ولادة نصها الزجلي الأول، وتحدثنا بكثير من الصدق عن علاقتها الملتبسة بالسياسة التي غادرتها لتنتصر للإنسان، وعن ممارستها النقابية والجمعوية التي تجري في عروقها مجرى الدم. “القصيدة عندي لا تُبنى دفعة واحدة، بل تنضج تدريجياً.. والزجل الناجح هو الذي يجمع بين عمق الفكرة وجمالية التعبير، ليخلق موسيقى داخلية ترفع المتلقي إلى فضاءات أرحب من التأمل والإحساس.” سألناها عن قوالب التراث كالملحون والعيطة، وعن جدلية الوزن والقافية في الزجل الحديث، ولم يفتنا أن نناقش معها تحديات التوثيق والأكاديمية لهذا الفن، ونظرتها لطاقات الجيل الجديد (كالراب وغيره) كامتداد عصري للموروث الشعبي. نترككم مع تفاصيل هذا الحوار الممتع الذي يمزج بين عفوية البوح الإبداعي ورصانة التحليل الأكاديمي:
ورقة عن الزجالة سميرة جودي
لم تكتفِ ضيفتنا ببرج العاج للإبداع، بل جعلت من العمل الثقافي والجمعوي جسراً حياً يربطها بقضايا المجتمع. إليكم لمحة عن مسارها الحافل:
- النشأة والمسار المهني: ولدت صدفة في مدينة الخميسات، وترعرعت في حضن الأطلس الشرقي. تنقلت في مسيرتها المهنية كأستاذة للغة العربية بين تنجداد والحاجب، لتستقر وتعمل حالياً في مدينة مكناس.
- التكوين الأكاديمي: حاصلة على الإجازة في الأدب العربي (تخصص لسانيات) سنة 1999، وشهادة الماستر في “الأدب والجماليات” سنة 2012، مما منحها أدوات نقدية مكنتها من كتابة قراءات عميقة في الرواية والقصة والشعر.
- الإنتاج الأدبي: صدر لها:
- ديوان شعري معرب بعنوان “وأمتد في نبض الروح”،
- تملك مخطوطاً زجلياً فارقاً بعنوان “دموع الضاية”، إلى جانب مخطوطات أخرى قيد الطبع.
- الدينامية الجمعوية والثقافية: فاعلة حقوقية وجمعوية بامتياز:
- ترأس المكتب الإقليمي لمرصد حقوق الإنسان،
- عضو في الهيئة المديرة لجمعية “الهامش”،
- عضو رابطة كاتبات المغرب،
- منسقة شبكة المقاهي الثقافية بمكناس،
- مديرة مهرجان “أباندو” بميدلت.

أسئلة عن البدايات والإلهام
- 1. كيف كانت بدايتكِ مع الزجل؟ وهل كان هناك شخص أو حدث معين ألهمكِ لدخول هذا المجال؟
بدايتي مع الزجل قديمة إلى حدّ ما، وإن لم تكن بداية واعية بهذا الفن كما أمارسه اليوم. فقد كنت منذ طفولتي شغوفة بالحضرة النسائية ومجالس الذكر التي كنت أحضرها برفقة جدتي رحمها الله، تلك المرأة التي ربطتني بعالم الكلمة والإيقاع والإنشاد. كانت تلك المجالس النسائية فضاءات عامرة بالأهازيج والأذكار “الحضرة “، تحمل في طياتها مشاعر الناس وأفراحهم وأحزانهم، بل وحتى أشكالاً من الاحتجاج والتعبير عن الواقع.
في تلك المرحلة، كان الشعر بالنسبة لي مرتبطاً بالصوت الجماعي وبالموسيقى الكامنة في الكلمات. كما أنني كنت أكتب الشعر بالفصحى في بداياتي، غير أن احتكاكي ببيئات مختلفة، كتافيلالت و تيفلت وجرسيف وآسفي، جعلني أصغي باهتمام إلى اللهجة المحلية وإلى غنى التعبير الشعبي. كنت أستمع إلى الملحون وإلى مختلف الأهازيج التراثية ذات الإيقاعات المميزة، وكانت تلك النصوص الشفوية تثير في داخلي إحساساً خاصاً .
كل هذه المؤثرات تراكمت داخلي وشكلت مصدراً للإلهام، دون أن أدرك آنذاك أنها ستقودني يوماً إلى عالم الزجل، الذي وجدت فيه لاحقاً فضاءً رحباً للتعبير عن الذات والإنسان والحياة.
- 2. ما الذي جذبكِ تحديداً إلى الزجل المغربي مقارنة بأنواع الشعر الأخرى (كالشعر الفصيح مثلاً)؟
ما جذبني إلى الزجل المغربي هو قربه من الناس ومن مختلف شرائح المجتمع، فهو لغة تنبض بالحياة اليومية وتصل مباشرة إلى الروح والوجدان. وعلى الرغم من بساطة لغته الظاهرة، فإنه يمتلك عمقاً شعرياً كبيراً وقدرة مدهشة على خلق عوالم إنسانية وجمالية رحبة.
لزجل بالنسبة لي ليس مجرد كلام بالدارجة، بل هو فن قادر على إحياء الذاكرة الجماعية واستحضار التراث بكل ما يحمله من صور وحكايات وأصوات. إنه يخلق الفرجة والمتعة الفنية كما السخرية، وفي الوقت نفسه ينبش في أعماق الإنسان ويوقظ مشاعره وأسئلته. لذلك وجدت فيه مساحة أوسع للتعبير وأكثر التصاقاً بالهوية والوجدان الشعبي، مع احتفاظه بقيمته الشعرية والجمالية العالية.
- 3. من هم الزجالون الذين تأثرتِ بهم في مسيرتك؟ وما هي أبرز قصائدهم التي لا تزال عالقة بذاكرتك؟
تأثرت بالعديد من الشعراء والزجالين، ومن الصعب بالنسبة لي أن أفصل بينهم أو أن أضع أحدهم في مرتبة أعلى من الأخرى، لأن لكل واحد منهم بصمته الخاصة ومكانته في تجربتي القرائية والسمعية. كنت منذ بداياتي مستمعة جيدة أكثر مما كنت متكلمة، وكان حسن إلقائهم يثير انتباهي كثيراً، إذ كنت أبحث من خلاله عن الصور والمعاني الكامنة في النصوص.
في مرحلة الشباب تأثرت كثيراً بالشعر المرتبط ببيئتي ومحيطي، كما استمعت إلى شعر الصحراء، وإلى قصائد الملحون، وإلى الأهازيج الشعبية التي كانت تتردد في الأعراس والمناسبات كما سبقت الإشارة. ما زلت أذكر كيف كانت النساء في البادية يتبادلن المقاطع الغنائية والأبيات الشعرية؛ فكل امرأة كانت تعبر عن تجربتها الخاصة، وعن أفراحها وآمالها وأحزانها، فترد عليها أخرى بما يشبه الحوار الشعري الجميل. تلك اللحظات شكلت جزءاً مهماً من ذاكرتي الشعرية.
تأثرت بالزجال المغربي إدريس المسناوي، خاصة بما يتناوله من عمق فلسفي وإنساني، وما أزال أذكر قصيدته “شهوة الضو”، وتأثرت أيضاً بتجربة الزجال المغربي أحمد المسيح الذي استطاع أن يخلق من الجمل البسيطة والعامية قصائد آسرة تجعل المتلقي يرددها معه بعفوية ومتعة “انا مكاينش”. كما كان للزجال إدريس بلعطار أثر خاص في تكويني الشعري بما يميز تجربته من قوة التعبير وخصوصية الرؤية الزجلية بشطحاته وجدباته كما في قصيدة “برية ورقاص” و”غزة “.
وبحكم عضويتي في الهيئة المديرة لجمعية الهامش بجرسيف، أتيحت لي فرصة حضور ملتقياتها لسنوات عديدة، حيث كنت أستمع إلى أصوات وتجارب زجلية متنوعة من مختلف مناطق المغرب، وهو ما أغنى تجربتي رؤيتي لهذا الفن وزاد تشبتي به
- 4. متى شعرتِ لأول مرة أن لديكِ القدرة على كتابة الزجل؟ وهل تذكرين أول قصيدة زجلية كتبتها؟
في الحقيقة، لم أفكر يوماً في أن أكتب الزجل بشكل مباشر أو أن أصبح زجالة. منذ طفولتي كنت أميل إلى كتابة ما يشبه الأغاني، وكانت تراودني رغبة في تحويل الأحاسيس والمواقف إلى كلمات قابلة للإنشاد. كما أنني، بحكم ممارستي لمهنة التعليم، كنت أكتب بين الحين والآخر مقاطع وأهازيج لتلامذتي يرددونها في مناسبات مختلفة، احتفاءً بالوطن أو بالكتاب أو بالقراءة وغيرها من الأنشطة التربوية.
أما كتابة القصيدة الزجلية، فلم تكن ضمن مشاريعي أو طموحاتي في تلك المرحلة. جاءت التجربة بشكل عفوي مع نص “دموع الضاية” الذي حمل فيما بعد عنوان ديواني الزجلي الأول. كتبت هذا النص أثناء مشاركتي في الملتقى الدولي للشعر بمدينة الخميسات، وتحديداً خلال جولتي بضاية رومي .
بعد ذلك أرسلت النص إلى عدد من الشعراء الأصدقاء، من بينهم با إدريس المسناوي وأحميدة بلبالي، أطلب رأيهم فيه، كنت متحمسة وفرحة بما كتبت، لكنني في الوقت نفسه لم أكن مقتنعة بأنه يرتقي إلى مستوى القصيدة الزجلية، غير أن ردودهم كانت مشجعة جداً، إذ أكدوا لي أن النص مستوفٍ لشروط القصيدة الزجلية ويحمل صوراً شعرية ودلالات فنية واضحة.
كانت تلك اللحظة بداية حقيقية لمساري الزجلي، وما زلت أعتز بنص “دموع الضاية” الذي بقي بصيغته الأولى ويمثل انطلاقة هذه الرحلة الإبداعية.
أسئلة عن عملية الإبداع والأسلوب
- كيف تختارين مواضيع قصائدك الزجلية؟ وهل تستمدين إلهامك من أحداث معينة أو مواقف يومية؟
في الغالب لا أختار مواضيع قصائدي بشكل مسبق، ولا أجلس للتفكير في موضوع معين لأكتب عنه. القصيدة عندي تأتي بشكل عفوي، وتولد من لحظة إنسانية أو موقف يثير انتباهي ويترك أثراً في نفسي. لذلك أستطيع القول إن قصائدي تأتي في كثير من الأحيان بالصدفة الجميلة التي تصنعها الحياة.
تستوقفني تفاصيل الحياة اليومية بما تحمله من أفراح وآلام وأسئلة، كما تستهويني مواضيع الوطن والفن والمعاناة الإنسانية والعاطفة. فعندما يهزني موضوع ما أو يلامس وجداني أشعر بحاجة داخلية إلى الكتابة، فتنبثق القصيدة تلقائياً.
أنا لا أفرض على القصيدة موضوعها، بل أترك للحظة المعيشة أن تقودني إليها. كثيراً ما تكون البداية موقفاً عابراً، أو صورة عالقة في الذاكرة، أو مشهداً إنسانياً يثير التأمل. ومن هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل قصائدي وتبحث عن لغتها الخاصة لتقول ما لا تستطيع الحياة اليومية قوله بشكل مباشر.
- 2. ما هي خطواتك المتبعة في كتابة قصيدة زجلية؟ (من الفكرة الأولية إلى القصيدة النهائية)
لا أملك وصفة جاهزة أو خطوات ثابتة لكتابة قصائدي الزجلية، لأن القصيدة في تجربتي تأتي غالباً على حين غرة، ليس لها موعد محدد ولا زمن خاص، فقد تفاجئني في أية لحظة من لحظات الحياة، وعندما تحضر أشعر بأنها تفرض نفسها عليّ، فأترك ما بيدي وأستجيب لندائها.
في البداية تكون القصيدة مجرد فكرة أو صورة أو إحساس عابر يثيرني ويستوقفني، أحياناً أكتب مقاطع متفرقة أو فقرات أولية دون أن أعرف إلى أين ستقودني، ثم أعود إلى النص بعد ذلك، أقرأه وأعيد تأمله، وأترك له الوقت الكافي لينمو ويتشكل من الداخل.
القصيدة عندي لا تُبنى دفعة واحدة، بل تنضج تدريجياً، وعندما أشعر أنها قالت ما تريد قوله، وأنها بلغت انسجامها الداخلي، أتركها تستقل بذاتها وتواجه قارئها.
.3هل تفضلين الكتابة عن مواضيع اجتماعية، عاطفية، وطنية أم سياسية؟ ولماذا؟
أميل في كتاباتي إلى المواضيع الاجتماعية والعاطفية والوطن أكثر من غيرها، لأنها الأقرب إلى الإنسان وإلى تفاصيل حياته اليومية، أكتب عن المجتمع بما يحمله من قضايا وهموم وأسئلة، وأكتب عن العاطفة باعتبارها جزءاً أساسياً من التجربة الإنسانية، كما أكتب عن الوطن الذي يستهويني ويؤلمني في الوقت نفسه.
بخصوص السياسة فقد ابتعدت عنها منذ زمن، لأنني وجدت نفسي أكثر قرباً من الإنسان وقضاياه اليومية. لدي حساسية خاصة تجاه ما يعيشه الناس من مواقف وتجارب، لذلك كثيراً ما أتناول في نصوصي الإنسان في أفراحه وانكساراته، وأتأمل هذه التجارب برؤية فلسفية ونقدية.
وأعتقد أن هذه المواضيع تظل الأقرب إلى قلبي لأنها الأقرب إلى الناس وإلى المجتمع، ولأن الأدب يكتسب قيمته الحقيقية عندما يلامس الإنسان ويعبر عن قضاياه ومشاعره وأحلامه.
. 4كيف تحافظين على أصالة اللهجة المغربية في زجلك مع تطور اللغة الدارجة؟
أعتقد أن اللغة الدارجة المغربية ما تزال حاضرة بقوة في وجدان الناس وفي حياتهم اليومية، كما أن الأصالة ما تزال حاضرة بدورها رغم كل التحولات التي تعرفها اللغة.
في كتابتي أحاول أن أظل وفية لروح اللهجة المغربية ولغناها التعبيري، لأن الزجل مرتبط بالبيئة التي ينتمي إليها وبالذاكرة الجماعية التي تشكل هويته، أستفيد من اللغة المتداولة بين الشباب، لكنني أحرص على ألا أفقد ذلك العمق الذي تحمله الكلمات والتعابير الموروثة.
كما أؤمن أن الأصالة لا تعني الجمود، كما أن التطور لا يعني القطيعة مع الجذور. فاللغة كائن حي يتغير ويتجدد باستمرار، لكن الحفاظ على روحها وخصوصيتها الثقافية يظل أمراً أساسياً في الكتابة الزجلية.
5.هل هناك قوالب زجلية معينة تفضلينها، مثل الملحون أو العيطة وغيرها؟ ولماذا؟
أستمتع كثيراً بالملحون و بالعيطة ، اللذان كان لهما أثر واضح في تكويني الشعري والوجداني. وكما ذكرت سابقاً، فأنا مستمعة جيدة، لذلك أجد نفسي منفتحة على مختلف الأشكال التعبيرية والتراثية التي تزخر بها الثقافة المغربية. يشدني الملحون بما يحمله من عمق فني وجمالية لغوية، كما تستهويني العيطة بما تختزنه من ذاكرة شعبية وقدرة على التعبير عن الإنسان وقضاياه وأحاسيسه.
غير أنني أثناء الكتابة لا ألتزم بقالب جاهز أو شكل محدد سلفاً. قد أستلهم من هذه الأشكال التراثية، لكن القصيدة عندي تبحث دائماً عن شكلها الخاص الذي تفرضه الفكرة والإحساس واللحظة الشعرية. أما أن يكون لي قالب جاهز أعود إليه في كل مرة، فلا.
6 . كيف توازنين بين الوزن والقافية من جهة، والمعنى والرسالة من جهة أخرى في قصائدك؟
في تجربتي الزجلية لا أتعامل مع الوزن والقافية باعتبارهما شرطين ثابتين في كل نص. فالزجل يعرف أشكالاً متعددة؛ منه التقليدي الذي يعتمد على الأوزان والإيقاعات الواضحة كما هو الحال في الملحون، ومنه الزجل الحديث الذي يمنح مساحة أكبر للصورة الشعرية وللموسيقى الداخلية ولحرية التعبير.
أنا أميل أكثر إلى القصيدة الزجلية الحرة الحديثة ، لذلك لا أنطلق من هاجس الوزن أو القافية بقدر ما أنطلق من الفكرة والإحساس والرسالة التي أريد إيصالها، قد تتولد داخل النص موسيقى خاصة تنبع من انسجام الكلمات والصور والإيقاع الداخلي، وهذه الموسيقى هي التي تقود بناء القصيدة أكثر من الالتزام الصارم بوزن معين.
ما يهمني بالدرجة الأولى هو أن يحمل النص معنى وأن يلامس القارئ أو المستمع، وأن يجد فيه متعة جمالية وفكرية في الوقت نفسه ، فالقصيدة الناجحة في نظري هي تلك التي تستطيع أن تجمع بين عمق الفكرة وجمالية التعبير، وأن تخلق موسيقى داخلية ترفع المتلقي إلى فضاءات أرحب من التأمل والإحساس.
7.هل تستخدمين الموسيقى كملهم لزجلك، أو العكس؟ وكيف ترين العلاقة بين الزجل والموسيقى؟
أعتقد أن العلاقة بين الزجل والموسيقى علاقة قديمة وعميقة، بل إنهما يكادان يكونان وجهين لعملة واحدة. في تجربتي الشخصية كانت الموسيقى حاضرة قبل الكتابة، من خلال الحضرة النسائية والأهازيج الشعبية ومجالس الذكر والملحون والعيطة، وهي كلها أشكال تجمع بين الكلمة والإيقاع والصوت.
لذلك يمكن القول إن الموسيقى كانت دائماً مصدراً من مصادر إلهامي، ليس بالمعنى التقني فقط، وإنما بما تخلقه من إحساس ومن قدرة على التقاط النغم الداخلي للكلمات. فعندما أكتب لا أفكر في الموسيقى بشكل مباشر، لكنني أبحث عن ذلك الإيقاع الخفي الذي يمنح النص روحه وحركته.
وأرى أن الزجل والموسيقى يلتقيان في قدرتهما على الوصول إلى المتلقي وإثارة مشاعره. فالزجل الجيد يحمل موسيقاه الخاصة حتى عندما يُقرأ دون مرافقة لحن، كما أن الموسيقى تمنح الكلمة أفقاً آخر وتجعلها أكثر تأثيراً وانتشاراً.
أسئلة عن الزجل كممارسة فنية وثقافية
1.ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الزجال في المغرب اليوم؟
أعتقد أن من أبرز التحديات التي يواجهها الزجال المغربي اليوم حاجته إلى من يؤمن بتجربته وبقيمة ما يكتبه، وإلى فضاءات أكثر احتضاناً للكلمة الزجلية الجادة. فالزجل، رغم حضوره القوي في الثقافة المغربية، ما يزال في حاجة إلى مزيد من الدعم والتقدير والتعريف به على نطاق أوسع.
كما أن هناك حاجة إلى تنظيم محكم للمشهد الزجلي، سواء من خلال الملتقيات والتظاهرات الثقافية أو عبر التوثيق والنشر والدراسات النقدية التي تواكب التجارب الزجلية وتسلط الضوء عليها. فالكتابة وحدها لا تكفي إذا لم تجد من يقرأها ويحتفي بها وينقلها إلى الجمهور.
وأتمنى أن تتضافر جهود المؤسسات الثقافية والجمعيات والمهتمين بالأدب من أجل توفير فضاءات أوسع للزجل، وتشجيع الأصوات الجديدة مع الحرص على رقابة جادة لما يُكتب ويُنشر، والمحافظة على هذا الموروث الإبداعي الذي يشكل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية المغربية بالوقوف على ورشات الكتابة لجيل يجب أن يعرف ما يقرأ وما يكتب.
2. كيف ترين مكانة الزجل المغربي حالياً في الساحة الفنية والثقافية؟ وهل يحظى بالتقدير الكافي؟
أعتقد أن الزجل المغربي استطاع، عبر مساره الطويل، أن يفرض مكانته داخل المشهد الثقافي والفني المغربي، وأن يشق طريقه بفضل جهود الرواد الذين آمنوا بهذا الفن واشتغلوا عليه بجدية وإبداع. فقد ارتبط الزجل بأسماء كبيرة صنعت لنفسها حضوراً قوياً ومؤثراً وأسهمت في ترسيخ مكانته داخل الساحة الأدبية والثقافية.
ورغم أن المتلقي المغربي كان دائماً قريباً من أشكال تعبيرية شعبية متنوعة، مثل الغيوان والعيطة والملحون، فإن الزجل استطاع أن يجد لنفسه فضاءً خاصاً، وأن يلفت الانتباه إلى قيمة الكلمة الشعرية المكتوبة باللهجة المغربية وما تحمله من تصوير وعمق فني وجمالي وإنساني.
لقد ساهم عدد من الزجالين والكتاب في بناء هذا الحضور، من خلال نصوص أثارت النقاش واستوقفت الدارسين كما أغنت الساحة الثقافية وأسهمت في تطوير الذائقة الأدبية. ومع ذلك، فما يزال الزجل في حاجة إلى مزيد من الاهتمام النقدي والأكاديمي والإعلامي حتى يحظى بالتقدير الذي يليق به .
3 . هل هناك اختلافات جوهرية بين الزجل الرجالي والزجل النسائي في المغرب؟
(من حيث المواضيع، الأسلوب، أو التناول)
سأجيب عن هذا السؤال من خلال ثلاث زوايا أساسية:
أولاً، من حيث المواضيع، لا أرى أن هناك اختلافاً جوهرياً بين الزجل الرجالي والزجل النسائي. فالإنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، يعيش القضايا نفسها المرتبطة بالمجتمع والوطن والحب والوجود والذاكرة والأحلام.
أما من حيث التناول، فقد تختلف زاوية الرؤية باختلاف التجربة الحياتية لكل كاتب أو كاتبة، وليس بالضرورة بسبب الجنس. فالمرأة قد تكتب عن قضية معينة من موقع تجربتها الخاصة، كما يكتب الرجل من موقع تجربته الخاصة.
ومن حيث الأسلوب، أعتقد أن الاختلاف يرتبط بشخصية المبدع وبصمته الفنية ثقافته و تكوينه أكثر مما يرتبط بكونه رجلاً أو امرأة. لذلك أرى أن القيمة الحقيقية للنص الزجلي لا تُقاس بجنس صاحبه، وإنما بقدرته على الإبداع والتأثير.
4. كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في إحياء الزجل والحفاظ عليه؟
أرى أن الجيل الجديد يساهم بالفعل في إحياء الزجل المغربي بطرق متعددة، حتى وإن كان كثير من الشباب لا ينتبه إلى ذلك بشكل مباشر. فاليوم نشهد حضور أشكال تعبيرية جديدة تعتمد على الكلمة والإيقاع واللغة اليومية، مثل بعض أنماط الراب والغناء المرتبط بقضايا الشباب وحياتهم اليومية، وهي أشكال تقترب في جوانب كثيرة من روح الزجل ومن قدرته على التعبير عن الواقع والإنسان.
كما أن هناك اهتماماً متجدداً بالملحون وبعدد من الأشكال التراثية التي بدأت تُقدم في حلة جديدة أكثر قرباً من الأجيال الصاعدة، مما ساهم في جذب الشباب إليها وإقناعهم بجماليتها الفنية وقيمتها الثقافية ليدركوا بعدها ان هذا هو في أصله قصائد عامية أو ما يطلح عليه الزجل الغنائي ، ويفرقوا بعدها بينه وبين الزجل غير الغنائي .
وأتمنى أن يدرك الباحثون والطلبة والجيل الجديد أن هذه الأشكال التعبيرية الحديثة ليست بعيدة عن التراث الزجلي المغربي، بل إنها في كثير من الأحيان امتداد له وتقاطع معه في بنياته الإيقاعية والتعبيرية.
5.ما هي أهم المحطات في مسيرتك الزجلية التي تعتبرينها علامات فارقة؟
أعتقد أن أهم المحطات في مسيرتي الزجلية يمكن اختزالها في مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى هي مرحلة الكتابة نفسها، لحظة اكتشاف هذا العالم والدخول إليه دون تخطيط مسبق. حيث كانت كتابة نص “دموع الضاية” نقطة تحول حقيقية في حياتي الأدبية، لأنها جعلتني أكتشف صوتاً آخر بداخلي وأدرك أن ما كنت أعتبره مجرد خاطرة يمكن أن يكون بداية لمسار إبداعي كامل.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة النضج، وهي ثمرة سنوات من القراءة والاستماع والتجربة والاحتكاك بالناس وبالنصوص وبالأسئلة الكبرى التي تطرحها . ففي هذه المرحلة يبدأ الكاتب في بناء رؤيته الخاصة للعالم ويصبح أكثر وعياً بأدواته الفنية وباختياراته الجمالية والفكرية مع ضرورة حس نقدي يقظ يستطيع به أن ينتقد نصوصه ويعيد بنائها.
وأكرر أن المشاركة في الملتقيات الشعرية والثقافية والاحتكاك بتجارب إبداعية متنوعة من مختلف مناطق المغرب كانت من المحطات المهمة التي أسهمت في تطوير تجربتي وتوسيع آفاقها.
6. هل ترين أن هناك حاجة لتوثيق الزجل المغربي بشكل أكبر؟ وما هي الطرق المقترحة لذلك؟
نعم، أرى أن هناك حاجة ملحة إلى توثيق الزجل المغربي بشكل أوسع وأكثر شمولاً، لأن هذا الفن يشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة الثقافية المغربية ومن تاريخها الأدبي. وقد شهدنا بالفعل مجموعة من المبادرات القيمة، من بينها الأنطولوجيات التي صدرت حول الزجل المغربي، والتي كان لها أثر إيجابي في التعريف بالتجارب الزجلية وإبراز حضورها داخل المشهد الثقافي.
غير أن هذه المبادرات تحتاج إلى الاستمرار والتوسع حتى تشمل مختلف التجارب والأجيال والمدارس الزجلية من جيل التأسيس إلى الجيل الحديث. كما أرى أن التوثيق لا ينبغي أن يقتصر على جمع النصوص ونشرها فقط، بل يجب أن يمتد إلى الدراسات الأكاديمية والبحوث الجامعية والدراسات الميدانية.
وأقترح في هذا السياق إنجاز أنطولوجيات وطنية كبرى ترصد مسار الزجل المغربي عبر مختلف مراحله، وتجمع بين الرواد والمؤسسين والأصوات التي جاءت بعدهم وصولاً إلى التجارب المعاصرة. كما أتمنى أن يكون هذا العمل ثمرة جهود مؤسساتية وثقافية وجامعية تشتغل على التنظير لهذا الفن أيضا ، وألا يظل مجرد مبادرات فردية فقط.
فالزجل المغربي، مثل القصة والرواية والشعر، له رواده ومؤسسوه وأجياله المتعاقبة، ومن حقه أن يحظى بالتوثيق الذي يحفظ ذاكرته ويبرز إسهاماته في الثقافة المغربية.
أسئلة شخصية وتأملية
1. ما هو أعمق أثر تركه الزجل في حياتك الشخصية؟
أعمق أثر تركه الزجل في حياتي الشخصية هو ذلك الشغف الكبير الذي نما بداخلي تجاه هذا الفن، حتى أصبح جزءاً من يومياتي ومن رؤيتي للكتابة وللحياة. فالزجل لم يمنحني فقط متعة الكتابة، بل دفعني أيضاً إلى البحث والقراءة والتأمل المستمر.
لقد وجدت نفسي مع مرور الوقت أكثر اهتماماً بقراءة النصوص الزجلية واستكشاف جمالياتها، لذلك لا أحب أن أصف قراءتي بأنها قراءة نقدية فقط، بل هي في المقام الأول قراءة جمالية تحاول فهم أسرار بناء النص الزجلي ومكوناته الفنية وتحولاته عبر الزمن.
هذا الشغف جعلني أتساءل باستمرار عن تطور الزجل المغربي، وعن اختلاف تجاربه من منطقة إلى أخرى، وعن الخصائص التي تميز كل بيئة وكل صوت إبداعي. لذلك لم أكتف بأن أكون مجرد كاتبة للنصوص الزجلية، بل انتقلت إلى مرحلة أعمق من التأمل والإنصات والبحث، فصرت أتابع تجارب متعددة وأستمع إلى قصائد كثيرة محاوِلة فهم هذا العالم الواسع والغني كما أنني أصبحث أبحث عن القصائد القديمة منذ العصر الموحدي والى الاندلس.
أستطيع القول إن الزجل علّمني الإصغاء أكثر، والتأمل أكثر، وجعل علاقتي بالكلمة أكثر وعياً وعمقاً، وهو أثر ما يزال يرافقني ويغني تجربتي الإنسانية والإبداعية إلى اليوم
.2 لو لم تكوني زجالة، فماذا كنت ستكونين؟
لو لم أكن زجالة، فأعتقد أنني كنت سأختار شكلاً آخر من أشكال الإبداع والتعبير، لأنني أؤمن بأن الإبداع جزء أساسي من شخصيتي ومن طريقة حضوري في الحياة. فالكتابة الزجلية ليست سوى أحد المسارات التي عبرت من خلالها عن هذا الشغف.
لقد مارست الإبداع في مجالات متعددة، من بينها بعض الأعمال اليدوية والتراثية، واشتغلت على الصوف والخياطة وتفصيل بعض الألبسة، كما كنت دائماً مهتمة بالجماليات وبكل ما يتيح لي أن أبتكر وأمنح الأشياء لمسة خاصة. لذلك أؤمن أن الإبداع لا يقتصر على الكتابة وحدها، بل يمكن أن يتجلى في مجالات كثيرة ومتنوعة.
ولو لم أكتب الزجل، فربما كنت سأكتب القصة، لأنني كتبت بالفعل بعض القصص القصيرة جداً، وكانت لي محاولات في أجناس أدبية أخرى. لذلك لا أستطيع أن أتخيل نفسي بعيدة عن عالم الإبداع، لأن حاجتي إلى التعبير والخلق كانت ستقودني حتماً إلى مجال آخر أمارس من خلاله شغفي بالكلمة والجمال.
باختصار، لو لم أكن زجالة، لكنت مبدعة في مجال آخر، لأن الإبداع بالنسبة إليّ ليس اختياراً عابراً، بل هو طريقة في النظر إلى الحياة بطرق أخرى والتفاعل معها.
. 3ما هي الرسالة التي تحرصين على إيصالها للجمهور من خلال زجلك؟
أحرص في كثير من نصوصي على العودة إلى الذاكرة الجماعية والذاكرة التراثية، لأنني أؤمن أن الإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبله دون أن يحافظ على جذوره وعلى ما يشكل هويته الثقافية والإنسانية. لذلك أحاول من خلال الكتابة أن أستحضر هذا التراث، لا بوصفه ماضياً منتهياً، بل باعتباره جزءاً حياً من وجودنا ومن وعينا الجماعي.
لأنني وبكل صدق أرغب في أن يتأمل المتلقي ما أقوله، وأن يرافقني في الرحلة التي تقترحها القصيدة، وأن يدخل معي إلى عوالم الكتابة بما تحمله من صور وذكريات وأسئلة. ومن بين الرسائل التي أسعى إلى إيصالها أن الأشياء الجميلة لا ينبغي أن تموت، وأن تراثنا وتاريخنا يستحقان أن يُصانا وأن يظلا حاضرين في الذاكرة وفي الإبداع.
وفي الوقت نفسه أحمل رسالة أخرى أكثر قرباً من التأمل الإنساني والروحي، وهي دعوة القارئ أو المستمع إلى أن يتأمل العالم من حوله، وأن ينتبه إلى التفاصيل البسيطة التي نصادفها كل يوم دون أن نتوقف عندها. أدعوه إلى أن يعيش لحظة صفاء مع نفسه، ومع الله، ومع الطبيعة، ومع كل ما يحيط به من جمال خفي.
فالإنسان، وهو يمشي على هذه الأرض، يحمل داخله عالماً كاملاً من الأسرار والطاقات والأسئلة. وحين نتعلم أن نخرج قليلاً من ذواتنا الضيقة، وننظر إلى الحياة بعين التأمل والمحبة، نكتشف أن هناك أشياء كثيرة تستحق أن تُرى وأن تُعاش بعمق أكبر. وهذه إحدى الرسائل الأساسية التي أحاول أن أعبر عنها من خلال زجلي.
. 4ما هي القصيدة الزجلية الأقرب إلى قلبك من أعمالك الخاصة؟ ولماذا؟
من بين القصائد الأقرب إلى قلبي قصيدة «عزيني»، لأنها من النصوص التي أشعر أنها تعبر عن جزء عميق من رؤيتي للإنسان وللعلاقات الإنسانية. هذه القصيدة لا تتوقف عند تجربة فردية أو لحظة عابرة، بل تحاول أن تلامس ال.وجود و ما يحمله من أسئلة ومعانٍ ومشاعر.
أشعر بقرب خاص من هذا النص لأنه يتناول موضوع العلاقات الإنسانية وما عرفته من تحولات وتغيرات عبر الزمن. إذ العلاقات أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق، لذلك حاولت من خلال هذه القصيدة أن أطرح أسئلة مرتبطة بالإنسان وبحاجته إلى التواصل والمحبة والفهم.
وما يجعلني أعتز بها أكثر هو أنها، في نظري، قصيدة صالحة لكل زمان ومكان. فكل جيل يقرأها يمكن أن يجد فيها شيئاً من واقعه، وكل قارئ قد يعثر بين سطورها على تجربة تشبهه أو على إحساس يلامس حياته اليومية. لذلك أعود إليها بين الحين والآخر وأعيد قراءتها بشغف، لأنها ما تزال قادرة على أن تحدث في نفسي الأثر نفسه الذي أحدثته لحظة كتابتها. كما أنني أرى أنها جمعت في نص واحد مجموعة من القضايا الإنسانية.
5. بماذا تحلمين بالنسبة لمستقبل الزجل المغربي؟
أحلم بمستقبل يزداد فيه حضور الزجل المغربي قوة وتأثيراً، يكون أكثر قرباً من الأجيال الجديدة، كشكل إبداعي حي قادر على التعبير عن الإنسان المغربي في مختلف تحولاته وقضاياه.
أحلم أن يتعلم هذا الجيل كيف يكتب القصيدة الزجلية وكيف يعبر من خلالها عن أفراحه وأتراحه، وعن أحلامه وأسئلته الوجودية واليومية. أحلم بقصائد صادقة وعميقة، ليست نصوصاً عابرة أو استهلاكية، بل قصائد تنساب في الروح كما ينساب الماء البارد في يوم شديد الحر، وتترك أثراً جميلاً في المتلقي.
كما أتمنى أن يحظى الزجل المغربي بمكانة أوسع داخل الساحة الثقافية المغربية والعربية، وأن يُعترف به كشعر حقيقي له أسسه الجمالية والفكرية، له تاريخه و أصوله وله رواده ومبدعوه وتجاربه المتنوعة.
ومن أكبر أحلامي أن نشهد مرحلة جديدة من التنظير للقصيدة الزجلية. فكما وجدنا من نظّر للشعر العربي القديم، ومن نظر للقصيدة الحديثة وقصيدة النثر، فإن الزجل أيضاً يحتاج إلى قراءات نقدية عميقة وإلى دراسات أكاديمية جادة تكشف خصوصياته وأشكاله وتحولاته عبر الزمن.
وأتمنى أن يتم الاهتمام به في الجامعات ومراكز البحث، وأن تنجز حوله الرسائل والأطروحات والدراسات الميدانية، لأن هذا الفن ما يزال يحمل الكثير من الجوانب التي لم تُكتشف بعد. كما أتمنى أن يتم الاشتغال على تصنيف تجاربه المختلفة بحسب المناطق والحساسيات والأساليب، سواء داخل المغرب أو في الفضاء المغاربي والعربي عموماً.
باختصار، أحلم بزجل حيّ، مقروء، ومدروس، ومؤثر، يحافظ على جذوره التراثية وينفتح في الوقت نفسه على أسئلة الإنسان المعاصر، ويجد من يكتب عنه كما يجد من يكتبه.
النص الزجلي: عـــــــــــــــــــــــــزيني

سميرة جودي
محتاجة نغوت بأعلى صوتي
ونكتب على حيوط المدينة موتي
نكتب شهادتي بدم خوتي
نكتب تاريخ المعاني.
تعرف…..
محتاجة تعزيني
فالوقت لي باقي من الاحلام
عزيني يا خويا فجوهرة الغرام
عزيني فقلبي العامر بالخوف
و ففمي الثامر بالحروف
معندو جهد فغابة
ولى فيها بنادم كي الخروف.
محتاجة تعزيني فقلبي الواسع العريض
يترجم حزانو غير بقلم شديد
مايعرف حد لرسامو ولا يعرف يزيد
ثقالت الشوفة
والعقل فالحقيقة ولى شريد.
عزيني ملي لقيت الحقيقة كتعريني
وديك اللهفة بدقات ولات توريني
فين الصح وفين الأوهام.
عزيني … يا خويا فحروفي
لي تاهت
يمكن تلقى طريق الصواب
ملي شفت الكمرة ثمرة …
ونسيت ليعة الضو الغايب
فديور القهرة.
عزيني فالاشواق
المحتالة على الكبدة المحتاجة
لي تسال على الحال
باش نقرا فمراية النقرة
بر الامان
ونساين شمسي تطلع.
عزيني فصباحنا لي مابانش
ملي شاف جراحنا
تسلف العبادة
وغرق فحضرة نواحنا
غاب ومَولاّش.
عزيني فالولادة بين الجباح
بين عناد وعناد يتربى تيلاد
ونباركو بتاغنجا هاذ الميلاد
ونطلو على السلام.
عزيني فحفرة الجوف …
كانت معاندة الظلام والخوف
والقبر غلب الصبر
و الحفرة ولات حفرتين
دلات رجليها من سنين
لولاد الحال.
عزيني يا خويا
فالقمرة لي تلفّات ظلها
وطفات الضو ..
طاحت نجمة شعلت الحصيدة
فعناد الجهالة.
عزيني فالملح لي مابقاش
والخاطر المسّوس فالديور
بين نظرة و نظرة
شعا مرشوش
والخاوة مشالها الشوف
والأشواق محتاجة تحل البيبان.
عزيني فهوايا …
من مرمتو سديت راس الخيط
ساعة الحرير
بالي رديتو لماليه .
عزيني فراسي لي هاز باسي
مزال معرف قياسي
البير غارق
والدلو داوه ماليه.
عزيني … وعريني من الأوهام
مابقى بيني وبين الصوت ظلام
أنا نغوت بأعلى صوتي
وانت تشهد على موتي
وخلي سرجم الشهادة محلول
قبل ما القبيلة تفيق ..
وقبل مايهلل الهلال
نهز رحيلي …
ومايبقى مايتقال .
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي