الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / جدليات الوجود بين العقل والوجدان والاختلاف والائتلاف – عبد الله الطني

جدليات الوجود بين العقل والوجدان والاختلاف والائتلاف – عبد الله الطني

مفاهيم وأسماء

قراءة مركبة في جواهر المبنى والمعنى في رواية “على منوال نوال” للروائي المغربي عبد الحق السرغيني

عبد الله الطني *

جدليات الوجود بين العقل والوجدان والاختلاف والائتلاف  دفاعا عن الحق في الوجود والانتماء رغم الخصوصية والاختلاف.

(قراءة مركبة في جواهر المبنى والمعنى في رواية “على منوال نوال” للروائي المغربي عبد الحق السرغيني)

 

تقديم

سأجعل قراءتي لهذه الرواية “على منوال نوال”، للروائي المغربي عبد الحق السرغيني (1) تتمرحل عبر الخطوات الخمس التالية:

ـ خطوة أولى سأخصصها لإبراز ترابطات الاسم والرواية، والمفهوم الذي تأطرت ضمنه.

ـ خطوة ثانية لاستجلاء طوبوغرافية الرواية وتمرحلاتها.

ـ خطوة ثالثة لاستنباط الظواهر التي أثارت اهتمام الرواية.

ـ خطوة رابعة للكشف عن خلفياتها المعرفية وبنائها الفني.

ـ وخطوة خامسة لتسجيل خلاصاتها ورسائلها الإنسانية والإبداعية.

وهي خطوات استهدفت من خلالها الجمع، في نسق قرائي، بين الاهتمام بالكاتب ومساره الإبداعي والروائي، والمفهوم الذي يسكن حركية هذه الرواية موضوع التأمل والتحليل والتأويل، وتمرحلات صيرورتها الروائية، والظواهر التي تساوقت وتقاطعت عبر تضاريسها، وخلفياتها المعرفية وآليات انبنائها الفني، وما تستضمره من رسائل معرفية واجتماعية وإنسانية.

1 ـ في المفهوم والاسم والرواية:

أبدأ بتحديد المفهوم الذي شدني وأنا أقرأ هذه الرواية؛ وهو مفهوم مركب، يجمع بين الخلفية الحقوقية والفلسفية والسوسيوثقافية المستنيرة في الآن نفسه. إنه مفهوم يمس جوهر الوجود الإنساني، ويحرك قدراته التفاعلية مع ذاته ومحيطه، ويسند شهيته للحياة: إنه باختصار مفهوم: “الحق في الوجود، رغم الاختلاف في مواقع ومظاهر وإمكانات الوجود”. مفهوم، كما تهمس الرواية في مسامعنا، يقوم على أطروحة أساسية مفادها أن الإبداع وسيلة من وسائل تحرير الإرادة الإنسانية.

أما الاسم الذي رافع عن هذا المفهوم روائيا فهو الروائي المغربي الدكتور عبد الحق السرغيني في رواية “على منوال نوال”، انطلاقا من أطروحة هذه الرواية التي تقوم على شعار تعايشي مفاده “أن الاختلاف لا يلغي إمكانية الائتلاف، ولا يبطل الهوية الشخصية، أو يجرد الفرد من مميزاته الإنسانية” (2).

وعن كون الرواية تساهم في تحرير الإنسان، وترسخ لديه قناعة الإيمان بالحرية والعدالة الاجتماعية، باعتبارها شرطا أساسيا للكينونة وفك القيود عنها، موضوعية خارجية كانت أو ذاتية داخلية، فإن كاتبها يستنطق بطلتها لتقول مخاطبة المتلقي: ” وها أنت تجرأت وأمسكت بالكتاب، وخلصتني من الغربة والاكتئاب، بل وملأت فراغ وجودي بتحرير قيودي” (3).

وبقراءتي لهذه الرواية، يكون اللقاء الثالث لي مع هذا الحَكَّاء النَّسَاج لوقائع ومجريات ووقائع التجربة الإنسانية في العديد من أبعادها ومستوياتها. وتأتي هذه الرواية، تتويجا لمسار روائي متميز، اشتهر بالحفر الروائي في ذاكرتنا التاريخية والسوسيوثقافية، بدءا من رواية “من خبايا الواقع العجيب (4)، التي استرجع من خلالها علامات مضيئة من ذاكرة مكناس بمعالمها العمرانية وزواياها وتراثها السوسيو ثقافي والروحي، وطقوس حياتها، وكرامات مجاذيبها المشرقين بالحكمة والإحالة”.

و”نزع المغيب” التي تستعيد روائيا لحظات أفول غرناطة والأندلس ككل، وما رافق ذلك من أحداث ومجريات وكدمات نفسية واجتماعية وتاريخية (5). وها هو الآن يواصل حفرياته بواسطة هذه الرواية الأخيرة، ليس في الذاكرة، ولكن في كيان ووجدان الإنسان المغربي المعاصر، مقتحما العديد من ظواهر واقعه وقضاياه، والتباس حياته، وما يحكم هذه الحياة من قيم واختيارات ومفارقات.

2ـ في طوبوغرافية الرواية وتمرحلات مسارها السردي:

“على منوال نوال”، رواية تدور وقائعها التي تجمع بين الواقع والافتراض، في مدينة مكناس؛ جعلها المبدع عبد الحق السرغيني تتوزع وتتمرحل عبر تسعة عشر نفسا روائيا، أو إن شئت قل عتبات أو فصولا أو مقامات روائية، كما يلي:

ـ العتبة الأولى: عتبة إهدائية بطعم الانتصار لقيم الإنسانية عموما وعلى رأسها قيم التضامن في خدمة ذوي الحاجيات الخاصة باعتبارهم جزء لا يتجزأ من المجتمع المدني. (6)

ـ عتبة الاستهلال الروائي، أو عتبة إدماج المتلقي. (7)

ـ عتبة البؤرة الروائية (انطلاق مسيرة بطلة الرواية).

ـ عتبة الائتلاف، تحت شعار “من أجل التعايش الطبقي في المجتمع المغربي”. (8)

ـ عتبة البوح بالأغوار أو انعتاق النفس الكسيرة. (9)

ـ عتبة الفرضية الخاطئة (فرضية انزياح السبغيات عن منطق نسقها البيولوجي. (10)

ـ عتبة إغواء البطلة نوال عبر التواصل الافتراضي. (11)

ـ عتبة اصطدام منطق العقل التدبير ومنطق الغريزة والتغرير بين البطلة وزوجها. (12)

ـ عتبة الفجوة بعد عدوى كوفيد 19. (13)

ـ عتبة الوفاق وربط الوثاق بين البطلة وزوجها عباس أو من حياة الافتراض إلى حياة الواقع. (14)

ـ عتبة الشك والتردد بعد امتحان التجربة. (15)

ـ عتبة مفارقة التبذير والتدبير. (16)

ـ عتبة المفاجأة الصادمة أثناء ولادة البطلة. (17)

ـ عتبة الشقاق والفراق. (18)

ـ عتبة انتقال البطلة إلى النضال الأعظم والأكبر في إطار العمل الجمعوي من أجل مساعدة ذوي الحاجات الخاصة. (19)

ـ عتبة الموت (موت صديقتها الممرضة التي ساعدتها أثناء الولادة.) (20)

ـ عتبة الإصرار من أجل استئناف مسار الحياة أو الزواج الثاني لبطلة الرواية. (21)

ـ عتبة المثال “على منوال نوال” (22)

ـ عتبة النهاية أو انفراج المسارات. (23) ويمكن تلخيص المسار الحياتي لبطلة الرواية كما يلي:

لقد كانت نوال بطلة الرواية من أسرة فقيرة، لكنها سوف تنبثق شعلتها من ذلك الرماد الذي يشبه العدم، بعصامية مسنودة بعقلانية التربية الفلسفية ومنطق التنوير، دون التفريط في مقومات الأصالة. تخرجت من الكلية حاملة شهادة الإجازة، لتتوج مسيرتها التحصيلية بشهادة الدكتوراة في الفلسفة، وتعبر بعد ذلك سيرتها ومحطات تجربتها الوجودية عبر عدة محطات حرجة اجتازتها بنجاح، بل وامتحانا على مدى نجاعة ما اكتسبته من روح التربية الفلسفية التي تجمع بين الانفتاح والتعايش والائتلاف مع المُختلف، مع الحفاظ على الخصوصية والهوية. وبذلك شقت طريقها وسط مفارقات محيطها الاجتماعي دفاعا عن قيم الحق والحرية والكرامة، وساعدتها مبادئ التفكير الفلسفي على التخلص من رواسب تجربتها وعقدها اللاشعورية.

انفتاحها الأول كان على صديقتها جوهرة التي تختلف عنها طبقيا، بحيث تتصنف ضمن الطبقة الميسورة بما يرافق ذلك من خصوصيات على مستوى السلوك، هذه الصديقة التي ستساعدها على التخلص من رواسب عقدها النفسية، والتي ستتعرف من خلالها على حالة إنسانية نادرة ومؤلمة في الوقت نفسه، بعدما ولدت بنتا من حملة متلازمة داون، أو ما يسمى علميا بالأطفال ثلاثي الصبغي 21، الذين يشكون من اختلال جيني بسبب في عدم توازن الكفايات الذهنية والبدنية.

أما انفتاحها الثاني فقد كان على عاشق محتال برحاب الكلية يسمى سالم، عبر تجربة انتهت فاشلة، استطاعت بفضل حكمتها وفطنتها أن تتخلص من شباكه في الوقت المناسب.

والانفتاح الثالث فقد كان على رجل الأعمال المسمى عباس، في محاولة لتصحيح مسارها الفاشل في التجربة العاطفية السابقة، لكنها ستكتشف بعد اغراءات متعددة، بل وبعد الزواج منه، أنه من طينة البورجوازيين الذين لا يعيرون اهتماما للقيم الإنسانية، بقدر ما ينساقون لنداء غرائزهم ونزواتهم الحيوانية، فضلا عن إدمانه على شرب الكحول بكل أصنافها. وبمقتضى ذلك، وبعدما استحالت كل المحاولات لتصحيح مساره، ستفسخ عقد زواجها به، وفي بطنها طفلة منه، ستولد حاملة لنفس متلازمة داون التي خلقت بها ابنة صديقتها جوهرة.

أما الانفتاح الرابع والأخير، فقد كان على المسمى الرشيد، صديق عباس الذي حاول ترشيد صديقه وإرجاعه لسكة الصواب دون جدوى، والذي سيتزوج بعد وفاة زوجته الممرضة رقية، بنوال لتستقر حياة هذه الأخيرة معه، نظرا لما يحمله من قيم إنسانية ومن تجربة حياتية ناضجة.

وعلى هذه التجربة النموذجية دار النسق الروائي لهذه الرواية، وهو ما عمل الكاتب على تجسيده وأجرأته في الأنفاس التسعة عشر؛ أو العتبات التي حددناها أعلاه.

3 ـ الظواهر التي عَرَّتها الرواية بالفضح والنقد والتقويم، عبر مسارها الروائي:

إذا كانت الرواية، من خلال العين اللاقطة لكاتبها، تعتبر حسب الفيلسوف الأديب الروسي ميخائيل باختين (1895 ـ 1975) تعتبر من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على استنطاق التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، وتشريح ما يرافقها من ظواهر، باعتبارها نظامَ تعابير تتفاعل فيما بينها حواريا (24)، فإن هذه الرواية التي نحتفي بصدورها اليوم تعتبر نموذجا رائدا من النماذج التي تجلي هذه الأطروحة، بانفتاحها على العديد من الظواهر التي باتت تؤرق المجتمع المغربي المعاصر. ومن أهم هذه الظواهر يمكن تسجيل التالية:

ـ ظاهرة المفارقات الاجتماعية، ومن بينها: مفارقة الائتلاف / الاختلاف، الخير / الشر، العقلانية / اللاعقلانية، الوضوح / الغموض… وكلها مفارقات ناضلت بطلة الرواية انتصارا للشق الأول منها ومقاومة للشق الثاني.

ـ ظاهرة الصراع الطبقي المتعدد الأشكال والمستويات، وتحدي أبناء الطبقة المقهورة من أجل الوصول إلى مراتب الفعل الاجتماعي والثقافي المتميز، رغم الصعوبات وأشكال الحصار، وأنوال تعتبر نموذجا لهذا التحدي، بحيث أصبحت أستاذة جامعية وفاعلة جمعوية لما بصمتها في المجتمع المغربي.

ـ ظاهرة معاناة المرأة المغربية، بين شعارات مدونة الأسرة، ورهانات الدستور الجديد، وواقع تنزيلها في الحياة الاجتماعية اليومية. وتعتبر بطلة هذه الرواية نموذجا في التحسيس بهذه الظاهرة والنضال من أجل العدالة الاجتماعية للمرأة المغربية في محيطها السوسيوثقافي، حيث تسود ظاهرة العنف الأسري والاجتماعي وأبشع أنواع الاستغلال.

ـ ظاهرة التفاوتات الطبقية في المجتمع المغربي، والتي يرافقها العديد من مظاهر الصراع الطبقي بين القيم الاستهلاكية الانتهازية، والقيم الإنسانية المبنية على أساس عقلاني أخلاقي.

ـ ظاهرة الضغط النفسي والانحباس بسبب الكبت وما يرافقه من مظاهر الانفجار وتحرير المكبوتات، التي قد تؤدي إلى أزمات واختلالات نفسية، إذا لم يتم الإفراج عنها عن طريق الوعي بها ومعرفه أسبابها.

ـ ظاهرة إغراء الشابات واستغلالهن والتخلي عنهن في آخر المطاف… وتعتبر نوال ضحية هذا السلوك الاجتماعي المتفشي، في الوسط الجامعي وكذا في الوسط الاجتماعي.

ـ ظاهرة أطفال الصبغى الثلاثي 21، الصادرة عن خلل جيني، وما يرافقها من مشاكل لهذا النوع من الأطفال، ولذويهم ووسطهم الاجتماعي والمدرسي.

ـ ظاهرة  كوفيد 19، وما رافق هذه الظاهرة الجائحة من ظواهر اجتماعية واقتصادية في العالم بشكل عام، وفي المجتمع المغربي بشكل خاص.

ـ ظاهرة الخلل السياسي المتفشي داخل الكثير من الأحزاب السياسية المغربية، ومن أبرز معالم هذه الظاهرة، تزكية أصحاب النفوذ المالي، ولو كانوا أميين، وانتهاز المناصب السياسية لممارسة العديد من أنواع الفساد، والجشع، وتزكية الأحباب، والأنساب، والأصحاب بلغة الراوي… (25)

ـ ظاهرة تفشي التواصل الرقمي، وما يرافق استخدامه الفوضوي من ظواهر الاجتثاث النفسي، والتفكك الاجتماعي، والاستلاب اللغوي والوجداني. (26)

ـ ظاهرة الارتكان إلى شرب الخمر، اعتقادا بأنه يحقق التوازن والسعادة، في حين أنه غالبا ما ينتهي بالدمار الصحي والنفسي والاجتماعي، وعباس في هذه الرواية خير دليل على ذلك، حيث انتهت حياته نهاية مأساوية، مع شعور مرير بالندم، حيث لا ينفع الندم.

ـ ظاهرة الاستغلال الجنسي للخادمات العاملات في البيوت. فقد كان عباس الزوج الأول لنوال من الممارسين لهذا السلوك اللاأخلاقي المشين (27) مع خادمتين من خادماته.

ـ ظاهرة تردي الوضع الاستشفائي في العديد من المستشفيات العمومية، نظرا لوجود نقص حاد في الأدوية، والأسرة، والموارد البشرية، ومختلف مرافقها الحيوية (28).

ـ ظاهرة تردي وضعية المدن العتيقة عموما ومن بينها مدينة مكناس على وجه الخصوص وتحولها تدريجيا إلى مدن هجينة، رغم أهميتها الحضارية والتراثية. (29)

ـ ظاهرة الوضع الهجين للمدرسة المغربية وللعديد من مسؤولي قطاع التربية والتعليم ببلادنا، وعدم قدرته على استيعاب وإدماج ذوي الحاجات الخاصة، ونظرتهم الدونية لهؤلاء. (30) مما يخالف أهم الأسس التي تقوم عليها التربية الحديثة.

4 ـ التقنيات الفنية الموظفة في الرواية:

يقوم البناء الفني لهذه الرواية على مجموعة من التقنيات التي أعطتها نكهة سردية خاصة. نذكر منها على سبيل المثال التقنيات التالية:

4 ـ1ـ تقنية التّسجيع:

أقصد بالتسجيع إنبناء الجمل على آلية السجع، وهو المقابلة الموسيقية بين أواخر الجمل المتتابعة، ويعتبر من أبرز المحسنات البديعية اللفظية التي تقوم مقام القافية في القول الشعري التقليدي. وهو تقليد راسخ في الكتابة السردية لدى الروائي عبد الحق السرغيني. ولغة الحكي لديه تحيلك منذ الوهلة الأولى على لغة مقامات الهمداني (969 م ـ 1007 م) صاحب المقامات الشهيرة (31)، وبعده الحريري (1054 م ـ 1122 م)، مبدع المقامات المشهورة بالمقامات الحريرية، التي يبلغ عددها حوالي 50 مقامة (32)؛ وهما من رواد أدب الحكي في الثقافة العربية؛ غير أن إحالتنا هاته لا تعني أن الدكتور السرغيني يقلد تقليدا حرفيا هذا النوع من الحكي، لأن لكل نمط من الحكي سياقاته وطقوسه. وأعتقد أن توظيفه للسجع يعتبر معاملا هادفا، وأن فرجة السجع اللغوي لديه تضفي نكهة خاصة على فرجة الحكي، بل وتضفي عليها نوعا من الجمالية اللغوية المركبة.

4 ـ 2 ـ تقنية استدراج المتلقي وإشراكه في بناء الرواية:

يعتبر الاعتراف بدور المتلقي في مرافقة مسار النص، وإعادة بنائه، مبدأ من مبادئ نظرية جمال التلقي وهو المبدأ الذي يجعل القارئ في مركز العملية الإبداعية، باعتباره هو الذي يعطيها القيمة والمعنى والدلالة، عبر تمثلها وتأويل مضامينها، وإضفاء حياة جديدة عليها. (33)

ومنذ النفس الأول للرواية يجعل كاتبُها بطلتَها تستضيفك بمرافعة الاستقطاب، وتدعوك لمصاحبتها، بل وتأبى إلا أن تودعك في النفس الأخير للرواية بنفس الطريقة. وهي رسالة تستضمر أهمية الإبداع عموما والرواية أو فن الشهادة على وجه الخصوص، في مد الجسور بين الكاتب والقارئ، انطلاقا من أن البوح يساهم في لَمِّ الجرح.

 4 ـ 3 ـ تقنية الطي أو الإضمار:

وهي تقنية تنبني على جمالية الاختزال. ففي دينامية الحكي يعمد الكاتب إلى عدم الإغراق في التفاصيل والجزئيات؛ بحيث ينتقل مباشرة إلى النتيجة، معولا في ذلك على نباهة المتلقي وقدرته على إدراك تلك التفاصيل والجزئيات المحذوفة.

ومن الأمثلة على ذلك قوله على لسان أمها وقد تلقت منها خبر مشروع ارتباطها:

[قد أتى أبوك. هرعت نوال إلى غرفتها لفسح المجال لأمها التي من المؤكد أنها ستخبر جلال على وجه الاستعجال بالبشرى الكبرى التي طال انتظارها. لعل إصرارها على الانسحاب لا يعدو أن يكون درءا للخجل والهيبة والوجل. جمع حفل الزفاف ثلة من الأقرباء ومر في أحسن الأحوال…]

4 ـ 4 ـ تقنية التدوير:

أقصد بالتدوير تلك الدينامية التي تعطي للحكي حركية دائرية، أو ما يمكن تسميته بالحكي الذي يسير مسارا لولبيا. وتتجلى آثار هذه التقنية في بدايات أنفاس الرواية، إما بواسطة أفعال تتناوب فيها الأزمنة على توجيه الأحداث، نحو ما كان، وما هو كائن، أو ما يمكن أن يكون، أو بواسطة صيغ تدل على ذلك مثل: [ذات يوم (34)، منذ الصبا (35)، منذ أيام (36)، حين أحس (37)، بينما استعادت الحياة وتيرتها (38)، ابتلعت نوال غصتها وواجهت قدرها (39)، استمسك الرشيد (40)، ابتهجت نوال لقرار جوهرة (41)؛ أو يحضر التدوير بواسطة اللازمة المشار إليها أعلاه، (ما خاب من سار على منوال نوال)، في آخر كل نفس من أنفاس الرواية (42).

 4 ـ 5 ـ تقنية بناء الأحداث وتناسلها داخل المتن الروائي:

إن تقنية تفكيك الأحداث وإعادة بنائها، وتأطيرها بالإحالات المعرفية والرسائل الإنسانية في الكتابة الروائية لعبد الحق السرغيني تمتح من مرجعية حداثية تجمع بين السرد الموضوعي المباشر، وما يسمى بالسرد الذاتي، والسرد بمختلف الضمائر والألسنة والأصوات المتعددة في المونولوغات، وبذلك يستجيب للحساسية الجديدة في الكتابة والنقد الروائيين، كما نَظَّر لذلك كل من جيرار جينيت (1930 ـ 2018)، صاحب كتاب “في خطاب الحكاية” (43)، وتودوروف (1939 ـ 2017) صاحب “المدخل إلى الأدب العجائبي” (45)، وباختين (1895ـ 1975) مبدع كتاب “الخطاب الروائي” (46)، ورولان بارت (1915 ـ 1980) كاتب “لذة النص” (47). وكلها نصوص تركت مفعولها في الخطاب الروائي العربي وضمنه الخطاب الروائي المغربي، بقدر ما تركت مفعولها في الكتابة الروائية ذاتها.

5 ـ الخلفية المعرفية لرواية “على منوال نوال”:

تعتبر رواية “على منوال نوال” من الروايات المتميزة بالغنى على مستوى خلفيتها ومرجعيتها المعرفية. وقد تقاطعت فيها العديد من هذه المرجعيات؛ بحيث حضرت المرجعية الفلسفية باعتبارها تساهم في إعادة تشكيل وتأطير الوعي الإنساني وتمكينه من اكتساب نظرة شمولية ونقدية تجمع بين الواجب والممكن، بين منطق الضرورة ومنطق الاحتمال. وقد كانت بطلة الرواية نموذجا حيا على ذلك؛ بالإضافة إلى المرجعية السيكولوجية التي وظفها كاتب الرواية في تحليل طبائع ونفسيات شخوصه الروائية مشيرا من خلال ذلك إلى أن ثمة طاقة فينا اسمها الطاقة اللاشعورية، والتي تتجلى على مستوى العديد من مظاهر سلوكنا؛ كما تحضر المرجعية العلمية في التعريف العلمي ظاهرة آفة الصبغي الثلاثي 21، وتجاوز المفهوم الميثولوجي التقليدي السائد لهذه الظاهرة. وأخيرا تحضر المرجعية السيبرنيتكية التي سلطت الرواية من خلالها الضوء على الآثار السلبية لاستخدام تقنية والتواصل الاجتماعي الافتراضي بطريقة فوضوية وملتبسة.

6 ـ الرسائل الإنسانية والإبداعية لرواية “على منوال نوال”:

إن رواية “على منوال نوال” حبلى بالرسائل، نبرز منها ما يلي:

ـ الحرية شرط الكينونة، ومساهمة الإبداع عموما، والرواية على وجه الخصوص، في تعميق الوعي بأهمية مقاومة العوائق، وفك الحصار عن الذين سُلبت منهم هذه الحرية ، وعدم الاستسلام لموانعها (الصفحة 5).

ـ المعرفة شرط وأساس الحرية الهادفة والمسؤولة.

ـ أهمية التعايش الطبقي والإنساني في المجتمع شرط الاستقرار واستمرار الحياة. وهو ما تؤكد البطلة عليه في كلمة النهاية (48).

ـ أهمية الاهتمام بقيم الأطفال الصبغى الثلاثي 21، (ص 202، 203، 204). والروائي هنا ليس مجرد منظر أو روائي يعالج هذه الظاهرة، بل هو ممارس وفاعل جمعوي لرعاية ضحاياها باعتباره رئيس الجمعية المغربية للأطفال الحاملين للتثليث الصبغى 21، لحوالي عقدين من زمن عمره، أي منذ تأسيسها سنة 2005، وهو يكرس جهوده الإنسانية لخدمة هذه الفئة، والدفاع عن حقوقها في الرعاية والتأهيل والإدماج داخل المجتمع، وذلك من خلال إحداثه مركزا لرعايتهم وتحسين جودة تأطيرهم بهذا المركز. وكانت النتيجة إدماج عدد منهم بالمؤسسات التعليمية العمومية إلى جانب أقرانهم الأسوياء، وكذا فتح آفاق إدماجهم مهنيا، عبر شراكة مع مؤسسة سازاكي بمكناس.

وقد حضرت شخصيا مرات عديدة الاحتفال الذي تنظمه هذه الجمعية بمناسبة اليوم العالمي للتثليث الصبغي 21، وآخرها يوم 21 مارس 2026. وهو اليوم الذي أعلنته الأمم المتحدة رسميا لتحتفل به سنويا وذلك منذ عام 2021، ووقفت على النتائج المبهرة لعمل هذه الجمعية، وكيف استطاع هذا النوع من الكائنات البشرية إلى أن يتحولوا مبدعين معبرين عن كينونتهم، وحسهم الوطني الرفيع، بواسطة الشعر والمسرح، حيث مرَّروا رسائل مضمونها “نحن أيضا لنا الحق في الوجود والانتماء رغم الاختلاف، ومهما كانت أعذار الجسد فتبقى للروح كلمتها وللبوح حضوره. وبهذا العمق الإنساني والمهارة الإبداعية تكون رواية “على منوال نوال”، إنجازا يؤكد استمرارية الحضور الثقافي الهادف للدكتور والروائي عبد الحق السرغيني.

والرسالة الأخيرة ذات طابع إبداعي مفادها أن الرواية ليست مجرد حكي واسترجاع لما مضى، أو لما هو كائن، وإنما هي بالإضافة إلى ذلك، رسم لمعالم حياة جديدة. ولو كنت مخرجا سينمائيا لعملت على إخراج هذه الرواية في فيلم، بالإمكان أن تعمق تقنيتَه البصرية مضمونَ الرواية، حتى تصل رسائلها إلى أكبر شريحة ممكنة من المتلقين.

الإحالات

  1. عبد الحق السرغيني، على منوال نوال، رواية، دار نشر المعرفة، الرباط، طبعة 2026.
  2. المرجع نفسه، ص 140.
  3. المرجع نفسه، ص 5.
  4. عبد الحق السرغيني، من خبايا الواقع العجيب، رواية، نشرة دار الثقافة، الدار البيضاء، 2010.
  5. عبد الحق السرغيني، نزع المغيب، رواية، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء 2018.
  6. عبد الحق السرغيني، على منوال نوال، رواية، دار نشر المعرفة، الرباط، طبعة 2026.
  7. المرجع نفسه، ص 5.
  8. المرجع نفسه، ص 19.
  9. المرجع نفسه، ص 33.
  10. المرجع نفسه، ص 53.
  11. المرجع نفسه، ص 67.
  12. المرجع نفسه، ص 73.
  13. المرجع نفسه، ص 82.
  14. المرجع نفسه، ص 107.
  15. المرجع نفسه، ص 133.
  16. المرجع نفسه، ص 148.
  17. المرجع نفسه، ص 173.
  18. المرجع نفسه، ص 173.
  19. المرجع نفسه، ص 193.
  20. المرجع نفسه، ص 194.
  21. المرجع نفسه، ص 211.
  22. المرجع نفسه، ص 220.
  23. المرجع نفسه، ص 228.
  24. المرجع نفسه، ص 231.
  25. ميخائيل باختين، صاحب “الملحمة والرواية”، 1949م، الذي ترجمه إلى العربية جمال شحيد، الصادرة عن معهد الإنماء العربي سنة 1982م، و”أشكال الزمن والكرونوتوب في الرواية”، 1937، الذي ترجمه إلى العربية يوسف حلاق، وخرج ضمن إصدارات وزارة الثقافة السورية 1990م، و”الكلمة والرواية”، 1934م، الذي ترجمه إلى العربية يوسف حلاق، والصادر على منشورات الثقافة السورية سنة 1983م.
  26. عبد الحق السرغيني، على منوال نوال، رواية، دار نشر المعرفة، الرباط، طبعة 2026.ص 109.
  27. المرجع نفسه، ص 11.
  28. المرجع نفسه، ص 143.
  29. المرجع نفسه، ص 180.
  30. المرجع نفسه، ص 183 ـ 184.
  31. المرجع نفسه، ص 202 ـ 203.
  32. مقامات بديع الزمان الهمداني، قدم لها وشرح أغراضها الإمام العلامة الشيخ محمد عبده، منشورات دار الكتب العربية، بيروت، طبعة 2005.
  33. مقامات الحريري، تقديم عباس أحمد البار، نشرة دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1978.
  34. هانز روبرت ياوس، جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي، تقديم وترجمة رشيد بن حدو، منشورات الاختلاف، الرباط 2016.
  35. عبد الحق السرغيني، على منوال نوال، رواية، دار نشر المعرفة، الرباط، طبعة 2026.ص 126 ـ 127.
  36. المرجع نفسه، ص 8.
  37. المرجع نفسه، ص 19.
  38. المرجع نفسه، ص 53.
  39. المرجع نفسه، ص 107.
  40. المرجع نفسه، ص 133.
  41. المرجع نفسه، ص 199.
  42. المرجع نفسه، ص 220.
  43. المرجع نفسه، ص 228.
  44. اللازمة التي تحضر في الصفحات التالية: 18 ـ 32 ـ 53 ـ 66 ـ 72 ـ 81 ـ 132 ـ 147 ـ 172 ـ 188 ـ 210ـ 198 ـ 210 ـ 219 ـ 227 ـ 230 ـ 240.
  45. جيرار جينيت، خطاب الحكاية بحث في المنهج (1972)، ترجمة محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر حلي، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، ط 3، 1977.
  46. تودوروف، المدخل إلى الأدب العجائبي (1970)، ترجمه إلى العربية الصديق بوعلام، وقدم له الأديب الروائي المغربي محمد برادة، منشورة دار السلام، الرباط، ط1، 1993.
  47. ميخائيل باختين، الخطاب الروائي (1934) ترجمه إلى العربية محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر، القاهرة، 1987.
  48. رولان بارت، لذة النص (1973)، ترجمه إلى العربية فؤاد الصفا والحسين سحبان، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 1، (1988).

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً