“لا أريدُ شيْئًا” أو الخلود على عرش الاستعارات
إسماعيل فال محمد هموني*
تمهید:
أن تعلن الكتابة رفضها الموت، تحيا في الموت نفسه . لا تكترث بالنفي “لا أريد شيئًا” ، بل تصر على المضي إلى مطارحة المستحيل لتجعل منه وليمة البقاء .
بين الشعر والموت سيرة كتابة ، أي أن الأصل في الشعر سجل ضد الموت، وعناد يأبى الحياة ويتخطى حدوده، ويروم النفش على أوتار الرحيل.
لم يكن الموت/الرحيل يوماً عالماً مخيفاً بالنسبة للشعراء فهم وحدهم من عانقوه ، وهم في أرقى حالات الطرب وأنقى وجدانا ليصحبوه إلى مثواه الأخير.
فالحياة – عندهم – عبورٌ: والموت أثرُ، لذا كانت أشعارهم أناشيد سفر لا تحتفل بالحياة قدر احتفائها بالموت التي لا تحزن إلا لتستعدَ، ولا تنعى إلا لتفرحَ، لأن الرحيل إلى البرزخ الباب الموصول إلى الفردوس المفقود.
هذا البحث المستديم والوجوديُّ الذي شكل قلقاً فريداً من نوعه، وتغريبة وجدانية لم تعد ترضى بالثبات والسكينة قدر سعيها إلى التحول؛ والصيرورة المتلاحقة، والديمومة في التشوف إلى ها وراء الآن، وما خلف الغد.
تلك قضية الكتابة التي تترقب وتستشرف، وتتوق إلى المخالف، وما يخفيه السديم. فلم تعد تتلبَّثُ بالمنظور، والمرئي ، بل ترنو إلى الخفي واللامرئي .

وليس أخفى وأعمق من الموت، الموت باعتباره محواً، وغياباً، يتحول فيه الشاخِصُ إلى أثر عن عين. غير أنَّ الشعر دأب على المساءلة، وصعود الصعاب! فحاور الموت كونه يقينا؛ وحقيقة حتمية مصيرية، وجاورهُ على سشاعة الحياة ، أي أنزله من عرشه وفاتحهُ ، وقاسمة الزاد والمعاد، فانتدب الشعر -كما الشعراء- الأقاصي يعلن ولاءه للموت، ويحِنُّ إلى الرحيل.
ليس الموت نهاية معلومة بل هو -في عرف الشعراء- سفر مجيد في الأعالي بحثا عن الخلود، وانتقاما من خطيئة آدم، وطعنا المكائد إبليس.
لذا جاء ديوان “لا أريد شيئًا” محققاً لمقولة :” الخلود على عرش الاستعارات”. أيْ؛ ماسطا عليه الموت في الحياة؛ هو ما نريد التخلص منه، وليس الحفاظ عليه. غير أن الذي غير استعصى على الموت السيطرة عليه؟ والاستحواذ الكلي أو الجزئي هو الأثر، الأثر الذي لا يزول، والشعر أثريات لا يمحوهُ الموت بل يجلله السفر ويديمهُ الغياب.
كلما تقدم الموت خطوة ، تخطاه الشعر خطوتين :
– خطوة الخلود الذي لا يفني ؟
– حظوة التفرد بين الكائنات .
عرشُ الاستعارات قانونٌ لا يطوله الموت ، أي أنه يعزل بقاءهُ عن الفناء ، لا يتكرر، ولا يتغير. يسوخُ في الخلود حد محو الموت ، وملمس معالمه .
والسفر إلى مفاتنه علياء تفننت الكلمات في صنعها وتطريزها . لأنه كشف عن أصل البقاء، وتعرية الأصول الخفاء .
فمن جاءت به الكلمة متوجاً بالفرادة انبسطت له عروش السفر، وكشفت له عن تساقها فراديس الحياة.
إن نجاعة الخلود ليست في التعالي والديمومة، بل في مدى شموخه شعرياً، فالشعر مسرى الحياة، وملاذ النداء إلى اللامرئي .
الشعر خلاص من الموت، وتخليص للحياة من الزوال .. أي أن الشعر يحيا مرتين:
- مرة لأنه مشتل المعنى والمعنى عين الحياة.
- وأخرى لأنه يقود الموت إلى الجمال ليكون نبتة في حدائق الحياة .
1– الكتابة الحية:
شرارة لا تفنى، تظل متقدة تجوب الفراغ لتضيئه، ثم تستحبه إلى النور، فالامتلاء كتابة تحيا خيوطها بيضاء في سواد الكثافة ، يصطرع فيها المداد والجسد ، فيرقصان في العبارة، وتحسنُ الإقامة والشهادة .
يصير الحرف نبيذاً ، وتهندس اليد الفضاء، فتأتي الكتابة مشكلة بالأنفاس والروح كأن الشاعر يسرقها من البرزخ أو الأعالي.
الكتابة الحية متمفصلةٌ بين الحلم واليقظة، بين الوعي واللاوعي، بين السُّكر الوجداني والرشد العقلاني، تتصادى فيها الأصوات والنداءات، ويتهامسُ فيها الهامشي والذاتيُّ . تصبح الذات مركز الكتابة الحية تشكل لغتها وأرخبيل استعاراتها يتوجد فيها الهمّ الشخصي وحال الناس.
تقاطعات ما بين الأخيلة والصور تتواشج فيها الاستعارات ومدارج الخلود، ففي كل نبرة طفرة من التفرد، وفي كل حرف يتبرزخُ الوجدُ والفيضُ، وتتعسجدُ العبارة في قمصان القداسة.
في نص “لا أريد شيئاً” تتجلى الكتابة الحية من خلال مدخلين اثنين:
1.1 الخيال الخلاق :
يشكل الخيال الخلاق قانون الكتابة الحية، إذ به تعرج إلى سدرة المجاز لتشعل الكينونة الأولى للبدء، فترى مهبط الكلمات وحياً يتوالى كأنه يصنعُ مفردات لم تكن ما قبل. في ” لا أريد شيئاً” تشكيل خياليٌّ لا يتعجَّلُ النداءَ، بل يطوف سفوحَ الذات مختلجا بالموت والرحيل في عزلة غامرة بالطوفان :
(أن أفي بوعودي اتجاه الحروف والكلمات
التي رفعتني عالياً عالياً
بين عروش الوصل
ألقي على الجمع ما جادت به يوما قريحتي
من إرث سيبقى معلقاً كالثريا بين الهدايا) ص: 26
الوعد ديدن الصادقين الذين يوفون في بوحهم بما صاروا إليه من شدة الوصل – الوصل الذي جاء على هيئة الاستواء كأنه أمير يرعى الغيم بين الصَّحْو والسُّهد. هذا الخيال المسكر الذي يلمس الأبد ويمشي على زبد البحر هو نفسه الذي يخيطُ الجسد بماء الشعر :
(هي الحقيقة التي أنفر منها مراراً
مهما عصيت من قبل ذاتي
حين ارتميت بين متعة الغواية في زاوية وحيدة
أقتفي رغما عني أثر الوصايا.) ص: 26
حقيقة الكتابة الحية العصيان والتمرد الغواية. أي مسالك الاستعارات الكبرى التي تقود إلى الرفض
والتمنع:
(لا تكتب…
لا تنمْ…
لا تمش …
لا تحاربْ…
لا تهتمْ….
لا تسقطْ..) ص . ص 27 – 28)
تعود لام الامتناع بصخبها الجارف تشيِّدُ مباهج النفي (لا أريد شيئاً )، أي لام المحو التي تبقي ولا تذر:
(لا شاعر يستحق أن تعلقه القصائد:
هو المعلق بين المجازات والاستعارات
لا يعرف الطمأنينة على بياض المرايا) ص:28
هذا الشاعر المبدَّد بالأخْيِلَةِ المطاردُ بالمجازات والاستعارات هو نفسه من صلبته القصائد على بياض المرايا لنراه مهووسا بالقلق الوجودي؟ تتبعه الطعنات واللعنات لأنه ساخ في الخيال قبل أن تطويه الكلمات:
(لا شاعر يوما ترك القصيدة
عارية من حروفها تلمسها أيادي البطش
على كورس الخمر وتخزيها الحكايا) ص: 28
إنه الشاعر الخلاق المحلقُ يرحل في خمائل الاستعارات وسندس المجاز؛ لا ينجو من ملاحقة السؤال:
(هل عرفت الآن حقيقة
أن لا تريد شيئاً؟) ص:29
لا يتوب هذا الشاعر عن قدح مخياله ، ويأتيه طفلاً متوجاً بالغواية :
(كم مرة تُبْتَ عن الغواية
أقلعتَ عن معانقة الحروف والكلمات
لكنكَ
تعود اليها الطفل صغير يبكي في حضن أمه…) ص: 30
الشاعر الطفل البكاء ليس له سوى أن :
(استرخ على بياض الوقت
وانتظرْ قبلة الموت) ص: 32
لن يكون له من جهاد سوى الخيال الذي حاب به دروب الأعالي، وصار من أعشاب الخلود:
(كي أواجهَ ريح الغياب
أو أشباح الانتظار
فأغلقُ باب الخيال عليَّ ) ص: 39
إن الخيال الخلاق بساط الذات الشاعرة، وهو المسكن الوجودي للكتابة الحية تثْوى في الاستعارة على كل مفاتن القول الشعريّ، ويرفع عنه الغَبَشَ في صورة يتكامل فيها الشاعر؛ والصوت؛ والصمت؛ والصعود السهو في حالة برزخية لا ضريبَ لها.
2 – الترحال بين الموت الخلود:
ليس في الموت نهاية ، بل هو بدء صعود إلى حياة أخرى، كأنه ترحال بمواقيت خاصة . أي خروج من حساب المنطق إلى حساب الحدس وما فوقه.
يبني الشاعر رحلة من بوح يتطهر به من أرجاعه، إلى أن يتعبد في محراب القصيدة، فيتلو خطاياه على سجادة الاعتراف :
(هو بوح اللقي
هو بوح كما في الفؤاد عمراً ) ص: 46
يتواتر هذا النشيجُ حتى يصير :
(قصيدة عشق
استوت على أرض الخلود ) ص: 46
أيْ تتشكل الرحلة من التّوق والشغف إلى الامتلاء؛ حينها يصير فيضا يملأ القلب، والمجرات، فيصفو عشقاً يستوي على الجودي، ويصير طينا مخلداً .
لا يهاب الشاعر موته، ولا عزوفه عن غيرها، إنه يعلن انتماءه إليه، ويكتب بيده قدرة “فاليد الكاتبة هي يد ضاربة تخلخلُ الفراغ، وتقتحم الظلمة”2
فالترحال بحث مستديم عن الخلود ، أي : التطواف من كينونة إلى صيرورة، والسعيُ إلى منابت النور :
(ينير في ضوء حرف من الأعلى
يطلُّ علي في ثبات ورقا
ويقرأ لي ما تبقى مني علقا) ص: 51
تلك حاجات الترحُّل وضروراتُه التي لا تنفذ!
(نعم أنا محتاج
إلى ضوءِ حرف يكتبني
يوما بعد يوم ، ونبضا بعد نبض) ص:53
رحلة ضوئية تختبر مواجهة المعقول، وتواجه الموت لأن الشعر ضوء الخلود، ولأن الشعر منبتُ الوجود؛ فإن الشاعر لا يستنكف عن المجاهرة بالموت المضاءِ بالحرف، أي الموت الذي يخلِّدُ ما بعده، ويخلد في الترحال.
لا يترحَّلُ الشاعر سوى من موت إلى موت، يكاشفُ ولا يحجبُهُ؛ يراه حقيقته ولا يهابُه، فالموت عنده “محض تر حال”
بهذا الترحال يؤسس الشاعر الحسن الگامَح لشعرية “تروبا دورية ” تستطيع محاصرة الموت ومعانقته في آن واحد، تحتفي به، وتفنى به وفيه في رحلة لا نهائية مفتوحة على الشغف :
(سأبقى أردد لا أريد شيئا …
غيْرَ ضَوْءِ حَرْفٍ
ينيرني بعد الرحيل ألَقَا) ص: 59
هي القصيدة الرحلة الكبرى التي تنجو به من الموت، وتخلده في عيون البقاء:
(لا أريد شيئا …
إلا أن أستريح على جسيد القصيدة) ص: 59
القصيدة الملاذ والمعاد موضع السر والخلود؛ ومفتاح الشموخ؛ وهو ما “يحتاج إلى دخول؛ إلى شعر آخر للدخول إليه، والدخول إليه يعطي نوعاً من الإقامة الحيرية في ملكوت الترحال)3
(فأستقيم على
ظهر الاستعارات .
والمجازات ترفعني إلى الأعلى) ص: 60
هذه القصيدة / الحياة :
(الحياة جسرٌ…
الحياة كتابٌ…
الحياة سفرٌ…) ص: 61
الإقامة في الترحال حياة أخرى، أي خلود؛ ونفاذ إلى اللايقين؛ حينها تحرر الذاكرة من أثقال السفر؛ وتنفذ إلى القلب، فتصبح القصيدة كالسَّكران الذي “ينطق بكل مكتوم” 4.
(أقصيدة لبَّتْ نداء شاعر فصيحٍ
استوت على عرش الاستعارات
يختار منها الكلمات والمعاني
غائصاً في كنه الوجود اعتِدالا؟) ص: 62
إنه الترحال المحقق للخلود، الذي يطوف الأعماق، ويخرج أسرارها إلى الوجود أي “الخلود في اللازمن؛ وفي كل الأزمنة.”
أكادير في: 28 فبراير 2026
شاعر وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
