الرئيسية / الأعداد / العدد التاسع والستون / أمازيغيات / مساهمة المستمزغين في تدوين الأدب الأمازيغي – الحسن زهور

مساهمة المستمزغين في تدوين الأدب الأمازيغي – الحسن زهور

مساهمة المستمزغين في تدوين الأدب الأمازيغي

الحسن زهور*

ارتبطت المحاولات الغربية للكتابة عن الأمازيغية وتدوينها في عصرنا الحالي ببداية الفترة الاستعمارية التي شهدتها الجزائر ثم المغرب فيما بعد، لكن الالتفات إلى الأمازيغية وإلى ادبها سبقت هذه الفترة بكثير، إذ أن المحاولات الأوروبية للاهتمام بالثقافة المغربية سواء الأمازيغية منها او العربية ومعرفتها بدأت قبل القرن السادس عشر، ثم بعده مع بعض الباحثين والمبعوثين الأوروبيين خصوصا الهولنديين في اطار العلاقات الديبلوماسية آنذاك بين المغرب في عهد السعديين وهولندا، حيث تم التوقيع على أول اتفاقية مغربية-هولندية سنة 1610. ونذكر هنا بعضا ممن اعتنى بمعرفة الكتابات العربية والأمازيغية بالمغرب، منهم: Jan Theunisz  (1569-1637)، Thomas Erpenius (1584-1624)، وAlbert Koil  وJacobus Golius (1596-1667).. لتتوالى اهتمامات الأوروبيين بالمغرب وتتخذ طابعا استكشافيا في نهاية القرن الثامن عشر تمهيدا للاستعمار الفرنسي لشمال افريقيا على مراحل، ونذكر هنا Jacques-Denis Delaporte (1777-1861) الذي عين قنصلا لفرنسا في مدينة موگادور أي الصويرة (1809-1816)، وألف خلالها معجما صغيرا امازيغيا فرنسيا ضمنه بعض النصوص الأمازيغية.

بدأت الكتابات الكولونيالية الأولى بدراسة ووصف أحوال البلد عن طريق الرحلات التي قام بها بعض الرحالة المتجولين واشهرهم شارل دو فوكو الذي دخل إلى المغرب من الجزائر متنكرا سنة 1833؛ وهذا أمر طبيعي، وستكون الكتابة في بداية الامر لخدمة  السياسة الاستعمارية، أي التعرف على أحوال البلد وعلى ثقافته وعلى نظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية… لكن هذا لا يعني ان كل ما دون له هدف استعماري، بل سيكون للعلم نصيب ودور في الجمع والتدوين اللغوي والأدبي (1)، فما قام به المستمزغون لفائدة اللغة والأدب الأمازيغيين كبير ويحسب لهم لأنهم انقذوا الكثير من الضياع ونفس الدور وأكثر قام به المستشرقون بالنسبة لأمهات مصادر الأدب العربي.

فقد أولى المستمزغون -أغلبهم فرنسيون- عناياتهم لتدوين اللغة الأمازيغية، حسب تنويعاتها وحسب مناطقها، في معاجم لغوية معتمدين على البحث الميداني جمعا وتدوينا… ولم يقتصر الامر على الاوروبيين بل ساهم بعض المختصين من ابناء المنطقة في جمع اللغة الأمازيغية في معاجم خاصة خصوصا أولئك الأمازيغ الذين تلقوا تعليما عاليا في الجامعات التي أسستها فرنسا بالجزائر، منهم سعيد الصدقاويCid Saïd Kaoui  ( 1859- 1910) (2) ، وسعيد بوليفة صاحب كتاب “Textes berbères en dialecte de l’Atlas marocain” اي “نصوص امازيغية من الاطلس المغربي” (3)، وللأول إسهام في جمع بعض التنويعات الأساسية للأمازيغية بالمغرب في كتاب واحد (عكس اغلب المستمزغين الذين يعتمدون على جمع تنويعة واحدة)، فهل يمكن أن ندرج ما قاما به في إطار وعيهم المبكر بهويتهم الأمازيغية؟ هنا نترك الجواب للباحثين.

بدأت اولى معاجم المستمزغين بشكل منظم في القرن19، واهتمت أولا بأمازيغية القبايل نظرا للاحتلال المبكر للجزائر من طرف فرنسا، ومن بين هذه المعاجم مثلا:

–  معجم: “dictionnaire français- berbère” سنة 1844، جمع فيه Brosselard Charles أمازيغية القبايل. مر

–  معجم: “Essai de dictionnaire français- kabyl” سنة 1873 لصاحبهbabtiste Creusate    Jean.

اضافة إلى المعاجم الأخرى، ومنها التي اهتمت بأمازيغية المغرب حسب تنويعاتها ومناطقها، منها مثلا:

– معجم جاك دنيس دولابورت (1777-1861) Jacques-Denis Delaporte)، وهو معجم صغير”spécimen de la langue berbère” سنة 1844، جمع فيه عينات من نصوص  أمازيغية “تاشلحيت” عندما كان قنصلا في الصويرة.

–  معجم: “dictionnaire français-berbère”  1920، لأنطوان جوردان.

– معجم : “Loqman berbère et quatre glossaire” لصاحبه روني باسي الذي اصدره سنة 1890، وهو من المعاجم الأولى التي جمعت بين التدوين الأدبي وبين المعجمة، حيث تضمن معجمه بعض النصوص الحكائية الأمازيغية بالريف ومعجم من الكلمات والمصطلحات الأمازيغية التي اخذت نصف الكتاب.

هذه فقط عينة من المعاجم الأولى المتنوعة التي جمعها المستمزغون، إذ كان جمع اللغة في المعاجم هو المجال الاساسي لهؤلاء تدفعهم إلى ذلك دوافع متنوعة منها ما هو وظيفي استعماري لمعرف لغة البلد، إذ ان بعض المعاجم اصدرتها السلطات العسكرية مثل معجم dictionnaire français-berbère”  الذي أشرنا اليه سابقا، ومنها ما هو علمي مرتبط بالدراسات اللغوية التي تستوجب جمع اللغة اولا في معاجم، وهذه المهمة العلمية ستعقب زمنيا ووظيفيا المهمة الأولي المرتبطة بتيسير مهمة الاحتلال.

وهاتان الوظيفتان (الاستعمارية والعلمية) افادتا اللغة الأمازيغية جمعا وتدوينا، لكن أغلب ما طبع هذا العمل اللغوي في اللغة الأمازيغية هو الاقتصار على جمع التنويعات اللغوية للغة الأمازيغية حسب تنويعة كل منطقة ولم يرتق إلى جمع اللغة الأمازيغية بتنويعاتها في معجم واحد، فأغلب المعاجم تخصص معجمها للمنطقة الواحدة أو لإحدى التنويعات الاساسية للغة الأمازيغية، لكن سنجد معجم سعيد الصدقاوي وهو ضابط جزائري في الجيش الفرنسي وعالم لغوي استطاع الجمع بين تنويعيتين (تاشلحيت وامازيغية الاطلس) في معجم واحد (فرنسي أمازيغي) في المعجم الذي ذكرناه سابقا ” le Dictionnaire français-tachelh’it et tamazir’t “. فما يهم المستمزغون في بداية الامر كما قلنا هو جمع التنويعات اللغوية لتعلمها ولتعليمها بهدف معرفة لغات البلد، كما ان المؤسسات الجامعية والرسمية التي اهتمت بالأمازيغية في عهد الاستعمار لم تتجاوز عملية جمع وتدوين تنويعات الأمازيغية الى جمع هذه التنويعات في معجم واحد مما كان سيغني الأمازيغية كثيرا.

اما جمع تنويعات اللغة الأمازيغية بالمغرب في معاجم عامة فلن يظهر الا مع رواد الحركة الأمازيغية مع انبعاث الوعي بالهوية الثقافية الأمازيغية مع الاستاذ محمد شفيق (المعجم العربي الأمازيغي في ثلاثة مجلدات)، وسيعرف هذا الجمع قوة ونشاطا مع تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي أصدر العديد من المعاجم الشاملة والمتخصصة..

وإذا تأملنا هذه المعاجم التي جمعها المستمزغون سنرى أنها تتفاوت في الطرق المنهجية التي اتبعها أصحابها، إذ لم يلتزم البعض منهم الطريقة المنهجية المعروفة في اغلب المعاجم اللغوية وهي الترتيب المعجمي حسب ترتيب الحروف الهجائية، مثلا:

– معجم: arabe-kabyile et français chaoui ” (4) أي قاموس” الشاوية- العربية- القبايلية والفرنسية” لصاحبه Le P.G. Houyghe ، احترم هذه الطريقة مرتبة حسب الحروف الابجدية الفرنسية، واعتمد على الكلمات الأمازيغية مرتبة حسب ترتيب الحروف اللاتينية ومقابلها بالعربية و بالفرنسية.

– معجم ” le Dictionnaire français-tachelh’it et tamazir’t  said sid  Kaoui اعتمد فيه على الكلمات الفرنسية وما يقابلها  من الأمازيغية.

–  هناك من اعتمد من المستمزغين على الجمل والتعابير وترجمتها إلى الفرنسية.

–    ومنهم من اعتمد على جمع الكلمات الأمازيغية حسب حقولها الدلالية  (5).

–  ومنهم من جمع بين تدوين الحكايات والمعجم مثل كتاب” Loqman berbère et quatre glossaire” لصاحبه روني باسي 1890.

اضافة إلى دراسة بعض هذه التنويعات اللغوية مثل:

–   كتابا صمويل بيارناي Samuel biarnay (1918-1879):

–  «Etude sur les dialectes berbères du Rif »

–  «Etude sur le dialecte berbère du Ouargla»

ولم يكتف المستمزغون بالمعاجم فقط، بل امتد مجال بحثهم إلى جمع وتدوين بعض الأشكال الأدبية الاخرى كالشعر والاساطير والحكايات والامثال وغيرها في كتب خاصة بهذه الاجناس الأدبية، منها مثلا:

–  كتاب “contes populaire berbère ” (6)، اي “الحكايات الشعبية البربرية ” صدر سنة 1886 للمستمزغ روني باسي  René Bassetمترجمة إلى الفرنسية، لكنه لم يدون أصلها الأمازيغي كما فعل المستمزغ إميل لاوست في كتابه “contes berbères du Maroc” الذي دون فيه النصوص الحكائية الأمازيغية كما هي ثم ترجمها إلى الفرنسية.

–   كتاب “contes populaire de la kabylie de djardjoura” J. Rivière الذي اصدره سنة 1882، وجمع فيه الحكايات الأمازيغية لمنطقة “دجرجورة” بالقبايل.

–   كتاب “récits contes et légendes berbères dans le parler des Beni-Mtir” لأرسين رو، Arsène Roux سنة 1942.

–   كتاب إميل لاوست: “contes berbères du Maroc”..

ومنهم من خص الأدب الأمازيغي بصفة عامة بكتاب نقدي خاص مثل هنري باسي “essai sur la littérature berbère”؛ ومنهم من اختص بجمع الاساطير الأمازيغية ودراستها مثل ليو فروبينيوس Leo Frobenius (1873-1938) في كتابة حكايات القبايل ” contes kabyles”؛ وكذلك لاكوست دوجردان  Lacoste-Dujardin Camille في كتابه “kabyle, étude ethnologique conte” . ومنهم من جمع في كتاب واحد مختلفات لغوية وسردية أمازيغية من حكايات ولغة واساليب لغوية القصد منها تعليم الأمازيغية وخصوصا لموظفي الادارة الفرنسية ويمثله كتاب للقبطان جيستنار أو” القبطان الشلح”:

“Manuel de berbère marocain (dialecte chleuh) .(7) ”

وكذلك ما جمعه سعيد بوليفة سنة 1908 في كتاب Textes berbères en ” dialecte de l’Atlas marocain” (8)، دون فيه حكايات أمازيغية باللغة الأمازيغية وترجمتها إلى الفرنسية.

ودور المستمزغين في جمع الادب الحكائي الأمازيغي دور كبير، إذ حفظوا لنا الكثير من النصوص والمتون الحكائية من الضياع، إذ يأتي الادب الحكائي الأمازيغي في المرتبة الثانية بعد الشعر وهو ما نراه في كثرة الحكايات التي يزخر بها هذا الادب والتي نجت من عوادي الزمن، يقول الأستاذ محمد اكناض عن هذا العمل الكبير الذي قام به المستمزغون:

” ورغم أن فئة من هؤلاء الباحثين المستمزغين تحركهم دوافع استعمارية وتتدخل في أحكامهم أحيانا، فإليهم يعود الفضل في جمع الكثير من متون الحكايات الأمازغية وحفظها من الضياع، فلقد دونوها وبينوا المناطق التي كانت تحكى فيها والطقوس المتشابهة أحيانا والمختلفة أحيانا التي تصاحب إلقاءها. وبجانب التدوين قاموا بترجمة الكثير من نصوصها الى اللغات الاوروبية، وخاصة اللغة الفرنسية” (9).

ولم يقتصر دور الاوروبيين على جمع المعاجم والشعر والحكايات والأمثال أي جمع وتدوين اللغة والأدب بصفة عامة بل تعدى ذلك إلى الدراسات اللغوية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية حول شعوب شمال افريقيا وهي كثيرة جدا. لكن ما يهمنا هنا من الجانب الأدبي والنقدي في الكتابات الاستمزاغية هو تدوينهم للجانب الأدبي من التراث الأمازيغي، واتخذ هذا التدوين اشكالا متعددة:

  • الشكل الأول كتابة بعض ما دونه هؤلاء المستمزغون بلغته الاصلية اي الأمازيغية وبالحروف اللاتينية، وأحيانا – للتدقيق الصوتياتي-  بالحروف الصوتية الفونيتيك.
  • الشكل الثاني هو ترجمة جوانب من هذا التراث إلى لغة المستمزغ وغالبا هي الفرنسية، وأحيانا الألمانية أو الاسبانية او الايطالية وغيرها.
  • الشكل الثالث هو الكتابة عن هذا التراث الأمازيغي بلغة الباحث وهذا الشكل هو الاكثر شيوعا، مما أفاد البحث العلمي والتاريخي والأدبي في معرفة الثقافة الأمازيغية وأدبها لكنه عمل يبحث في لغة وادبها بلغة أخرى.

فما دونه المستمزغون يعتبر عملا كبيرا وكنزا ثمينا رغم قلة ما دون مقارنة مع التراث الأمازيغي الزاخر الذي ضاع منه الكثير. كما يعود اليهم الفضل في الدراسات والابحاث اللغوية وجمع اللغة وتدوين الكثير من الأشكال الأدبية رغم اهمالهم الاعتناء الفني  باللغة، يقول الباحث محمد اسوس: “غير أن التدوين قد انطلق في حقيقة الأمر منذ القرن التاسع عشر على يد المستمزغين الأجانب، لكنه كان يكتسي طابعا تسجيليا اثنوغرافيا محضا، وهو بذلك يختلف عن التدوين الأسلوبي الذي اضطلع به الأمازيغيون أنفسهم سمته الكبرى الاحتفاء باللغة، والاشتغال الأسلوبي والجمالي على النصوص، وإعادة تشكيل البنيات أحيانا أو تحويلها خصوصا في المجال السردي”.

في مجال تدوين الشعر الأمازيغي، وهو مجال واسع، دون فيه المستمزغون الكثير من الشعر الأمازيغي بمختلف تنويعاته. ولم تقتصر اهمية المستمزغين على جمع اللغة والحكايات وبعض الجوانب الأدبية الأمازيغية بل كان لبعضهم الفضل في الحفاظ على المخطوطات الأمازيغية التي نجدها اليوم في الخزانات والمكتبات الجامعية بأوروبا مثل مكتبة جامعة ليدن “Leyde” بهولندا التي ذكرناها سابقا، وخزانة ارسين رو بإيكس اون بروفانص بفرنسا (11) وغيرهما من الخزانات الاوروبية..

 

الهوامش:

  • يراجع ما كتبه الاستاذ احمد بوكوس في كتابه “مسار اللغة الامازيغية، الرهانات والاستارتيجيات ” ص 186- 187، حيث قسم المهتمين بالامازيغية من المستمزغين الى ثلاث فئات: العسكريون المترجمون، المبشرون، الجامعيون الباحثون.
  • له عدة معاجم منها:

– dictionnaire français-berbère، (dialecte écrit et parlé par les Kabailes de la division d’Alger), Paris, imprimerie royale, année 1844.

–  dictionnaire français- tamahiqt, (langue de Touarg), imprimerie – libraire de l’académie, 1894,   Alger.

said sid Kaoui, le dictionnaire français-tachelh’it et tamazir’t, Ernest  Leroux – éditeur, Paris 1907.

-3  Said Boulifa, Textes berbères en dialecte de l’Atlas marocain, Paris, Ernest Leroux- éditeur, 1908.

4- Le P.G. Houyghe. Alger, imprimeur- libraire de l’académie, 1907.

5- Jean Hanorate Delaporte، vocabulaire berbère،journal asiatique Février1836.

6- René Basset, contes populaire berbère , Ernest Leroux – éditeur, Paris, 1887.

7- capitaine Justinard, Manuel de berbère marocain ( dialecte chleuh), librairie orientale et américaine, E. Guilmoto – éditeur, Paris 1916.

8- Textes berbères en dialecte de l’Atlas marocain”, Said Boulifa, Paris, Ernest Leroux – éditeur, 1908.

9- محمد اكناض، مقاله في كتاب ” المتخيل في التراث الثقافي اللامادي بالمغرب”، أعمال الجامعة الشتوية الدورة الثانية، جمعية اسمون بتزنيت، 2011، ص 44.

10- كتاب ” دراسات في الادب الامازيغي المعاصر” منشورات رابطة تيرا، 2013.

11- المخطوطات الامازيغية في اوروبا، محمد حمام، مقال في كتاب “المخطوط الامازيغي: اهميته ومجالاته” منشورات المعهد الملكي للثقافة الامازيغية.

 

باحث في الأمازيغية من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جمهورية انقطاع الانترنت: خيال طوباوي – ليال الحربي

ليال الحربي*   الدولة العراقية تتخذ قرارا تاريخيا لا يقل شأنا عن اكتشاف النار، فالنار …

اترك تعليقاً