الرئيسية / الأعداد / العدد الثالث والسبعون / أعمدة ثابتة 73 /  في اليوم العالمي للشعر: القصيدة رئة العالم ومنارة التنمية- محمد منير

 في اليوم العالمي للشعر: القصيدة رئة العالم ومنارة التنمية- محمد منير

اشراقـــــات

 في اليوم العالمي للشعر: القصيدة رئة العالم ومنارة التنمية

 محمد منير*

 

منذ فجر التاريخ، لم يكن المبدعون مجرد رواة للحكايات أو صناع للجمال، بل كانوا شهودًا على عصرهم، وحملةً لمشاعل الوعي في مجتمعاتهم. فالكلمة الصادقة لم تكن يومًا مجرد زينة لغوية، كما أن اللوحة الفنية لم تكن مجرد تشكيل للألوان والخطوط؛ بل كانتا، وما تزالان، وسيلتين لفهم الواقع وإعادة تشكيله.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف ينتقل المبدع من دائرة التعبير إلى دائرة التأثير؟ وكيف تتحول القصيدة من نص جميل إلى قوة قادرة على إيقاظ الوعي وتحريك الإرادة؟
إن البداية تكمن في وعي المبدع بدوره الحقيقي. فالمبدع الذي يحصر نفسه في إنتاج الجمال وحده، قد يحقق المتعة الفنية، لكنه يفوّت فرصة أوسع تتمثل في الإسهام في صناعة الوعي. أما المبدع الذي ينصت جيدًا لنبض مجتمعه، ويقرأ تحدياته وتحولاته، فإنه يصبح قادرًا على تحويل إبداعه إلى رسالة تحمل المعنى والأثر معًا.
فالتغيير لا يبدأ دائمًا من المؤسسات الكبرى أو القرارات الحاسمة، بل يبدأ أحيانًا من فكرة صغيرة تتسلل إلى العقل، أو سؤال يوقظه نص أدبي، أو مشهد فني يفتح نافذة جديدة للتفكير. ومن هنا تأتي قوة الإبداع؛ فهو لا يفرض التغيير، بل يمهد له، ولا يصنع التحول مباشرة، بل يهيئ النفوس لاستقباله.
لقد أثبت التاريخ أن الفنون كانت دائمًا شريكًا في التحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات. فالشعر أسهم في ترسيخ القيم والهوية، والرواية كشفت قضايا الإنسان وأسئلته العميقة، والمسرح فتح فضاءات للحوار والنقد، بينما استطاعت الفنون البصرية أن تجعل القضايا الإنسانية أكثر قربًا وتأثيرًا.
والمبدع الذي يريد أن يكون فاعلًا في مجتمعه لا يحتاج إلى التخلي عن فنه أو التحول إلى خطيب أو ناشط مباشر، بل يكفي أن يكون صادقًا مع رؤيته، وأن يحمل همّ الإنسان في قلب مشروعه الإبداعي. فالفن يفقد جوهره عندما يتحول إلى خطاب مباشر، لكنه يكتسب قوة استثنائية عندما يثير التفكير ويحفز التساؤل ويوقظ الحس الإنساني.
إن المجتمعات لا تتقدم بالاقتصاد وحده، ولا بالتكنولوجيا وحدها، بل تحتاج إلى بناء الإنسان الواعي القادر على التفكير والنقد والحلم. وهنا يتجلى الدور الحضاري للمبدع، بوصفه شريكًا في صناعة الوعي، ومساهمًا في ترسيخ قيم الجمال والتسامح والانفتاح والمسؤولية.
ومن هذا المنطلق، يصبح الإبداع أحد أهم أدوات التنمية الثقافية، لأن التنمية الحقيقية لا تقتصر على بناء الطرق والمباني، بل تشمل بناء العقول والوجدان أيضًا. فكل عمل إبداعي يوسع أفق التفكير، أو يعزز قيمة إنسانية، أو يفتح بابًا للحوار، هو إسهام مباشر في صناعة مستقبل أفضل.
وفي “إشراقات”، نؤمن بأن المبدع ليس مراقبًا للحياة من بعيد، بل شريكًا في تشكيلها. وأن الفن، حين يتصل بقضايا الإنسان وآماله، يتحول من مجرد وسيلة للتعبير إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير والإلهام وصناعة التغيير.
ومن هنا، نحاول معًا استكشاف سبل تحويل الإبداع إلى طاقة تغيير حقيقية، قادرة على إحداث الأثر، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر إشراقًا.

وفي الحلقة القادمة من “إشراقات”، سنتوقف عند سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل يولد الإبداع من ومضة إلهام عابرة، أم أنه ثمرة انضباط وصبر وعمل متواصل؟

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً