الرئيسية / الأعداد / الفلسفة من منظور طفولي: الصغار فلاسفة كبار – أجدور عبد اللطيف

الفلسفة من منظور طفولي: الصغار فلاسفة كبار – أجدور عبد اللطيف

  الفلسفة من منظور طفولي: الصغار فلاسفة كبار

 عبد اللطيف أجدور*

  1. طرح الأسئلة هي المؤشر الأول على وعي الإنسان.

لعل ما يجعل الإنسان متفردا عن بقية الخلائق بالدرجة الأولى، هي حاجته الملحة لطرح الأسئلة وطرح الإشكالات، حول ذاته والموجودات التي تلفه وتكتنفه، ثم حول سيرورات الأشياء وأسرارها؛ ولعل الطفل أكثر هرقا للأسئلة وتطلعا للاكتشاف وسبر الأغوار، من حيث هو كائن جَدّ على الوجود وما يزال مندهشا بكل مكوناته ومكنوناته، ومن حيث حاجة دماغه وحواسه للنمو على ضوء العلائق التي يقيمها مع نفسه ومع غيره، تبعا للإجابات التي تقدمها الطبيعة أحيانا والتي يقدمها الكبار أحيانا أخرى.

  1. الطفل والفلسفة من حيث هي تساؤل، من خلال رواية عالم صوفي.

في الرواية العالمية الرائعة “عالم صوفي” التي تتناول موجزا لتاريخ الفلسفة منذ نشأتها على لسان طفلة صغيرة اسمها صوفي، يتحدث جوستاين غاردر عن سر الدهشة عند الأطفال وعلاقتها بالفلسفة؛ يقول:

“هل قلت لك مسبقاً ان الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح المرء فيلسوفاً جيداً هي قدرته على الدهشة؟ إن لم أكن قد قلتها فأنا اعيدها الآن: إن الميزة الوحيدة اللازمة لتصبح فيلسوفاً هي أن تندهش.. ويبدو أن ملكة الدهشة هذه تضعف مع الكبر. لماذا؟”

يجيب جاستون: ” لو أن مولوداً صغيراً عرف أن يتكلم، لكان عبّر بالتأكيد عن دهشته من الوقوع في عالم غريب.. لذا يروح يصيح لما يرى كلبا:  عو، عو عو! أما نحن فنعقب بنبرة ضجِرة: “أجل، نعرف أنه عوعو. لكن يكفيك الآن.. كن عاقلاً!” إننا لا نقاسمه تهلّله فقد سبق ورأينا كلباً”.

ثم يضيف: “ربما يتكرر انفلات صرخات الفرح هذه مئات المرات، قبل أن يصل الطفل إلى أن يلتقي كلباً دون أن يضطرب، وكذلك الأمر أمام فيل أو بقرة أو نهر.. الخ”*

  1. عندما يتساءل الطفل فهو يتفلسف دون أن يدرك:

وبما أن الفلسفة تناولت مبكرا الأسئلة الطبيعية للإنسان، من قبيل السؤال الأزلي الأول: أي شيء أنا؟ الذي أجاب عنه سقراط إجابته الأزلية كذلك: “اعرف نفسك بنفسك”، إذ إنها الآلية الأولى التي يمكن أن نقدمها للصغار بمفهومها البسيط الذي يتخذ الملاحظة والتفكير، جسرا لمعرفة النفس والكون والخالق والمخلوقات.

جاهل من يظن أن الطفل لا تواجهه أسئلة ذات طابع فلسفي محض، في حدود إدراكه الغضّ طبعا، أسئلة على شاكلة: “لم لا أستطيع التفوق في الرياضيات ومراد يستطيع؟ لمَ لمْ يستطع أبي شراء محفظة سندريلا الزهرية لي؟ بينما أب سلوى أو ليلى يستطيع؟ لم لست سريعا أو شجاعا أو طويلا أو أبيض مثل صالح أو عنتر أو برنارد؟ لم صرت بنتا ولم أصر ولدا؟ أو العكس؟ أو لم لا يسعنا الاختيار حتى؟ ثم تسترسل الأسئلة لتصبح: “كيف ولدت؟ وكيف وجدت أختي من العدم داخل بطن أمي؟ ولم لا تتحدث الحيوانات؟ وما الأسبق الدجاجة أم البيضة؟ وهل الدجاجة أم الديك؟ وأين الله؟ وكيف يبدو؟ مع الأخذ في الحسبان أن الأطفال أكثر إقداما على إبداء الحيرة وطرح السؤال من الكبار، كونهم ما يزالون غير مستشعرين لرقابة سلطة الدين والإيديولوجيا والمجتمع.

  1. كيف نحول الفضول عند الطفل إلى فضيلة:

إن دربة الطفل على التفكير السليم بتوجيه وتبسيط ومراعاة، لمن صميم مرجعيتنا الدينية التي تحض على طلب العلم ولا تعذر في ذلك، مثل القانون، أحدا؛ وآي الخطاب القرآني يفيض بالسؤال البالغ الإستنكار: “أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، أفلا تتدبرون..” وإن تنمية الحس النقدي، والاعتراف بالاختلاف ونسبية الحقائق، وطبيعتها التشاركية والتكاملية كذلك، لمن صميم التربية القيّمة القويمة التي تنأى بأجيال المستقبل عن التطرف والغوغائية، والوقوع ضحايا لغسيل الأدمغة والعنف والإرهاب والتحيز والعنصرية، ورهاب الفلسفة نفسها.

يكفي الفلسفة ترغيبها في الفضائل لِذاتها، وتغريبها للرذائل ولَذّاتها، في هذا المعنى يقول فيلسوف الفضيلة أرسطو: “علمتني الفلسفة أن أفعل طواعية ما يفعله الآخرون خوفا”.

*ترجمة النص من الإنجليزية: فهد الحازمي.

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً