أخبار عاجلة
الرئيسية / إبداعات / حدائق البيبون – أحمد الحاج

حدائق البيبون – أحمد الحاج

حدائق البيبون

أحمد الحاج*

 

اعتادت على الخروج مبكراً منذ انتظامها في المدرسة الابتدائية والثانوية، ولازمتها هذه الصفة حتى في أيام العطل الرسمية والأعياد، فهي كما تخبر صديقاتها: “لا أستطيعُ الاغفاء بعد الساعة السابعة مطلقاً”، لكن، مع انتهاء الدراسة الجامعية يبدو أن الساعة البايلوجية قد تغيرت في أم رأسها، فقد أمست تغط في نوم عميق عند الصباح، ولولا مناداة أمها لرفضت حتى الوظيفة واكتفت بمهنة ربة بيت. عندما تخرج إلى عملها تدور لدقائق في حديقة المنزل، تتنسم عبير الأزهار وتستهويها رائحة أوراق الزيتون، تلقي نظرة متفحصة على زهرة التوليب، تقترب منها، تحدثها: “كيفكِ يا حلوتي؟”، ثم تغادر على عجل مخلفة وراءها زوبعة من الاسئلة تحلم يوماً في أن تجد لها إجابات حتى ولو بأدنى درجات الحقيقة.

“زينب! أين أنتِ الآن؟ يا ترى هل هي على قيد الحياة؟ أم غادرتِ مع من غادروا؟” تذكرت وهي تقود سيارتها الفارهة عندما التقت بها قبل سنوات في سوق عابر، كانت على عجلة من أمرها ولم تحصل منها سوى على عبارة مقتضبة: “زوجي ينتظرني في السيارة ويمنعني عن الحديث مع صديقاتي حتى عبر الاثير”، عندما سارت في طريقها شاهدت زوج صديقتها عن قرب أثناء وقوف مركبتهما في إحدى تقاطعات الإٍشارة الضوئية، كان وجهه حنطياً وشاربه خفيفاً ولحية شقراء طويلة، تبدو على محياه ملامح التسلط، أما زينب فقد كانت تنزوي بجانبه وكأنها حمامة وقعت في فخ نسر لا تستطيع الفكاك منه.

سألت نفسها: “الزواج نعمة أم نقمة؟”،” هل للبنت حرية الاختيار؟” ولم تكن تقنع برأي والدتها عندما تخبرها بأنها يمكن أن تروض الرجل بكلامها المعسول، وأُسلوبها الناعم، وحسها العاطفي. ولكن: “لماذا لا يبادر الرجل بنفسه لإرضائها؟ وهل كونها خلقت من ضلعه فهذا يعطيه حق التنمر عليها؟ فهو بحاجة ماسة لها كي تؤنسه، كما أن علماء الاجتماع متفقين على أن أحدهما لا يستطيع تكوين حياة سوية دون صُحبة الآخر، وكل ما نحتاجه فقط هو أن يستمر أُسلوبه خلال مراحل التقرب والخطوبة وعقد القران إلى مابعد الزواج”

سألت صديقتها أزهار عبر الماسنجر:

  • هل سمعت شيئاً عن زينب؟
  • لا، لقد تلاشت من المدينة كما تتلاشى جيوش الظلام أمام بقعة ضوء ساطع.
  • ربما كانت على ميعاد مع القدر.
  • ولكننا هل القدر لصالحها أم ضدها؟

كان خبر تعينها قد أحدث زوبعة عاصفة في أُم رأسها، فلم تنم في ليلتها وبقيت ساهرة حتى الفجر، فضلت عدم الرد على رسائل التهنئة وباقات الورد المرسلة عبر الماسنجر والواتساب والتيليكرام والفايبر والانستغرام. غادرت المنزل بصحبة والدها بعد أن ألَحَّت عليه أن يرافقها إلى محل العمل، فقد أرادت أن تستمد منه شيئاً من القوة والعزم. بناء من ثلاثة طوابق تتقدمه لوحة مستطيلة مخطوط عليها بخطٍ عريضٍ: “مديرية تربية نينوى”، وفي داخل البناية لاحظت وجود عدة لوحات دلالة: “التعليم الإبتدائي/ التعليم الثانوي/ التعليم المهني/ رياض الأطفال”، عندما وضعت ورقة المباشرة في العمل مرفقة بأمر التعيين على مكتب المدير بيد مرتجفة وجبهة تتصبب عرقاً رغم برودة الطقسِ، سألها بابتسامة تبعث على الاطمئنان:

  • ما هو تخصصكِ؟
  • بايوفِزكس. (قالتها بتلعثم وصوت خافت).
  • أول مرة أسمع بهذا التخصص.
  • فعلاً أستاذ، أنا من أول دفعة تتخرج فيه.
  • حسناً.

تناول القلم وخط شيئاً على الأوراق أمامه وناولها إياها قائلاً. “اذهبي إلى مسؤول الموارد البشرية سوف يكمل لكِ بقية الإجراءات ”

شاهدت الممرات تعج بالموظفين من كلا الجنسين، الكثير منهم يحمل أوراقاً بيده وقسماً منهم يحملون حقائب يد، الأعمار مختلفة وكذلك الأزياء والألوان، لم تكن تعرف أحداً منهم. “لماذا أنا وحدي الذي وقع تعيني في هذه المديرية؟ أين بقية زميلاتي؟ أزهار وسدرة وليليان وهدى وغفران و…….؟ ليتني كنت مع واحدة منهن على الأقل نعمل سوية ونخرج سوية ونحضر سوية”، “لكن على أية حال فأنا في وضع أفضل من زينب بكثير، نعم زينب التي غابت عن الوجود، ربما هاجرت إلى غير رجعة، أو قد تكون قتلت في المعارك الطاحنة التي دارت في المدينة قبل سنوات، وقد تكون جثتها لازالت تحت الأنقاض حالها حال الآلاف… لكن…،لا،لا، لماذا هذه الأفكار السوداوية التي تهاجمني خِلسَة؟”

مرة وجدت رسالة من صديقتها ليليان تخبرها بأنها سمعت أن زينب قد غادرت المدينة مع طفليها قبل الحرب إلى الشمال، وأن زوجها قد قتل في المدينة القديمة.

  • أتفضلينَ العمل مدرسة للفيزياء والأحياء في المدارس الثانوية؟ أم ترغبين في العمل في الإدارة هنا في مقر المديرية؟
  • لا أرغب في التدريس.
  • نحتاجك هنا في مقر الدائرة وسوف ترتاحي من مشقة الذهاب والإياب إلى المدارس البعيدة في الأرياف، سيما الدلال باديةٌ عليكِ. أين تسكنين؟
  • في الجانب الأيسر من المدينة.
  • لديكِ سيارة؟
  • نعم.
  • جميل، لن تعاني من صعوبة المواصلات.
  • سوف تعملين في قسم الملاك الثانوي فهم بحاجة إلى موظفة إدارية تنظم العمل وترد على المخاطبات. هل تجيدين العمل على اللابتوب؟
  • بكل تأكيد.
  • ممتاز، بالتوفيق.

بعد أن اطمأنت في العمل وهدأ روعها عادت إلى برنامجها المتواضع والذي لا يتعدى سوى قراءة جزء من القرآن وتدوين عدد من الأدعية في دفتر ملاحظاتها الذي تحمله بيدها أينما ذهبت وحيثما حَلَّتْ. زهرة التوليب، “آهٍ كم ظلمتها هذه المرة؟ لماذا لم أتفقدها منذ اسبوع؟”، فكرت في رسمها في احدى صفحات دفترها العتيق. لماذا لا ترسمها بالالوان كي تُكَّفِرَ عن إهمالها لها مدة سبعة أيام بليإليها.

تناولت قلم الحبر الجاف وراحت في رسم الأغصان بلونها الأخضر التي تنطلق من جذر واحد في المنتصف وعلى نهاية كل غصن وضعت زهرة باللون الأحمر. “ولكن كم وردة توليب سوف تحمل هذه الزهرة؟”

“حسناً سوف أجعلُها بعدد صديقاتي التي فقدتهن بعد التخرج من الجامعة”.

كانت الزهرة الأولى من اليمين تمثل زينب، أكيد زينب الهادئة الباسقة التي لا تهزها ريح، هي من علمتني كيف ألتزم القرآن وأُردد الأدعية المأثورة، فهي كما قالت: “سوف تفتح الدنيا بوجهك وتحقق أحلامك وطموحاتك مهما كبرت أو صغرت”.

أخبرها مسؤولها في العمل بأن هناك شخصان سوف ينظمان إلى غرفتهما الأسبوع القادم وسوف يعملان بصفة أخرى.

سألته:

  • وما السبب في حضورهما إلى غرفتنا نحن بالذات؟
  • لم يعد تتسع البناية، وقد قرر المدير نقلهما إلى غرفتنا.
  • وماهي الوحدة التي يعملان فيها؟
  • الإعلام التربوي.

لم تدرِ لما أنها شعرت بانقباض الصدر عندما سمعت بالموضوع لأول وهلة، ولكن ماهدأ روعها عندما أخبرها المسؤول بأن مدير وحدة الإعلام شاب أديب ولديه مؤلفات عديدة، حدثت نفسها:

“أديب هذا يعني أنه كاتب، شاعر، مثقف” إنها قرأت كثيراً في المدرسة عن كتاب وشعراء، فقد قرأت نصوص لطه حسين ونجيب محفوظ ومازالت تحفظ قصائد عمر أبو ريشة والشابي وأمل دنقل، ولكن نظرية غاليلو ونسبية انشتاين وقوانين مندل قد أنستها حتى مطر السياب، حدثها أبيها مرة عن قاص وناقد صديق له يلتقيان كل أسبوع في أحد ملتقيات المدينة، وكانت تقرأ ملامح الإعجاب البادية على محياه وهو يحدثها عن فكره وثقافته واتساع أُفق رؤيته، ولكنها في كل الأحوال لم تلتق بأديب وجهاً لوجه ولم تنصت لشاعر مباشرة.

الزهرة الثانية سوف تكون من حصة جمال زميل الدراسة والأول على الدفعة والذي فشلت كل محاولاته في الارتباط بليليان رغم علامات الحب الطاغية بينهما، سألت ليليان وهن يتناولن فطورهن في بهو الطلاب:

  • ليليان لماذا لا تحاول أُمك من إقناع أبيك بالمسألة؟
  • لا تستطيع حتى مناقشته بالموضوع.
  • ولكن أمي تقول إنَّ الرجل مهما كان صعباً فبإمكان المرأة ترويضه لصالحها.
  • هههههه! أنتِ لا تعرفي من هو أبي؟ أبي ذلك المتسلط بعنجهية الأبوة المفرطة، ذلك الضابط الذي حول بيتنا إلى معسكر تدريب، وغرفة نومه إلى ثكنة عسكرية، أبي ذلك الآمر الذي إذا صرخ ترتج لصرختة كل جنبات البيت، أبي ذلك الجدار السميك الذي لم يجرؤ أحد أن يطاله أو يجتازه، تلك الصخرة التي تتحطم عندها كل الآمال والأحلام، أبي ذلك النبع الجاف من الأبوة المجردة من الحنان، أرض بور وسفح جبل قاحل، صحراء رملية مترامية الأطراف، ميدوزا ولدت توأمها”.

حَمِدَت الله وأثنت عليه كثيراً على أنه رزقها بأب حنون وعطوف لا يرد لها طلباً حتى أنه دربها على قيادة السيارة مبكراً، وكثيراً ماكان يسمح لها بالذهاب للجامعة بسيارته الخاصة، ولم يكن يكترث بنصائح أمها التي تردد دائماً: “لا تدلل البنت كثيراً، دعها تواجه الحياة بنفسها”.

“إذن سوف أجعل زهرة ليليان بجانب زهرة جمال، وسوف أحقق أُمنيتهما الوحيدة في اللقاء جنباً إلى جنب على الأقل في لوحتي الحبرية بعد أن فشلا في تحقيق الأمل المنشود في عالم الواقع”.

عندما جلست أمامه لأول وهلة لم تدرِ لماذا سرت في أوصالها رجفة لم تعهدها منذ أن أدَّتْ آخر اختبار لها في مقاعد الدراسة، يبدو لها إنساناً محترماً ذا شخصية قوية وهدوء مفعم بالحيوية، أما هو فقد لاحظَ هدوءَها المشوب باستحياء فطري ومفعم بذكاء ونباهة متلفعة خلف ابتسامة بريئة ترتسم على محياها كلما جذبها حديثه.

حدثتها مرة والدتها عن زهرة البيبون وكيف أنها تنمو بشكل ديمي في فصل الربيع وكيف كانت الزهرة المقدسة عند الآشوريين، كما أن لها فوائد طبية وتعالج العديد من الأمراض، وهذا ما أكدته العلماء العرب حتى الغرب استفادوا من هذه الزهرة في صناعة العديد من الأدوية بضمنها شراب السعال الذي تتناولينه الأن.

سألتها زميلتها أنسام عن أجمل زهرة تفضلها، فأجابت دون تردد:

  • زهرة التوليب.
  • ولماذا التوليب؟
  • لأنها مهما كثرت تفرعاتها وتلونت أزهارها فإنها ترتبط بجذر واحد يشدها عميقاً في الارض.
  • وأنتِ؟
  • أنا! أنا زهرة أضاعت جذورها، زهرة اقتلعتها نسمة هواء خفيفة بسبب أرضيتها الهشة، كائن حبري بلا تاريخ ولا نسب ولا ذاكرة، فأمسيت لا أنتمي لا إلى السماء ولا الأرض. (قالتها بتنهد)
  • سوف أعيدك يوماً ما إلى ارضك وموطنك، سوف أرش أحلامك بماء الحياة وأزرع فيكِ الأمل وأُنبت فيكِ الحب كما فَعلتُ مع توليبتي.

ستكون الزهرة الأخرى من حصة أنسام تلك البنت الشقية التي لا ترد على رسائلي إلّا مرة في الشهر. ولكن علي إضافة زهرة بجانبها، وستكون هذه الزهرة باسم خطيبها إلياس.

  • علي أن أحصل على وثيقة التخرج مترجمة باللغة الإنجليزية ومصدقة من وزارة الخارجية مع بقية الوثائق التي بحوزتي.
  • ولكن لماذا أبيت إلّا الهجرة إلى أمريكا؟
  • آه يا توليب! نحن المسيحيون مكتوب علينا الهجرة والترحال طوال عمرنا.
  • أنتم وحدكم؟
  • نعم، علينا التكفير عن خطيئتنا منذ أن خذلنا يسوع المسيح ووشينا به ليصلب بيننا ولم نحرك ساكناً.
  • ولكن ليست لكِ يد في كل ما حصل ويحصل؟
  • فقط اللعنة.

ألقت القلم من يدها وراحت في دوامة التفكير، مرت في طريقها من المدرسة الإبتدائية ثم المتوسطة إلى الإعدادية، ثم الجامعة وأيام النزوح، وأخبار الحرب وحصاد الأخبار، تناولت مجموعته القصصية التي أهداها لها وراحت في قراءة إحدى القصص، لفت انتباهها عبارة مسطرة بين قوسين: “يا لهذا العالم، رغم كبره ينتابنا شعور بأنه صغير، صغير جداً حتى لا يكاد يتسع لأحلامنا وتشظياتنا”، لم يقطع عليها شرودها سوى حضور عدد من العمال يحملون عدد من المناضد ويدخلونها في غرفتها، كانت فرصة للتعرف على المساعدة الإدارية لقسم الإعلام، فتاة عشرينية هادئة ورشيقة، شَعَرَت بارتياح بالغ معها، قال مسؤولها: “الآن أصبحتن اثنتين بدل الواحدة في الغرفة”، ولكن سوف يحضر مسؤول القسم ووكيله غداً فهما في رحلة ميدانية هذا اليوم، إذن عليها انتظار يوم غد، كم ممل هذا الانتظار… ولا تدري لماذا راحت تشعر بتوتر أ سببه شوقها للقاء شخص من طراز فريد؟ أم شوقها لمعرفة ما يخفيه خلف قلمه؟

بعد أن جلس وتنفس الصعداء وارتشف كوب الماء البارد الذي أثلج صدره من حرارة هذا الصيف اللاهب، استدار الأب إلى توليب وراح يكلمها: “اسمعي لقد جئتك من سبأٍ بنبأٍ يقينٍ، الموقع البديل لقسمكم سيكونُ قريباً من سكننا من حسن حظك، فقد جهزوا لكم مدرسة كبيرة وسوف تأخذون محاضرات في الفيزياء والكيمياء والبايلوجيا كل على حدا ابتداءً من صباح يوم غدٍ بإذن الله تعإلى، والاختبارات سوف تكون أونلاين”.

انتهزت فرصة وجودهما لوحدهما، لتبادره بالسؤال بعد أن اطمأنت له:

  • من أين تأتون بكل هذا الكلام يا أستاذ؟
  • من بنات أفكارنا.
  • قصص حقيقية لأناس تعرفهم؟
  • لا، وإنما محضُ خيال، أو قولي مزج الواقع بالخيال.
  • وكيف تنتج كل هذا؟ (وأشارت إلى مجموعته القصصية القابعة أمامها)
  • يعني، حادثة بسيطة تمر من أمامي فاتخذها ركيزة لأبدأ بنسج بقية الحبكة من خيالي المحض.

أطرقت بنظرها إلى دفترها العتيد وراحت تفكر في كلماته، خيال، مزج، محض، مصطلحات أول مرة ولكنها شعرت بلذة وهي تنصت لها حتى كادت تندم على سنين عمرها التي ضيعتها في مختبرات الفيزياء والكيمياء والبايلوجي والتي لم تفدها في لحظة واحدة من لحظات عملها حتى في الإدارة.

  • لقد قرأت مجموعتك القصصية الأولى، فيها متعة كبيرة لكنها صعبة وجعلتني أُعيد قراءة كل قصة أكثر من مرة كي لا أفقد أحداثها المتشعبة.
  • جميل، هي فعلا صعبة حتى على المختصين في النقد والأدباء أنفسهم. قالها بنبرة هادئة مشفوعة بفرحة تسري على محياه جعلتها تفرح هي الأخرى وكأنها اجتازت امتحاناً صعباً لم تألفه في حياتها من قبل.

كانت السنتان اللتان أمضتهما في جامعة الموصل كفيلة بأن تحصل على العديد من المعلومات في مجال تخصصها بشقيه النظري والعملي، وبرغم صعوبة المواد الدراسية إلّا أنها كانت تشعر بفرح غامر بعد أن شكلت مع زينب وأنسام وكجال الرباعي المرح كما يحلو أن يطلق عليهن الزملاء في الفصل، أما بقية الصديقات فكن ينتمين إليهن بالحلف، ولكن هل يا ترى سوف تجدهن في الموقع البديل؟ ولكن الرباعي أمسى الثلاثي الحزين بعد أن سقط عنه أحد أضلاعه، فزينب لم تحضر إلى كركوك بعد أن حَرَّمَ زوجها الهجرة خارج المدينة، كما يُحرِّم التعليم خارج حدود القرآن والسنة النبوية.

كان صياح كجال مدعاة لتجمهر الطلبة حولها حتى أن قسماً من الأساتذة قطع محاضرته وخرج يستطلع الأمر.

  • ما بك يا كجال؟ ماذا حصل لكِ؟ هل أصيب أحد من أهلك بمكروه لا سامح الله؟

تقدم مسؤول الشعبة وحدثها بصوت عال:

  • اطمئني كجال فأهلك في مأمن من الحرب في سنجار، فلا داعي للخوف.

توقفت عن البكاء فجأة وكأنها أصيبت بصحوة الموت، رفعت نظرها إلى الأعلى والدموع تنهمر من عينيها، قالت:

  • في مأمن؟ أهلي في مأمن؟ في مأمن أيها الشقي؟ هل تعلم أن رجالنا أبيدو جميعاً وشقيقاتي وبقية النساء والأطفال اقتيدوا سبايا للبيع في سوق النخاسة؟
  • ألم يستطيعوا الهرب إلى جبال سنجار والصعود إلى مرسى السفينة؟
  • لقد تم بيعنا بصفقة خبيثة وأُخذنا على حين غرة، حتى طاووس ملك تخلى عنا في أشد محنة.

“آه كجال! يا لوجعي!”

تعودت أن تكون أول الداخلين إلى الغرفة، ولكن على ما يبدو من الآن سوف تسلم من رحلة البحث عن المفتاح في حقيبتها المزدحمة بحاجياتها من مرآة صغيرة وواقي الشمس وزجاجة عطر وقلم كحل وميدالية ودفتر ملاحظات وعدد من أقلام الحبر أزرق وأسود وأحمر، ومفتاح السيارة ورزمة من النقود الورقية، كانت الغرفة مضاءة بالكامل، جلست قبالته وراحت تختلس النظرات إليه بدهشة، لأول مرة شعرت بنشوة المغامرة في اكتشاف عوالم لم تألفها طيلة حياتها. رجلٌ متوسط العمر ذو ملامح شبابية يرتدي ملابس رسمية لا تخلو من أناقة، تبدو عليه سيماء الهدوء ونظرات ملؤها العلم والمعرفة، ينتقل بنظراته بين شاشة اللابتوب القابع أمامه وبين كومة من الأوراق المبعثرة على مكتبه قسماً منها مكتوبة يدوياً بلغة إنجليزية، يتكلم قليلاً وينصت كثيراً، يعيش عالماً منفصلاً عن الجميع كأنه في جزيرة منسية، محدود الحركة ومحدود العلاقات.

  • أبي نحن ندفع ثمن خطيئة جدنا آدم طيلة حياتنا؟
  • من قال لكِ هذا توليبتي؟
  • إذن لماذا كتب علينا النزوح وترك دارنا وأثاثنا وتاريخنا وذكرياتنا؟
  • هذا الكلام كبير عليك الآن يا بنيتي، اتركيه الآن وسوف يجيبك عليه الزمن.
  • ولكن كجال لديها رأي آخر.
  • لكل إنسان رأي وعلينا الانصات إليه واحترام وجهة نظره حتى لو لم يوافقنا الرأي؟
  • تقول أن طاووس ملك غضب على شعبها بسبب تهاونهم وتقاعسهم عن طقوسهم وعزوف معظم الشباب عن زيارة مراقد الأولياء والصالحين، بالإضافة إلى عدم احترامهم لرجال الدين.

“عندما تم صنع البندقية والمدفع لم يبق شيء يسمى البطل، وإنما تساوى الجبان مع الشجاع في المعركة، مجرد ضغطة زناد ممكن أن تمحي حياة الآلاف من البشر وهذه إحدى أسوأ الوجوه لعلم الفيزياء العملية في الحياة”.

سأل أحد الطلاب:

  • ولكن يا دكتور تبقى دوافع الجريمة حاضرة سواء كان القاتل يستخدم العصا أم السيف أم البندقية.
  • ربما ولكن كانت الجرائم محدودة وتعتمد على القوة والشجاعة.
  • عندما غزا الصليبيون بيت المقدس قتلوا سبعين ألفاً من المسلمين، وهولاكو عندما غزا بغداد قتل جنوده مايقارب الألف قتيل.
  • ولكن في الحرب العالمية الأولى كان عدد القتلى عشرة مليون جندي وسبعة مليون مدني، وعندما تطورت صناعة الأسلحة في الحرب العالمية الثانية كان عدد القتلى يتراوح بين الخمسين إلى الثمانين مليون قتيل.

الزهرة الأخيرة سوف أضعها لي أنا كي تكتمل اللوحة، ولكن يبدو أنني رسامة غير ماهرة فقط عبارة عن توليب مرسومة بقلمي حبر أزرق وأحمر وعلى دفتر ملاحظات، هل هكذا يرسمون؟ مرة روت لي أمي أنها كانت ترسم لوحات زيت على قماش، ولكن بعد الزواج وانشغالها بالعمل البيتي عزفت عن الرسم وانشغلت برسم حيواتنا، “آه يا أمي كم أنت عظيمة”.

أخبرتها زميلتها في الغرفة بأن مسؤولها بارع في اللغة والأدب ولديه مؤلفات عديدة وله حضور واسع في المؤتمرات والندوات الثقافية، وكثيراً ما يدقق بأي وثيقة تصدر منهم.

سألها الأديب مرة فيما إذا كانت تحب قراءة الشعر والقصة، ولكن إجابتها كانت سلبية ولكنه استشف من خلالها بأن لديها رغبة في القراءة والكتابة، فما كان منه إلا أن أحضر لها نسخ من مؤلفاته وخط لها إهداء بقلمه على أول صفحة، فكانت مدعاة لفرح غامر فهذه أول مرة في حياتها تحصل على كتب بتوقيع المؤلف حتى أنها صورتها وأضافتها على قصتها في الفيس بوك.

  • ولماذا يهديكِ كتبه؟
  • لا أعلم ولكن ربما حافز للقراءة.
  • ألم يقل لكِ شيئاً؟
  • مثل ماذا؟
  • أنت تفهميني توليب.
  • أوه، يا لك من شقية يا أنسام.
  • ولكن الإهداء يبدو بعبارات ناعمة.
  • اذهبي ودعيني أنام لدي عمل غداً في الصباح الباكر، سوف أغلق النيت وإن عدتِ إلى مزاحك سوف أحظرك من الماسنجر.
  • يعيني يعيني على بختك!!

سنتان ونحن بعيدان عن دارنا والأهل والجيران والأصدقاء، لا أعرف لماذا أنني لم أألف هذا المكان على الرغم من الحفاوة التي يبديها السكان تجاهنا، في الأمسيات الرتيبة عندما أقتحمُ خلوة أمي أجدها تكفكف دموعها وهي تحاول جاهدة اخفاءها عني، أما أبي فأجده دائماً مشغولاً في التواصل مع جيراننا المحاصرين داخل المدينة، كان دائماً يردد: “في المال ولا في العيال”، ولم يكن يقتنع برد والدتي: “ولكن المال قطعة من القلب”، لم أكن أفهم معنى تلك العبارات المقتضبة في وقتها، ولكن عندما عدنا للمدينة ووجدنا نصف دارنا مهدم وأثاثنا قد سرق بالكامل ربما فهمت المقصود.

“أبونا آدم لم يخطئ وإنما هي إرادة الرب، وإلّا لماذا قال الله في كتابه العزيز: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهذا يعني قبل أن يخلق آدم قدر الله الخلافة في الأرض وسفك الدماء”.

  • ولكن يا أستاذ أليس أبونا آدم خُلِقَ في الجنة؟ أليس خروجه كان بخطيئة؟
  • نعم، ولكنه كان موعوداً في الخروج منها في الحياة الدنيا ثم العودة إليها في حياة الآخرة.
  • إذن هل نبرر كل عمليات القتل وسفك الدماء التي حصلت على الكرة الأرضية بما فيها هيروشيما وناكازاكي؟
  • هنا نقف عند العلاقة الوثيقة ما بين العقل والمنطق من جهة، والفعل من جهة أخرى.
  • ولكن أليس مقدر لكل هؤلاء بالموت؟
  • صحيح، ولكن يبقى الفعل محض استعداد وتخطيط وتهيئة لذلك فهو قابل للحكم بالتجريم أو بالعفو.

لا تدري لماذا اعترتها نشوة كبيرة عندما خرجت من هذا الحوار برؤية تطرحها لأول مرة في حياتها، ومع رجلٍ ذي باعٍ طويل في الفكر والكتابة والتأليف، لقد أعاد لها هذا الحوار ثقتها بنفسها كما ذكرها بمقولته عندما حزر بأن لديها دافع للنبوغ ولكنه مستتر خلف ترددها وحيائها.

  • يهوذا لم يكن يؤمن بالمسيح.
  • ولكنه وشي به.
  • عندما يعود سوف يخبرنا الحقيقة.
  • الكل تكذب على الكل… فلا يوجد إيمان مطلق ولا كفر مطلق وإنما هي شعارات يستتر الجميع خلفها لتحقيق مآربهم.
  • لكن ما سبب كل هذا الخراب؟ ومن له الحق في تدمير مدينة ومحو تاريخها وحضارتها وتراثها؟
  • انظري إلى حدائق البيبون، كيف نبتت بكامل أناقتها وجمالها حتى غطت على الأنقاض وكأنها تتحدى كل المخططات والانظمة العالمية والأعمال التدميرية.

عندما خرجت هذه المرة لم تكن مشغولة بتقصي أخبار زينب وكجال كما لم ترغب في تتبع أخبار جمال وليليان والكل، كما أنها نسيت مرارة النزوح والمواقع البديلة وكذلك الأخبار المفعمة بالحرب والدمار، لم يكن على بالها سوى التفكير في نداء القلب بعد أن شعرت أنه مهيأ للانشغال بهذا القادم الجديد والذي اقتحم عالمها على حين غرة، أو قد تكون هي من اقتحمت عليه عالمه.

نعم، إنّهُ الزمن كفيل بأن يعطينا الإجابات على كل تساؤلاتنا وحيرتنا وتشظياتنا.

قاص من العراق

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً