الرئيسية / الأعداد / التاريخ الاجتماعي للسودان في المجموعة القصصية “النوم عند قدمي الجبل” للقاص السوداني حمور زيادة – كمال العود

التاريخ الاجتماعي للسودان في المجموعة القصصية “النوم عند قدمي الجبل” للقاص السوداني حمور زيادة – كمال العود

  التاريخ الاجتماعي للسودان في المجموعة القصصية “النوم عند قدمي الجبل” للقاص السوداني حمور زيادة

كمال العود*

 

تبدو صورة الحياة التي شكلها القاص السوداني حمور زيادة في مجموعته “النوم عند قدمي الجبل” الصادرة في الطبعة الأولى عن دار ميريت للنشر والتوزيع 2014، صورة من صور الواقعية السحرية، حيث إنه يرتكز في بناء عالمه السردي على حسه وموروثه الأسطوري، الثقافي، والمعرفي في بناء قصصه التي تدور عن الموروث، العادات، والتقاليد، مستدعيا صور مجتمعية سودانية، وتفاصيلها الواسعة التي تمزج بين الواقعي والسحري، لأنه كاتب محترف يصنع من الخيالات واقعا فنيا مأزوما تارة ومشرقا تارة أخرى.

تسرد المجموعة قصصا من حكايات القرية تمتد من مطلع القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، وصولا إلى بدايات القرن الحادي والعشرين، مصورة أحوال الناس وما تنطوي عليه حياتهم من تفاصيل. وهي على الرغم من تعاقب الأزمنة، تبقى على حالها الممتد من عهد الفونج إلى الألفية الثالثة، مما يثير الحيرة والتأمل.

  قصص للحكي والاستمتاع، تدور أحداثها في قرى شمال السودان، تنقل صورة حية لطبيعة الحياة هناك بين البيئة والموروث. يرويها رواة يندمجون تماما مع مجتمع هذه القرى في أفعالهم ومعتقداتهم، بلغة بسيطة مباشرة تعكس اليومي في القرية، مزخرفة ببيانات وتشبيهات مستمدة من بيئة وثقافة المكان والزمان، لتضفي صدقا على الأحداث.

“النوم عند قدمي الجبل” هي القصة الافتتاحية في هذه المجموعة القصصية التي تحمل نفس الاسم، وتعد كسيناريو الأساسي لفيلم “ستموت في العشرين”، الذي حقق نجاحا كبيرا وحصد عدة جوائز سينمائية. تجري أحداث القصة في فترة الممتدة من الستينيات إلى الثمانينيات من القرن الماضي، بطلها الفتى “مزمل” الذي يصاب بصدمة نفسية عميقة عندما نبأه الشيخ الصوفي “خليفة الشيخ أبوعاقلة” بمصيره المأساوي، الموت في العشرين من عمره “لم ينس الذين شهدوا الكرامة وأكلوا لحم الثيران الثلاثة والجمل تلك الليلة، وكذلك النور الذي عاد بولده منكسراً ليضعه بين يدي والدته سكينة ويخبرها بما حدث فتصيح وتنعى ولدها حتى إنها نسيت أن ترضعه، ومنذ ذلك الحين أصبح كل الناس يتوقعون موت مزمل النور يوم يكمل عامه العشرين” ص 105.

تتشابك القصة مع عالم التصوف الشعبي، حيث يعيش مزمل وأبويه قريته تحت وطأة الإيمان بكرامات الشيوخ والأولياء، مما يجعل القدر نبوءة تحكم حياته بقسوة، وتكشف عن صراع داخلي بين الخرافة والواقع في سياق مجتمع ريفي تقليدي “كل الناس كانت تعلم أن مزمل النور سيموت يوم يكمل عامه العشرين؛ استناداً إلى نبوءة لا يزال مزمل يسمعها منذ شب واشتد عوده. فالنسوة اللائي يزرن أمه كن يربتن على رأسه في حنو، ويهمسن: يا مسكين. تموت صبيا. الدنيا خربانة. والصبية الذين يخرج معهم لرعي الغنم يتقافزون أمامه ويخرجون السنتهم له، يهتفون: ود الموت.. ود الموت” ص 94.

انتظر “مزمل” عشرين عاما ليرقص فرحا، وعشرين عاما ليغري نفسه بالمحرمات، انتظر اللحظة الختامية ليقرر تجربة ما فاته من متع. اختار الرحيل عن الدنيا متطهرا بآثامه، منتشيا بلحظة ماجنة، متدثرا بثياب المعصية. اختلطت المفاهيم، وسمع النصائح والحكم من أصحاب التجارب، كل ذي ذنب يدعي أنه الأول والآخر، وحكمةُ البر مقرها صدره، وأن فعله هو الخير، وأنه أعلم بتصريف الخالق وحسن تدبيره من الخالق نفسه “على الأقل..سيكون لديك الخيار يا ابني، فتعرف ماذا تهجر، إذ كيف يعيش للطاعة من لم يعرف المعصية؟ وكيف يأتي الانسان إلى ربه وليس معه معصية أو كبيرة؟ هذا تحقير لرحمة الله وعفوه. لا يجوز !” ص 115.

من خلال قصة “مزمل” وباقي القصص: “حكاية حسنة بنت قنديل وما جرى بسببها”، “عندما هاجرت الداية”، ” لكل عام خريف”، “حلة ود أزرق”…، سنتعرف على مجتمع السودان عبر مقاطع قصيرة تمتد من بدايات القرن التاسع عشر إلى الألفية الثالثة. متابعة يوميات أهل القرى في مشاغلهم اليومية، الزراعة، توفير الخدمات الأساسية، والتجمعات الاجتماعية عند دكان القرية أو في المناسبات. وفي الخلفية، تأثير الصوفية المتجذر بعمق في اللاوعي الجمعي.

نستشف أن الكاتب من خلال سرده يقف في موقف الحياد، حيث يترك للقارئ حرية رؤية هذه القرى بعيونه. لا يحدد تاريخ القصص، غير أن المتن الحكائي يسمح باستنتاج زمنها من بعض الإشارات (لون الزي المدرسي، فرع جامعة القاهرة بالخرطوم، المجاعة، هجرة الأطراف نحو الشمال والوسط…).

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً