الخم

شكيب أريج*
هذه المدينة خمٌّ كبيرٌ. بمعنى دجاجٌ كثيرٌ. وبيضٌ وفيرٌ. دجاجٌ وكتاكِيتٌ في كلِّ مكانٍ على حدِّ البصر. المدينةُ الخُمُّ يُحيطها سورٌ، وخلفَ السُّور دجاجٌ كثيرٌ، وخلف السُّور والوادي طُيور كثيرةٌ تمْرح في البراري والحقول. والخُم الكبير يَنْغُلُ بالدجاج، في الشوارع، في الأزقَّة، في المدارِس، في الأسواق، في الإدارَات، في الملاعِب، في المحاكِم، في أقسام الشرطة، في أَرْوِقة المسْتَشْفيات. دجاجٌ له نَقْنَقَةٌ تَمْلأ الفضاء، وله بُرازٌ يملأ الأرض. بُرازٌ بُنيٌّ، وأصفر، وأخضر..
وتسِير الدجاجات في طوابِيرَ، وتسير الحياة في سَلاسَةٍ. والمدينة خُمٌّ كبيرٌ.
وفي محطَّة المدينة حيث الحافِلات والشاحِنات، تُفْرِغ شُحناتٍ من طيورٍ بأنواعَ كثيرةٍ. كلها مَهِيضةُ الأجْنحة. طيور تمشي مُترنِّحَة، مُتَثَاقِلة، تنْقُر الأرض كل حينٍ وخلفها صِيصَانٌ وتحت أرْجُلها حَبٌّ كثيرٌ اخْتَلَط بذَرَقِها. وتعيش المحطة على إيقَاعها الرتِيبِ تُرسِل الشُحنات إلى مكانٍ قصِيٍّ وتأتي بشُحناتٍ من مكانٍ بعيدٍ، وتستمرُّ الحياة..
ومِن حين لآخرَ يظهر ديكٌ. والديَكَة قِلَّةٌ. همْ أسْياد الخُم الكبير. يَمْتَطُون السيارات الفارهة ويَمْتَلِكون العَقَارات الكبيرة والمزارع الشَّاسعة. لا يأْبَهُون بنقاقات الدجاج أسْفَلَهم. نَقْنَقَةٌ صاخِبة، نَقْنَقَةٌ خافِتة، نقاقات مُتَسارعَة، نقاقات مُتباطِئَةٌ. والمشهد سوقٌ مُتلاطِمٌ، والدجاج أحْمَر وأصفَر وأسْود وأغْبَر وأبْيض وهذا الأخير هو الأكْثر. دجاجٌ وديعٌ ورأْسُه في الأرضِ، يَقْنَعُ بالقليل من الماء والقَلِيل من الحبِّ والقليلِ من الضوء والكثيرِ من النوم. دجاجٌ يَنْقُر في كل مكان، ينْقُر الحبَّ، يَنْقُر الفَضَلاتِ، ينْقُر البُراز، ينْقُر الترابَ، ينقُرُ ظِلَّه، ينْقُر كل شيء، وكلُّ دجاجةٍ تعوَّدت أن تنظُرَ إلى ما بِمِنْقار غيرها.
في أول اليوم. نَقْنَقَةٌ خافِتة ونَقْرة.. نَقْنَقَةٌ أعلى وتقْفِز إحداها وكأنَّها حصلَتْ على صيدٍ ثمينٍ. نقْرةٌ ونَقَرَاتٌ وتعلُو النقنقان، ثم تَخْفِت تدريجِياً عند سماع صيَّاح الديك القادم بسيَّارته. ويُشْحَنُ الدجاج الكثير بأمرٍ من السيد الديك ويُنْقل على مَتْن شاحنات صغيرة إلى الضجعات الكبيرة..
تَـجْمَعُ الدجاجات حباً كثيراً، وَتَمْلأ أكياساً كبيرةً، وتعود كلُّ دجاجة في نهاية اليوم راضِيَّة مَرْضِيَّة وفي فمِها حُبَيْبَات معْدُودَات لها ولِصِيصَانِهَا الصغيرةِ.
وفي الخُمِّ الذي يُشبه مدينةً كبيرةً تأوي الفِراخ إلى حُفَر صغيرةٍ وتَنَام مُطْمئنَّة، تَنْكَمِش على ذاتِها، على بيضِها، تتسلح، تتحزن وتنام في أحذِيتها، وفي الصباح تَتَرَاخى وتَنْتَفِخ كعُضو تناسُلِي تَسْتثِيرُه شهْوة الحياة. وحدَها الديّكَةُ المزْهُوَّة بتِيجانِها لا تَنْعَمُ بالنوم في ضيعتاها الكبيرة ، تخاف على دجَاجها الكثير مِن ثَعالِبِ الزمان: ثعالبُ القَهْر والفوضى والتمَرُّد والجوع. وتُقَدِّمُ دائما قرابينَ من الدجاج فِداءً لها، قرابينٌ تُذْبح وتُنْتفُ وتُشْوى لأجل أن تُنْضَج على نارٍ هادئة وتُؤْكَل..
دجاجٌ كثيرٌ يعيش في الخم الكبير ويقْنَع بالكفَاف، ينقُر الحبَّ وإنْ لم يجدْ ينقُر الخبز، وإنْ لم يجدْ ينقُر البُرازَ ، وإنْ لم يجدْ ينقُر الأرض. لكنَّ ما يُؤْرِقُ الديَكَة هو ذلك الدجاج الْمُتَنَطِّعُ الذي يأْنَفُ شُرْب البول إنْ لم يجدِ الماء، ويأْنَفُ العيش في الحُفر إنْ لم يجدْ تِبْناً وثِيراً، بل ويأنَفُ العيش في الخمِّ الكبير ويأنَفُ العيش خادماً للدِيَكَة.. ويزداد غيظُ الدِيكَة كلما سمِعَتْ نَقْنَقَةَ هذا الدجاج الْمُتنطِّع في أقْفَاصه.
هكذا حُدِّدَتْ مَراتِبُ أهل الخمِّ الكبير:
الدِيكَة ذاتُ التِّيجان الحمراءِ في الفيلاَّت والقُصور.
والدجاج الْمُتنطِّع في الأقفاص الحديديَّة .
والدجاج الأبيضُ في الحُفر وفي القُبور.
وهكذا أُريدَ لِهَنْدَسَةِ الخمِّ أن تكون. سورٌ عظيمٌ يحيط بالخُمِّ الكبير، وداخل الخُم حُفَرٌ وأقفاصٌ ومزابلٌ وضيْعاتٌ وفيلاَّتٌ .. وخلف الأشجار العالِية بيوتٌ فخْمةٌ تؤدِّي إليها طرُقٌ معبَّدةٌ يلمْعَ إسالتها، لا بُرازَ عليها أو على جَنَبَاتها. وفي آخر الطريق حُراس غِلاظٌ وأبواب حديديَّة..
تَحرسُ الديكَة الخُمَّ وتَقِف على شُرُفات السور، ترى مِن عِلٍّ الدجاجات تَسِير وخلفها كتاكِيتُها.. تُشْحَن وتُفْرَغ.. تُوطَأُ وتُنْكَحُ.. ويَتَنَاثُر ريشُها على وَقْعِ نقرات الديكَة تَثْقُبُ ظُهُورها، حِرصاً على نِظام الْمَرْفِقِ واستْمراريَّة الحياة.. وفي عُرْف الديكِ أنَّ هذه القسْوة تحْمي الدجاجات مِن بَلادَتِها، وتحْمِيها من الثعَالب والذِئاب الْمُتربِّصَةِ بها.
وفي الخُم الذي يشبه المدينة أطْوارٌ غريبةٌ طرَأَت على الدِيكَة، فقد بَحَّ صوتُها ولم تعد تُؤذِّن كثيراً، وانْشَغَلتْ بِتِيجانها ونَفْشِ ريشِها وتَغَاضتْ عنِ الدجاج الذي لا يعرف مصلحتَه.. تغَاضَت عن الدجاجات الشاردَة على الأسْطُح، وعلى الحيطان، وأخرى تَجرَّأتْ على الحدائق وعلى قُدْسيَّة المآذن والقِباب البيضاء المباركة.. تتغاضى الديكَة لكن صوْلتَها لم تُمَرَّغ أبداً في التراب، وظلَّت حائطَ الصدِّ المنيع ضدَّ غاراتِ الثعالب.. وحفاظاً على النظام والسير العادي لم تَتَوَرَّع الديكة عن مَلءِ الأقفاص الحديدية بالدجاج..
وعُلِّقَتْ سَفَافِيدٌ، وشُوهِدت دجاجاتٌ عاريَّات بلا رؤوس يُشْوى لحمُها الأبيض عِبْرة لمن يَعْتبر، وفي كل مرةٍ كان دجاج كثيفٌ مثل السحاب الأبيضِ يَتَجَمْهَرُ محيطاً بالنار وهي تأكُل أفخاذ الدجاجات، وفي كُل مرة يقف الديك يَتَوَعَّدُ الدجاج الذي لا يُحِب أن يكون دجاجاً ويُحذِّر من مَغَبَّةِ التمرُّد على الأسياد. فوراءَ كل سيِّدٍ عظيمٍ ثعالبٌ وذئابٌ..
وإلى مِقْصَلة الذبح مَشَتْ طوابيرٌ من الدجاج إلى حَتْفِها.. ونُفِّذَتْ إعْدامَات كثيرةٌ، وتَكَرَّرَت حالاتُ الانتِحار الجماعي وتَواتَرت حوادث الاخْتِفاء..
وخرجَتِ الديكَةُ عَنْ صمتها فَنَدَّدَتْ، وحَذَّرَتْ، وتوعَّدَت، وقالتْ إنَّ الذئاب والثعالِبَ تُحِيط بالخمِّ، بل إنَّه ليس مُسْتَبْعداً أن تعيش في الخمِّ.. وساد الرُّعب، وأصبح خلف كلِّ حادثةِ شِوَاءٍ ثعالبٌ، وخلف كل واقعةِ ذبحٍ ثعالبٌ، وخلف كل اختفاء أو تَنْكِيل أو انتِحار ثعالبٌ..
وثَارَتْ ثائِرةُ الدِيكَة، ونُفِيَ دجاجٌ كثيرٌ، واعْتُقِل دجاجٌ كثيرٌ وعُذِّب دجاجٌ كثيرٌ بِتُهَمِ العَمَالة والتَنَكُّر في لُبُوس الثعالب..
تعاظَمَتْ مسؤوليَّات الدِيكَة حين أيْقَنَتْ أنَّ السور لم يعد يَمْنع الثعالب من القيَّام بغاراتها وغَزَواتها.. وتَعَاظَمَت أكثر حين تأكَّدت أنها أصْبَحَت تُحارب في جَبَهات خارجية وأخرى داخِلية.
تواصل عمل الدِيكَة لِلْحفاظ على هَيْبَتِها وقَمْعِ وزَجْرِ وتأدِيب الدجاج الْمَذْعُور، وتواصل عَملُ النهار بِعَمَلِ اللَّيل. وفي المرَّات النادرة التي كانتِ الدِيكَة تَخْلُد إلى الراحة على أسِرَّتِها الوثِيرة، وكانتْ تُزِيل بدلاتها الأنِيقة وتفُكُّ ربطات أعْناقها وتضع تِيجانها.. كانتْ من بينِها ثعالبٌ تُزيل أقْنعةَ الدِيكَة عن وجُوهها وتنام بعينٍ واحدةٍ استعداداً ليوم جديدٍ مِنَ التعب والعناء والمسْؤوليَّات الجِسَامِ.
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي