الميثولوجيا في شعر الشعوب الأصلية في كندا: حين تمشي الأرواح في غابةٍ، ويستيقظ الطين في سومر

لهيب عبد الخالق*
“أنا لم آتِ من التاريخ، بل من أغنيةٍ سمعها الجدّ في الريح،
ومن أثرِ قدمٍ على الثلج.”
– من شعر شعبي لإنويت نونافوت
في عمق النصوص الشعرية التي يكتبها شعراء الشعوب الأصلية في كندا، لا تزال الميثولوجيا حية، تتنفس عبر الرموز والحكايات التي ترفض أن تظل في الماضي كمواد أثرية، بل تصير فعلًا شعريًا حيًا يعيد تأسيس العلاقة بين الإنسان والطبيعة والذاكرة والروح. من أشعار الإنويت في الشمال إلى أناشيد قبائل الأنيشينابي، مرورًا بتجليات الهايدا والساليش في سواحل الباسيفيك، تُشكّل الأسطورة عصبًا خفيًا يغذي الوجدان الجمعي، ويجد صدى عميقًا في الوعي الشعري المعاصر، كما توضح جو آرتشيبالد في دراستها عن سرد القصص للسكان الأصليين (جو آرتشيبالد، 2008).
يسعى هذا المقال إلى استكشاف كيف تتجلى الميثولوجيا في شعر السكان الأصليين في كندا عبر قراءة موازية ومقارنة مع ميثولوجيا بلاد الرافدين القديمة، وسأركز على ثنائية “جليد الروح” و”طين الذاكرة” كصورة رمزية تعبّر عن ترابط الإنسان مع الطبيعة والذاكرة والأسطورة في زمن متجاوز للخطية.
تمتد جذور الميثولوجيا والشعر لدى شعوب السكان الأصليين في كندا عبر آلاف السنين، قبل وصول المستعمرين الأوروبيين، ويُعتقد أن الإنسان الحديث بدأ يستوطن مناطق أمريكا الشمالية منذ حوالي 12,000 إلى 15,000 سنة، وفقًا للدراسات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة. هذه التقاليد الشفوية والطقوسية، رغم عدم توثيقها كتابةً إلا حديثًا، تحمل زمنًا عميقًا من التواصل الروحي مع الأرض والكون، كما توضح جو آرتشيبالد في دراستها عن سرد القصص للسكان الأصليين (جو آرتشيبالد، 2008؛ جين كرويكشانك، 2005).
في المقابل، يعود تاريخ ميثولوجيا بلاد الرافدين، وبخاصة الحضارة السومرية، إلى نحو 4000 إلى 5000 سنة قبل الميلاد، حيث تم اختراع الكتابة المسمارية التي وثقت أولى الملاحم والأساطير (جيروم جاكوبسن، 1976؛ ستيفن كرومر، 1961).
وبذلك، رغم أن السومريين يمثلون أقدم حضارة تاريخية مسجلة، إلا أن التراث الميثولوجي للشعوب الأصلية في كندا يمتد إلى فترة أقدم من حيث وجود الإنسان نفسه في المنطقة، لكنه محفوظ شفويًا عبر أجيال طويلة دون تدوين كتابي، ما يمنح الشعر والميثولوجيا عندهما بعدًا زمنيًا وروحيًا يتجاوز حدود التاريخ المكتوب.
ورغم الفوارق الزمنية والمكانية، يُمكن النظر إلى هذين التراثين كشهادتين على عمق التجربة الإنسانية في التعبير عن العلاقة المقدسة بين الإنسان والطبيعة والروح، حيث استمر الشعر والميثولوجيا كقنوات للحفاظ على الذاكرة والهوية عبر آلاف السنين، متجاوزة حدود الخطية الزمنية، ومجسدة “الزمن الدائري” الذي يعيد الحياة للقصص والأساطير مع كل جيل.
ويمتاز شعر السكان الأصليين في كندا بما يمكن تسميته بـ”الزمن الدائري” الذي يختلف جذريًا عن التصور الغربي الخطي. فالقصص لا تبدأ بنقطة معينة ولا تنتهي بنهاية محددة، بل تدور في حلقات متكررة من التحول والعودة، حيث تتشابك العوالم وتتداخل الكائنات الأسطورية كالطائر السماوي “الثندركا”، الغربان المتكلمة، وأرواح البحيرات، فتتحدث جميعها بلغة واحدة تشمل البشر، الحيوانات، النباتات، الأرواح، والأرض (جين كرويكشانك، 2005؛ ليندا سيمبسون، 2014).
هذا التصور الزمني الذي لا يفصل بين الماضي والحاضر هو ما يجعل الشعر وسيلة اتصال مع وجود قائم، لا يمكن فهمه عبر المنطق الخطي بل من خلال الحضور الطقسي والإحساس الداخلي. تجسد الشاعرة لويز بيرنارد كلارك من أمة الكري هذه العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة والذاكرة حين تصف كيف:
“تقود أرواح الذئاب الأحفاد في رحلة العودة إلى الذاكرة،
وتهمس الجدات بأغاني المطر في أذن القصيدة.” (لويز بيرنارد كلارك، 2011).
هنا، لا يكون الشعر مجرد سرد أو وثيقة، بل يصبح طقسًا روحيًا وفعلًا ميثولوجيًا حيًا. ويتجلى هذا التحول بوضوح في ثقافة الشعوب الأصلية حيث يتحول النص الشعري إلى طقس يعيد تمثيل أسطورة الأصل، أو لحظة الانفصال الأولى عن الأرض، عبر تكرار الرموز، وتعلّي الأصوات التي تحاكي أصوات الطبيعة: خرير النهر، حفيف الشجر، صراخ الطيور، حتى يصبح النص الشعري جسدًا حيًا ينبض بالميثولوجيا (جيروم ف. فيزينور، 1999).
يُلاحظ تداخل هذا الدور مع وظيفة الشعر في بلاد الرافدين القديم، حيث كان الشعر السومري يُنشد في المعابد كطقس كهنوتي يربط الأرض بالسماء، كما توضحه دراسات جيروم جاكوبسن حول الشعر السومري وعلاقته بالكهنوت (جيروم جاكوبسن، 1976). ومن أبرز الأمثلة على ذلك نصوص إنخيدوانا، التي تقول في واحدة من ترانيمها الطقسية:
“يا ملكة كل شيء، أيتها الضوء المتوهّج
أيتها المرأة الواهبة للحياة،
أنتِ يا من تجلبين الطوفان من الجبل،
أيتها الشاهقة، يا إنانا السماء والأرض،
يا من تمطرين ناراً ملتهبة على القفار،
يا من بعثها إليّ الإلهُ آنو،
أيتها الملكة التي تمتطي الوحوشَ
والتي نطقت بالكلمات المقدسة
تنفيذاً لأوامر آنو المقدسة.”
(موقع الأنطولوجيا، 2025)
هذا المقطع يبرز كيف كان الشعر أداءً طقسيًا مقدسًا، يعمل على استحضار القوة الكونية، ويجسد العلاقة الحميمة بين الإنسان والآلهة والطبيعة.
وتمثل إنخيدوانا، الشاعرة والكاهنة السومرية، نموذجًا حيًا لذلك التداخل بين الشعر والطقس المقدس، إذ جسدت نصوصها الطقوسية علاقة الإنسان بالآلهة. وعلى الرغم من الفوارق الزمنية والجغرافية الكبيرة، توجد تقاطعات مذهلة في البنية الرمزية بين ميثولوجيا الشعوب الأصلية في كندا وبلاد الرافدين. لا يُقصد بذلك التأثير المباشر، بل وجود تشابه في الحاجة الوجودية التي أنتجت هذه الأساطير، وهي تفسير الأصل والوجود من خلال رموز مشتركة (ديفيد ليمينغ، 2005).
من أبرز هذه الرموز، أسطورة الأم الكبرى أو “الأم الأرض” التي تمنح الحياة وتحتجب عنها، ففي ميثولوجيا كندا تمثل هذه الأم شخصية “الأم الأرض” عند شعب الموهك، التي “تتدحرج في السماء وتسقط إلى المياه”، وهي صورة تقارب كثيرًا نينخورساك السومرية التي خلقت الإنسان من الطين (بروس فوستر، 2005). تعكس شاعرة الميكماك جاكلين كوسان هذا المفهوم بقولها:
“الأرض تحمينا،
في صدرها نولد ونعود،
تعانقنا بصمتها،
تمنحنا الحياة، ثم تختفي في الضباب.”
(كوسان، 2012)
كما توجد قواسم مشتركة في فكرة النزول إلى الأعماق، سواء إلى باطن الأرض أو إلى العالم السفلي، لاسترداد الحياة أو استعادة المعنى. تنعكس هذه الفكرة في أسطورة إنانا التي تنزل إلى العالم السفلي في بلاد الرافدين (سوزان دالي، 1989)، وتوازيها في شعر السكان الأصليين قصص الأرواح التي تغوص في البحيرات أو تختفي تحت الجليد في انتظار من يوقظها، كما يعبّر رينيه بوشار في قصيدته:
“في أعماق البحيرة المظلمة،
تختبئ الأرواح بين جليد الشتاء،
تنتظر نسمات الربيع لتوقظها،
تعود للحياة من صمت الأعماق.”
(رينيه بوشار، 2012)
وتحتل الكائنات الحيوانية مكانة مركزية في ميثولوجيا كلٍّ من حضارة بلاد الرافدين وثقافات السكان الأصليين في كندا، حيث تُجسِّد هذه الكائنات العلاقة بين العالم المادي والعالم الروحي، وتعمل كوسيط بين الإنسان والمقدّس. في أساطير سكان الساحل الشمالي الغربي لكندا، كما في تقاليد قبائل الهايدا والتسمشيان والساليش، يبرز الغراب باعتباره كائنًا خالقًا وحكيمًا ومعلِّمًا خارقًا. وتُروى أسطورة شهيرة بعنوان “الغراب الذي سرق الشمس”، والتي يُقال فيها إن الغراب استعاد الضوء للعالم بعد أن أخفاه الجدّ الأكبر داخل صندوق. بهذه الحيلة أصبح الغراب رمزًا للخلق والمعرفة، وصار حضورُه في الحكايات والأساطير تجسيدًا للقوة والدهاء والإرادة الحرة (فرانز بواس، 1916).
أما في ميثولوجيا بلاد الرافدين، فتحتل الكائنات الحيوانية الأسطورية مكانة رمزية انتقالية بين العوالم السماوية والأرضية. من أبرز هذه الكائنات “الثور السماوي” الذي أرسلته الإلهة عشتار في ملحمة جلجامش، و”موشوشو” أو “سيروشو”، التنين المجنح الهجين المرتبط بالإله مردوخ، والذي يُصور بصفات مميزة تجمع بين أجنحة التنين، مخالب النسر، وأرجل السنوريات. كما تزين بوابة عشتار في بابل نقوش بارزة لثيران، وأسود، و”موشوشو”، ما يعكس عظمة الإنجاز الفني ورمزية القوة الإلهية في حضارة بابل. هذه الكائنات تمثل قوى كونية عظيمة، وتظهر في النصوص الشعرية كرموز للسلطة والعظمة. في إحدى ترانيم الملك شولغي ، وهو واحد من أشهر ملوك حضارة بلاد الرافدين القديمة، وتحديدًا من سلالة أكاد في سومر، حكم مدينة أور في الفترة ما بين حوالي 2094 إلى 2047 قبل الميلاد، ويُعتبر ثاني ملوك السلالة الثالثة لأور بعد والده أور-نمّا، يشبّه نفسه بالثور البري والأسد الهائج، قائلاً:
“أنا الثور المتقدّم، الأسد بفكين مفتوحين،
صاحب السوط الذي لا يُردّ”،
وهو تعبير قوي يعكس تكوين القوة الرمزية من خلال استحضار الحيوان كتجلٍّ إلهي (جان بلاك وأندرو غرين، 1992؛ أناشيد المديح لشولغي، ترجمة موقع “آلهة بلاد الرافدين”، 2021).
من هنا، فإن استدعاء الشاعر لهذه الكائنات في النص الشعري، سواء في التقليد السومري أو في شعر السكان الأصليين، يتجاوز البُعد الرمزي إلى منح هذه الكائنات حضورًا روحيًا ووعيًا خاصًا. فهي لا تُستعمل كزينة لغوية، بل ككائنات مقدّسة تمثل الأرواح وتجسّد صلة الشاعر بالعالم غير المرئي. هذا واضح أيضًا في النصوص السومرية القديمة التي تُخاطب الريح والماء والتراب كعناصر حيّة ذات روح، تتفاعل مع الإنسان وتنقل الرسائل بين العوالم (انظر: جيروم جاكوبسن، العناصر المقدسة في الشعر السومري، 1976).
واليوم بعد قرون من الاستعمار والإبادة ومحاولات الطمس الثقافي، يحمل استدعاء الميثولوجيا في شعر السكان الأصليين في كندا، نبرة احتجاج وصرخة وجود (أندرو سميث، 2005). فالأسطورة هنا ليست مجرد جمالية أدبية بل هي وثيقة نجاة وهوية، كما هو الحال في ميثولوجيا بلاد الرافدين حيث تحكي الملاحم عن الطوفان والدمار، ولكنها في الوقت نفسه تحمل أمل الخلاص (ستيفن كرومر، 1961).
فالشاعر في كلا الثقافتين ليس مجرد كاتب، بل كاهن يحرس الذاكرة ويعيد رسم خريطة العودة إلى الذات الأولى (جو آرتشيبالد، 2008؛ جيروم جاكوبسن، 1976). والزمن في هذه النصوص ليس خطيًا، بل دوري وتكراري. كما توضح ليندا سيمبسون في دراستها عن الزمن الدائري في ثقافات السكان الأصليين، تتكرر الولادات والبعثات، حيث تقول إحدى التراثيات من شعب الكري:
“الأرواح لم تغادر،”
بينما تردد إحدى تراتيل إنانا السومرية:
“أنا كنت، وأنا أكون، وأنا سأكون”
(ليندا سيمبسون، 2014؛ سوزان دالي، 1989).
فالقصيدة تصبح حدثًا ميثولوجيًا حيًا يتكرر مع كل قراءة، وتعاد بناء الغابة والزقورة في الذهن.
وتمثل الغابة والزقورة رموزًا متممة لخرائط الذاكرة والهوية. الغابة هي ذاكرة الأرواح والأنساب المبعثرة، حيث الزمن يمشي في شكل نسمة أو حيوان أو حلم (رينيه بوشار، 2012). أما الزقورة فتمثل ذاكرة الطين، السلطة، والمقدس المكتوب (جيروم جاكوبسن، 1976).
في الشعر المعاصر، يلتقي هذان الرمزان في نصوص تستلهم التقاليد الأصلية في كندا وتراث بلاد الرافدين، حين تكتب شاعرة الأنيشينابي عن الذئب الذي يقودها إلى حلم أمها، ويكتب شاعر من جنوب كندا عن الطين الذي حفظ أسماء الملوك والكاهنات، كما فعل السومريون في ثبت الملوك حين نقشوا على الألواح سلالة الحكم والطقوس، ليصبح كلٌّ من الطين والحيوان حاملين لفعل النجاة الروحي، والذاكرة المقدسة.
ليست الأسطورة ماضيًا يُستعاد فحسب، بل صوتًا كامِنًا ينتظر من يوقظه (ديفيد ليمينغ، 2005). ففي الغابة تمشي الأرواح، وفي الزقورة يستيقظ الطين، وفي القصيدة – حيث يتقاطع جليد كندا مع طين الرافدين – نصغي لذلك النداء الأول كما لو أنه يُقال الآن لأول مرة. هناك، تتقاطع الذاكرة البشرية في لغة واحدة: لغة الشعر حين يستعيد الأسطورة لا ليؤرخ، بل ليحيا.
كاتبة وشاعرة مقيمة في كندا من العراق
المراجع:
- جو آرتشيبالد (2008). سرد القصص للسكان الأصليين. مطبعة جامعة كولومبيا البريطانية.
- جين كرويكشانك (2005). هل تستمع الأنهار الجليدية؟ مطبعة جامعة كولومبيا البريطانية.
- جيروم جاكوبسن (1976). كنوز الظلام: تاريخ ديانة بلاد الرافدين. مطبعة جامعة ييل.
- ستيفن كرومر (1961). التاريخ يبدأ في سومر. مطبعة جامعة بنسلفانيا.
- ليندا سيمبسون (2014). الرقص على ظهر سلحفاتنا. دار ARP للنشر.
- لويز برنارد-كلارك (2011). التقاليد الشفوية وقوة الذاكرة. منشورات أمة الكري.
- جيروم ف. فيزينور (1999). الكتابة الأصلية. دار نشر جامعة نبراسكا.
- ديفيد ليمينغ (2005). رفيق أكسفورد لأساطير العالم. مطبعة أكسفورد.
- بروس فوستر (2005). قبل الموزات: مختارات من الأدب الأكدي. دار نشر CDL.
- جاكلين كوسان (2012). الأرض والهوية: شعر الميكماك المعاصر. مجلة الأدب الكندي.
- سوزان دالي (1989). أساطير من بلاد الرافدين. مطبعة جامعة أكسفورد.
- رينيه بوشار (2012). الروح والمكان: الشعر الأصلي في شمال كندا. مجلة الأدب الكندي.
- فرانز بواس (1916). أساطير شعب تسيمشيان. مكتب الإثنولوجيا الأمريكية.
- جان بلاك وأندرو غرين (1992). الآلهة والشياطين والرموز في بلاد الرافدين القديمة. مطبعة جامعة تكساس.
- أناشيد المديح لشولغي (2021). موقع آلهة بلاد الرافدين.
- أندرو سميث (2005). الاحتلال: العنف الجنسي وإبادة الهنود الأمريكيين. دار ساوث إند.
- جيروم جاكوبسن (1976). العناصر المقدسة في الشعر السومري. مجلة دراسات الشرق الأدنى القديم.
- الأنطولوجيا (2025). “ترانيم إنخيدوانا الطقسية”.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي