النسق والمضمر الثقافي في قراءة التراث البلاغي العربي: مقاربة في نقد النقد عند عبد الله الغذامي

نجاة الغوز[1]*
.
أصبح الاشتغال على نقد النقد من أبرز المداخل الفكرية والمنهجية في النقد المعاصر، باعتبار أنه لا يشتغل على النص الإبداعي مباشرة، ولا يعالجه نسقيا أو سياقيا كم يفعل النقد الأدبي، بل يتأسس منهجيا وإجرائيا ومعرفيا على مساءلة النقد الأدبي عينه وقراءته وشرحه والبحث عن جميع ما يتصل به معرفيا ومنهجيا والكشف عن خلفياته المنهجية والإيديولوجية، لدرجة يذهب عدد من الباحثين إلى تسميته بالنقد الشارح، كما يفعل جابر عصفور.
في هذا الإطار، تكتسي قراءة التراث النقدي والبلاغي العربي القديم أهمية وقيمة كبيرة، بالنظر إلى ما عرفته الساحة الفكرية والنقدية العربية الحديثة من قراءات حديثة متباينة بين قراءات تاريخية، تمتح من البعد التاريخي أدواتها القرائية( محمد مندور نموذجا)، وما بين قراءات بنيوية للتفكير النقدي والبلاغي العربي القديم ( إدريس بلمليح نموذجا)، وقراءات أخرى تأسست على التساؤل والشك ( طه حسين نموذجا)، أي أنها قراءات تراوحت بين التبجيل غير المشروط ما ترتب عنه قراءات انطباعية ذات نزوعي ذاتي بعيد عن العلمية، وقراءات اتسمت بالتفكيك الجذري، أو الإسقاط المفاهيمي. وقراءات بحثت في الأنساق المضمرة المتوارية، كما فعل عبد الله الغذامي .

يعد الناقد السعودي عبد الله الغذّامي من الأصوات النقدية المعاصرة التي نادت بقراءة التراث بعيدا عن التحيز الذاتي والانتصار المطلق للذات العربية المنصهرة في روح التراث، ذلك أنه اشتغل فعليا بقراءة من داخل نقد النقد، معتمدا في ذلك على المساءلة المفاهيمه للتراث النقدي والبلاغي العربي القديم، وتفكيك سلطته الرمزية، وإعادة النظر في بنيته المعرفية “إذ تعد المحاولة العربية الأولى لتبني هذا النقد بمفهومه الغربي بطريقة مباشرة، ويمثل هذا العمل مسعى جادا لاكتشاف الإشكالات العميقة الموجودة في الثقافة العربية من خلال توظيف لأدوات النقد الثقافي”[2]، فالنقد الثقافي كان مدخلا لوضع التراث البلاغي العربي على مشرحة القراءة والتفكيك وإعادة القراءة وإعادة النظر إلى المسلمات المعرفية التي تمخضت عن القراءات السابقة الماضوية الموغلة في التاريخ.
تتأسس فلسفة نقد النقد كما ينظر إليها عبد الله الغذامي من خلال قراءة روح التراث النقدي، والكشف عن آلياته ومسلّماته وحدود موضوعيته، بدل الاكتفاء بتقويم النصوص الإبداعية، وهو تقويم يظل نسبيا مادام أن البحث في عمق المرجعيات والخلفيات المؤسسة لهذا التراث النقدي تظل نسبية، وهي النقطة التي ركز عليها عبد الله الغذامي بغية قراءة عميقة للتراث وتفكيك قدسيته من خلال الأبحاث في الأنساق الثقافية المضمرة المؤسسة لهذا التراث.
يرى سعيد يقطين أن الرؤية النقدية والفكرية التي ينطلق منها الغذامي تحقق غايتين أساسيتين “تتمثل أولاهما في المساهمة في تطوير فكرنا الأدبي والنقدي، ودفعه إلى التفكير والبحث بدل الاستسلام جاهز الرؤيات والتصورات التي هيمنت أمدا طويلا من الدهر في النظر والعمل، وتبرز أخراهما في تقديم معرفة جديدة وإنتاج خطاب جديد بصدد الأدب والقراءة، وما يتصل بمجمل هذه القضايا الأدبية، والاجتماعية وأبعادها الثقافية” [3]
وهو بهذا المعنى انتقال من نقد المنتج إلى نقد آليات الفهم والتأويل. وقد ارتبط هذا الاتجاه في الفكر العربي الحديث بوعي متزايد بإشكالية قراءة التراث، حيث يعتبر التراث النقدي والبلاغي العربي القديم، خطابا معرفيا يحمل بين طياته أبعادا ثقافيا متنوعة لا يمكن استخراجها والتعمق في رؤية أصحابها دونما البحث فيه ومن خلاله عن هذه الخلفيات الثقافية والفكرية.
ولو أننا نرى أن تطبيق وأجرأة هذه القراءة على التراث النقدي والبلاغي العربي القديم يمكن أن يوقع في مزالق معرفية ومنهجية، لأن قراءة الماضي بعيون الحاضر، وبعدها الثقافي الذي تبلور فيها تصوره يشكل مخاطرة معرفية وعلمية حقيقية.
إن قراءة التراث النقدي والبلاغي العربي القديم، ونقد القراءات الموجهة له تثير في حقيقة الأمر “إشكالية نظرية وثقافية مطروحة على الدراسات النقدية، والثقافية الحديثة، ويتعلق بمسؤولية الناقد اتجاه ما يقرأ، واتجاه ما يحدث في عالمه من جهة وبكيفية قراءة النصوص الأدبية والثقافية بالأهداف والغايات التي يرمي إليها القارئ من وراء قراءته”[4]
إن القراءة الثقافية التي يقترحها الغذامي تكونت في زمن انفتحت فيه الثقافة النقدية العربية المعاصرة على المناهج النقدية الغربية خاصة البنيوية، وما بعدها، والنقد الثقافي، والنقد الجديد بشكل عام. فالغذامي يعمل على تفكيك الخطابات الثقافية المهيمنة بما فيها الخطاب النقدي والبلاغي العربي القديم، معلنًا ما سماه بـ«النقد الثقافي» بوصفه بديلًا عن النقد الأدبي التقليدي، وهو نقد يتجاوز النمطية المنهجية التقليدية، إلى مستوى أعلى وهو مستوى إعادة النظر في تلك المناهج ومساءلة النقد ذاته عن جدواه العلمية والمعرفية والثقافية.
هذا التحول المنهجي كان له أثر مباشر في موقفه من التراث النقدي العربي، إذ لم يتعامل معه باعتباره مرجعية نهائية، بل بوصفه خطابا مؤسسا لسلطات رمزية، أسهمت في تكريس أنماط ثقافية بعينها أنماط متنوعة مختلفة ومتعارضة في بعض الأحيان.
إن ما يمكن قوله بالنسبة للقراءة النقدية التي يقدمها الغذامي للتراث أنها قراءة تتسم بطابع تفكيكي ، بمعنى أن التفكيك والبحث ضمن الأنساق المضمرة كان خطوة منهجية للغذامي من أجل تفكيك تمفصلات التراث النقدي العربي القديم، إذ انصبّ اهتمامه على مساءلة مفاهيم مركزية مثل الفحولة والبيان والبلاغة، معتبرا أنها لم تكن مجرد أدوات فنية، بل تحوّلت إلى آليات ثقافية لإنتاج السلطة والإقصاء.
وفي كتابه الخطيئة والتكفير، يعيد الغذّامي قراءة النقد العربي القديم من زاوية العلاقة بين النص والسلطة، مبرزا كيف تمّ إقصاء أنماط تعبيرية معينة لصالح نموذج بلاغي مهيمن. كما يرى أن البلاغة العربية، في لحظات تاريخية معينة، تحولت من علم جمالي إلى نسق معياري مغلق، يعيد إنتاج ذاته ويقاوم الاختلاف.
تعتمد هذه القراءة على آليات منهجية مثل التفكيك والبحث ضمن النسق المضمر، ونقل المفاهيم من سياقها الأدبي إلى أفق ثقافي أوسع، وهو ما يمنحها جرأة وراهنيّة، لكنه يفتح في الوقت نفسه باب التساؤل حول مدى إنصافها للتراث في كليته.
يريد الغذامي أن ننظر إلى التراث نظرة ثقافية بعيدا عن أي تحيز وجداني تجاه الماضي، إنه في حقيقة الأمر” يريد أن يقوم النقد الثقافي بوظيفة فك الارتباط بين المؤثر والمتأثر، بين سلبية الأثر الذي تركه الشعر والشخصية العربية، من خلال ذلك يقرر بأن الوظيفة التقليدية للنقد كرست تلك العلاقة، كرستها لأنها شغلت فقط بالأبعاد الجمالية”[5]ولا ننسى أن الغذامي لا يكتفي بتقديم قراءة للتراث النقدي والبلاغي عينه، بل ينتقد في إطار نقد النقد الدراسات النقدية التي توجهت إلى قراءة هذا التراث بروح متحيزة ممجدة له، بعيدا عن تفعيل دور السؤال والشك على اعتبار أنهما آليتين ضروريتين لفتح باب القراءة.
غير أن هذا المسار النقدي، على أهميته، لم يسلم من ملاحظات منهجية، أبرزها ميله أحيانا إلى التعميم، أو إلى إسقاط مفاهيم حداثية على نصوص تراثية دون مراعاة كافية لسياقها التاريخي، أو الشروط الموضوعية التي وُجد فيها. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الغذّامي استطاع فتح مساحة فكرية ببعد ثقافي تفكيكي في قراءة التراث النقدي والبلاغي العربي القديم، من خلال شفرة السؤال، ومنهج البحث ضمن النسق المضمر في الخطاب النقدي العربي القديم، وكذا الخطاب القرائي النقدي الحديث.
يظهر مما سبق أن عبد الله الغذّامي يعتبر الفعل النقدي في نقد النقد ليس فعل هدم أو قطيعة مع التراث النقدي العربي، بقدر ما هو ممارسة معرفية، ترمي إلى تحرير القراءات النقدية المقدمة للتراث من رتق الانطباعية والذاتية والتحيز القومي إلى قراءة جريئة للتراث قراءة تقدم للخطاب النقدي بروح علمية منهجية وثقافية تلامس التراث من الجانب الثقافي الشامل ولا تقف عند العتبات الاجتماعية او التاريخية والبنيوية. ويظلّ الرهان الأساس أمام نقد النقد عربيا هو تحقيق التوازن بين التفكيك والفهم التاريخي، وبين مساءلة التراث والإنصات إلى منطقه الداخلي. وإحياء السؤال المنهجي بدل البقاء في دائرة اجترار التراث بمسلماته التاريخية والاجتماعية.
ناقدة من المغرب
[1] باحثة في سلك الدكتوراه، مختبر استراتيجيات صناعة الثقافة والاتصال والبحث السوسيولوجي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول بوجدة، فاعلة تربوية، أكاديمية جهة الشرق، وفاعلة مدنية: نائبة رئيس هيئة المساواة ومقاربة النوع وتكافؤ الفرص بجماعة العروي، إقليم الناظور.
فيصل الأحمر: دائرة معرفية حداثية، دار الأوطان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ج2 ص452.[2]
عبد الرحمن إسماعيل: الغذامي الناقد، كتاب الرياض، ديسمبر 2001 ص169[3]
حسين السماهيجي وآخرون: عبد الله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية صص102، 103[4]
[5] عبد الله إبراهيم: المطابقة والاختلاف، ( البحث في نقد المركزيات الثقافية)، المؤسسة العربية، للدراسات والنشر، بيروت لبنان ط1، 2004 ص535.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي