عباس يانور الأعالي والمتون، أهلا بنورك في مكناسة الزيتون

عبد الله الطني *
(إلى روح الدكتور عباس الجراري،
وهي تحل بيننا بمدينة مكناس، في ذكرى وفاته الثانية، اعترافا وعرفانا)
رغم الأهمية البنيوية والاستراتيجية للمفهوم، باعتباره حاملا للمعنى والدلالة، وجوهرا للنظرية والعقيدة، فإن أهميته تلك، لا تكمن في معناه المجرد فقط، بل بالإضافة إلى ذلم، في تمظهراته وتجلياته في ظواهر وسياقات وأسماء محددة ونابضة بالمرجعية والقدوة. ومن ثمة يصبح حاملا تربويا وقيميا، يساهم في الحفاظ على القيم، ومرجعا يلهم الأجيال، ويمدهم بطاقة الإبداع والحياة، والإيمان بالقيم الإنسانية الرفيعة.
ومفهومنا اليوم هو مفهوم “الاعتراف”، والاحتفاء بروح كل من ساهم في إغناء الجامعة المغربية، وصناعة الأجيال. والاسم الجدير به في هذا السياق هو عميد الأدب المغربي، العالِم منه والشعبي، بكل مظاهره وألوانه، والمستشار الملكي وعضو أكاديمية المملكة المغربية، الدكتور عباس الجراري رحمه الله، الذي أُقيمت له العديد من احتفاءات التأبين والاعتراف، ومن بينها الاحتفاء الذي أقيم له مؤخرا بمكناس، بتاريخ 3 يناير 2026، وقد شاركت فيه العديد من الفعليات الثقافية والعلمية، وفعاليات المجتمع المدني، تحت إشراف الجمعية الإسماعيلية لصون الذاكرة والمحافظة على التراث، حيث نظمت له في هذا الإطار ندوة علمية، حول منجزاته ودورها في الجامعة والثقافة المغربيين، ساهم فيها العديد من تلامذته ومريديه وأصدقائه.
وقد قلت فيه ما قلت نثرا عبر تأطيري لتلك الندوة، ولكن أريد أن أجليه هاهنا شعرا، خصوصا وقد كان رحمه الله حاضن القصيدة المغربية، العربية منها والزاجلة وكذا قصيدة الملحون، بحيث أشرف، بأكاديمية المملكة المغربية، على لجنة تحقيق وإعداد ونشر العديد من دواوين شيوخ هذا الفن المغربي الأصيل.

عباس يا نور الأعالي والمتون أهلا بنورك في مكناسة الزيتون
المعلقة الجرارية شذرات شعرية
-1-
ياسيد الحضورِ ياسيد الغياب
يا مزهرَ المراحل والفصول
ماذا عساي الآن الآن
وأنت تملأ القلب والوجدان
عباسُ يا فقيدنا
وفقيدَ كلِّ الوطن
ماذا عساي أقول
-2-
بِكفك الموهوبِ
وفي عمركَ الوريفِ
ماذا عساي أكتبُ
ماذا عساي أقول
وهالتُك الضيّاءُ تغمر أرجائنا
وأنت تُطلُّ على أرضنا
وحولك من عشق مكناسة
هالاتٌ ونورٌ جليل
-3-
أنت الذي،
أيها النجم الأرضيُّ السّماويُّ
ومن أناملكَ الثَرّةِ
كم نهرٍ تَجَلّى وفاض
وسقى الصدورَ العَطْشى
من كُلّ فوج وجيلْ
-4-
ماذا عساي أقول
أنا الذّي كنتُ ولا أزال
أراك كما كنتُ دوماً أراك
بين الكواكِبِ شمساً
وبين الواصلين دليلاً على الدليلْ
قد تَزولُ أنوارُ الكواكب إنْ غابت
ونوركَ حاضرٌ بيننا
لا وَلنْ يزول
-5-
وبعينيك كم وكمْ من المعاني
كلما ركَبْتَ متْنَ الخطابِ وانْطَلَقْت
وكمْ، بلسانك مِنْ بيانٍ
يشبعُ القلبَ يُشْفي الْغليل
وكمْ فيك من المواصفِ والْمناقبِ والسّنىَ
غرباً وشرْقاً
يا شمس الصباحاتِ
كم فيك من التجلي والحلول
-6-
أيها الجميل الجميل الجميل
كم فيك من الحصافةِ والفصاحةِ
والأناقةِ والأنافةِ والشذى
والتّوهج والقبول
ومعدنك النفيسُ كم كان يفوحُ
أينما حللْت وارتحلتْ
يفوحُ سَنياً بهياً
بكُل الأماكنِ والفصولْ
-7-
أيها العاشق الواصل الموصول
كم فيك من رباط الفتح آيات وآيات
وكم فيك من قاهرة الْمُعِز علامات
أنت الذي كنتَ قوساً
بين سماء المغرب الأقصى
وسماء الكنانة والأهرام
كأنما كنت تجمع في هواك الكامل المكمول
بين السلالات والمحطاتِ والأصول
-8-
أهلا أهلاً
بنورك يا محبوب القبائل والمدائن كُلِّها
يامنارة العدوتين وهل يخفى الجميل
بماذا عساها حُروفي الآن الآن
تُحَيّيك تُجَلّيكْ
يامن كنت زاويةً بين مريديك
وكنت بين الفوارس فارساً
وبين البحور بحراً تموجُ تَصول
-9-
أيها الواحِدُ المُتكوتِرُ
الأديبُ الشاعرُ
المؤرخُ المُحَدتُ
المُسْتشارُ الحصيفُ
وصوتُ المغرب في الدُّناَ
والمحافل والمنابرِ
والوطنيُّ الغيور النبيل
-10-
أنت ما أنتَ وأنت الذّي
مُذُ كنتَ فتًى
وأنت إلى المعالي والمكارم تسمو
كما تسمو الأصول
عشقتَ النور في كُل ممْشاك مسْعاك
وكان بين أحضانهِ
عناقُ الجوهر والوصول
-11-
أهلا بنورك في مكناسةَ العشقِ والزيتون
أهلاً أهلاً
بِك بين أوصالها
وأريج نعناعها
وزهورِ الحُبول
أهلاً أهلاً بشَذاكْ مداكْ
ياسليل القبائل الأصيلة شرقاً وغربا
والتاريخ يشهد بالعراقة والأصول
-12-
عيني عليكَ عيني عليك
ها هو سناك يحل الآن بيننا
تحيّيك رحاب إسماعيل العظيم الجليل
أنت الذي أتَيْتها
وأعطيتها
من معسول كلامك باقةً
فأعطتك كُلّ حميدتها
زهرةَ المجدِ والأُصول
-13-
ها هي تحييك كعادتها الأبوابُ
والأسوارُ والقصباتُ
والأحياءُ العتيقاتُ والممراتُ
والحمائمُ الملكياتُ
وطيورُ السنونو الْمُلهماتُ
والدراويشُ والفقراءُ والأغنياءً
والمزارات وأضرحة الأولياء التي
كنت تعشقها بكلك كُلّها قبل الأفول
14-
ها هي كما كانت
تهديك ألآن خَلْوَاتِها
والزّوايا تعطيك أسرارها
وللزّوايا أقدارٌ وَأسرارٌ لا تبوح بها
إلا لمثلك يا جليَّ الوصول
تحييك خلوةُ المجدوب
حكيمِ الفلوات والطرقات التي
كانت تلتوي وتميل ولا يميل
-15-
وتحييك خلوة الهادي المتيم بالجدبات والآياتِ
والأورادِ والْمَدَدِ الأثيل
وخلوةُ العلمي العاشق للأنوار
أرضاً وسماءً
شاعركَ الذي جليتَ ديوانه وشجونه
وشيخُك المفتون بكل جميل جليل
أيها العاشق أنفاس تراثنا قديمهِ وجديدهِ
والغارقُ في هوى الملحون حتى التواشج حتى الحلول
-16-
أهلاً بعشقك العالي بمعْدِنِك النفيسِ
أيها العميدُ المجيدُ المديدُ
المتوّجُ من عرش الملوك العارفين بسيرتك
يشهدون أنك المغربي الأصيلُ الأوْفى بين الأصول
وأنك النهرُ الساقي كلَّ من مَر بهِ
من منبع العلم والخير والهُدى
حتى الْمَصبِّ حتّى الوصولِ
يا جليلَ الوصول
-17-
ولو أنك الآن بالأعالي
فإنك بيننا
مِلء العين والقلب تاجٌ فوق الجبين
وأَعْرفُ يا أمير الأدباء الواصلين الملهمين
بأنك تسمعها الآن الآن
من زرهون من جبل الفاتحين
تحيي معاليك من معاليها
روح الأوربيةِ تناديك تقول:
-18-
أهلا بك يا عاشق الأعالي
بيني وبينك ليلة أمس
رأيتك ياعباسُ في المنام مبتسماً
تمشي وَكفُّ إدريسَ الخليلِ بكفك الجميل
يحكي لك تحكي لهُ
عما كان وما سيكون
والحكي بينكُما كما الجدول صافٍ سلسبيلْ
-19-
بكفيك كانت
زاويةُ المريدين الأوفياء
وكان رحابك الجميل
عكاظَ المغرب الأقصى ولا يزال
يا ابن الأكْرَمَيْن الأجَلّيْنِ الألمعين
عبد الله العالم المجاهد من أجل الوطن
والزهرة المكِّية الفيحاءُ
سلطانة الربيع الذي لا يَذْبُلُ أو يزولْ
-20-
يا تاج حميدةَ الإسماعيليةِ الصائغيةِ
الذهبيةِ التي
رافقتْ مداك
واسْنَدتْ فتوحاتِكَ أمجادك
في كُل المراحل والفصول
وها هي الآن الآن
تفشي لمريديك الأوفياء
ما تبقى بخطك منْ حروفك العاشقات
لحميدتك الوفيةِ السنيّةِ أثارُ صداكْ
أيها العابر المتولِّهُ الجميل
-21-
ماذا عساي أقولُ ماذا عساي أقول
والقَولُ فيك هيهات أن ينتهي
أقول شكراً
لطائر الشمس شماسَ نورالدين
الحافظِ للملحون الفائض بالعرفان
أقول شكراً للعربوني سلامَ
لعاشق ذاكرة الأسلافِ المسكونِ
بأنوار الأسماعيلية
وكتابِها الخالد الأثيل
-22-
أقول شكرا لرحاب العلم الإلاهي
في هذا الربع المبارك الجليل
ولكل من أفرش للسَّنَى الجميلِ
لونَ جناحيه أقول:
كلُّ عاشقٍ للسّنى الجميلِ فارسٌ
وَشَهْمٌ وَفِيُّ جميلٌ
حيثما كان الضوء الإلهيُّ
يَسلّمُ القلبَ يَمِيل
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي