الرئيسية / الأعداد / الهوية والذاكرة في رواية “بين قافين” للروائي المغربي محسن نموس – كمال العود

الهوية والذاكرة في رواية “بين قافين” للروائي المغربي محسن نموس – كمال العود

  الهوية والذاكرة في رواية “بين قافين” للروائي المغربي محسن نموس

كمال العود*

تعتبر الرواية الجنس الأدبي الأكثر قدرة على تمثيل الواقع الذي يعاني الشتات من حيث الرؤية والوضوح، فهي تمنح السرد القدرة على صهر اليوميات بالمتخيل عبر سلسلة من الصور والرموز التي تترجم أفكارنا ومشاعرنا الدفينة.

وبوصف الرواية نصا تخيليا، فإنها تتحول إلى مرآة عاكسة لتفاصيل الواقع وتجلياته، حيث يبرز الواقع الاجتماعي كقضية جوهرية في صلب التجربة الروائية. هذا الواقع تتداخل فيه العناصر الثقافية، والاجتماعية، السياسية، التاريخية، والفكرية، وأي محاولة لفصل هذه العناصر عن بعضها سيؤدي إلى إفقاد الرواية لدورها الحقيقي وقيمتها الجوهرية كشهادة إنسانية شاملة.

من هنا فالرواية ليست مجرد حكاية تروى بل إنها مرآة ترصد العلاقات بين أفراد المجتمع اقتصاديا وسياسيا وفكريا وتعكس الصراعات الإيديولوجية فيما بينهم، ولكنها ليست محاكاة للواقع بقدر ما هي عملية تخيلية تعرض بأساليب فنية جاذبة لتحقق غايتها.

تعد رواية “بين قافين” للروائي المغربي محسن نموس، عمل سردي تتسم بالعمق الانساني، حيث تشرح واقع فئة الجنود والعسكر بالمغرب عبر عدسة ذاتية ذكية. فالعمل يتقاطع فيه الهم الفردي بالهم الجمعي، محولا بذلك الأنين الفردي إلى صوت جماعي يعكس واقعا معقدا.

يقدم الكاتب نصا متين البنية. تلتقي فيه الواقعية الاجتماعية بالنزعة الوجودية، حيث يتحول الاغتراب من حالة مكانية إلى حالة نفسية ووجودية تحاصر الإنسان في وطنه وفي ذاته في آن واحد.

هذه الرواية، الصادرة عن “دار العائدون للنشر والتوزيع”، بالأردن سنة 2024، باكورة أعماله السردية، حيث جاءت في 217 صفحة من الحجم المتوسط، وصدر له أيضا رواية “ظلال الماريشال” سنة 2025 عن نفس الدار.

تتناول الرواية هدم حي ظهر المهراز الجامعي في فاس، وتربط الماضي بالحاضر من خلال ذكريات بطل الرواية، يعود “العربي” الرجل المتقاعد في نهاية عمره من أوروبا ليموت في تراب بلدته المتاخمة لفاس بعدما رفضت زوجته الفرنسية العودة معه “على أعتاب السبعين من عمري. متقاعد، غريب، دخيل، عربي من الضفة الأخرى، سقطت عني كل أوراق التوت وتعريب أمام مجتمع – حرية، مساواة، أخوة- فبت عبد أسرتي الصغيرة، منبوذ ‘اليمين المتطرف'” ص 16، وبما أنه مر من ظهر المهراز ذات يوم قرر أن يلقي نظرة أخيرة على التل المرتفع (ظهر المهراز) قبل الوصول إلى بلدته “هل أستطيع المرور بفاس مولاي إدريس دون أن أعرج على التل المرتفع شرقا؟ لا.. لا أعتقد أنني أستطيع ذلك ! سأعود أولا إلى القلعة، إلى القنطرة.. إلى دوار العسكر.. إلى المقبرة المسيحية..” ص 18.

هذه الرواية تتقاطع فيها تيمات الذاكرة، الهوية، والواقع الاجتماعي:

تيمة الذاكرة والهوية

تعتبر الذاكرة المحرك الأساسي للأحداث في الرواية. يحاول الروائي محسن من خلال شخصياته استرجاع الماضي ليس فقط كحنين، بل كأداة لفهم الحاضر المشتت وتجلى ذلك في نقطتين، أولها البحث عن الذات حيث تظهر الشخصيات وهي تعيش صراعا داخليا بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه، وثانيها الهوية الجريحة التي تسعى لاستكشاف دور الأحداث السياسية والاجتماعية في تشكيل هوية الفرد المغربي “حياة هدها الجري وراء سراب البناء، ووهم والتشييد والمستقبل. أي غفلة يعيشها الإنسان وهو يركض خلف كذبة المستقبل مضيعا على نفسه عيش الحاضر؟!” ص 18. ” اختاروا البقاء في فرنسا ليحيوا، ولا ألومهم في ذلك، أما أنا، فآثرت الرحيل لبلادي لأموت” ص 20.

تيمة الصراع

فعنوان الرواية ” بين قافين” يحمل دلالة رمزية عميقة قد تشير إلى ثنائيات عديدة كصراع بين الهامش والمركز أو ثنائية السجن (سواء حسيا أو معنويا) والبحث الدائم عن الحرية، وصراع الكائن والممكن الذي تجلى في الفجوة بين الجيل الماضي وتطلعات الأجيال الجديدة هذه الثنائيات يمثلها “ميمون” ” ربما ليس هناك حل غير البقاء هنا أطول فترة ممكنة، وعندما يطلق سراحي أغادر الحي والجامعة والمدينة وربما الحياة وأخلص نفسي من كل هذا العذاب” ص 50.

الواقع الاجتماعي والسياسي

ينخرط الروائي محسن في تشريح الواقع المغربي، مسلطا الضوء التهميش عبر رصد حياة الفئات المنسية والمعاناة اليومية في الأحياء الشعبية “ووطني كثيرا ما ييسر سبل الموت على إمكانيات العيش” ص 20، ” في الحي الصفيحي (دوار العسكر) المجاور للكليات الثلاث، حيث نما ميمون وترعرع بين الفئران والعقارب وباقي الحشرات التي أودعها الله في الأرض، تختفي عدة مهن مع بداية كل موسم جامعي، يتحول الجميع إلى حرفة السمسرة دفعة واحدة” ص 33.

موجها نقدا مؤسساتيا عبر رسائل نقدية حول البنى الاجتماعية والسياسية والتعليمية التي تساهم في اغتراب الفرد “سلبيات الجهل والفقر والتهميش والهشاشة التي يغرق فيها الحي، أنها تورث في نفوس البشر إحساسا مزمنا بالضعف والوهن وانعدام القيمة…” ص 28.

تيمة الاغتراب (الداخلي والخارجي)

يعيش أبطال الرواية حالة من الغربة حتى وهم داخل أوطانهم عبر مستويين، أولها الاغتراب الروحي أي عدم الشعور بعدم الانتماء للمحيط السائد كحالة “العربي” واغترابه في وسطه الأسري ” أحس أنني دخيل بينهم، نظرات زوجتي تشي بذلك، والأبناء على سجية والدتهم وبلدهم” ص 16. وثانيها التمزق النفسي حيث تسيطر على الشخصيات الرغبة في التغيير والخوف من تبعاته.

تيمة الجسد واللغة

يستخدم الكاتب لغة شعرية مكثفة أحيانا ” لم أنظم لهن شعرا.. لم أخط في سبيل عيونهن نثرا.. لم أحمل ريشة، ولم تطأ قدماي مرسما…” ص 11، وأن يجعل من حرف القاف فخا ومخرجا معا، وواقعية أحيانا أخرى وذلك تعبيرا عن وجع الجسد، فالأخير ليس مجرد وعاء، بل مسرح للمعاناة والقمع واللذة أيضا.

على سبيل الختم

وأهم ما يميز هذا المشروع السردي بأنه استثنائي ولافت للنظر في تاريخ الأدب المغربي المعاصر، إذ تتقاطع فيه بشكل فني مركب مجموعة من التيمات الأساسية التي تشكل جوهر الوعي المغربي، مثل الذاكرة الجماعية التي تحمل آثار التراث، والهوية المتعددة الوجوه في مواجهة التغييرات الثقافية والعمرانية، بالإضافة إلى الواقع الاجتماعي الذي يعكس الفقر، الهجرة، والصراعات الطبقية في المجتمع المغربي.  يبرز أسلوب نموس الفريد في دمج الواقعية، التي ترسم لوحات حية للحياة اليومية في الأحياء الشعبية “حي العسكر”، مع الرمزية الشعرية التي تحول الرموز اليومية مثل “قافين” اللذين يشيران إلى الحدود الزمنية أو الثقافية إلى مداخل لاستكشاف أعماق النفس البشرية والتاريخ الجماعي. هذا التلاقي بين الواقعي والرمزي لا يقتصر على الإثارة الجمالية، بل يصبح أداة لنقد اجتماعي حاد، يسلط الضوء على قضايا مثل فقدان الذاكرة الثقافية أمام التحديث السريع، والبحث عن هوية مستقرة في عالم يتغير باستمرار. من خلال سرده غير الخطي، الذي يتنقل بين الماضي والحاضر عبر وجهات نظر متعددة، يدعو نموس القارئ إلى إعادة بناء الرواية بنفسه، مما يجعل “بين قافين” ليست مجرد عمل أدبي، بل تجربة تفاعلية تعيد تشكيل فهمنا للتاريخ الإنساني بشكل عام، مؤكدا مكانة محسن نموس كواحد من أبرز صانعي النصوص السردية في جيله.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً