الرئيسية / الأعداد / في مقاربة الهايكو من ثرثرة القراءة إلى تكثيف المقاربة ) محمد بنفارس

في مقاربة الهايكو من ثرثرة القراءة إلى تكثيف المقاربة ) محمد بنفارس

في مقاربة الهايكو من ثرثرة القراءة إلى تكثيف المقاربة

محمد بنفارس*

1/ في التقديم:

 في العالم، وخاصة في اليابان، يحظى الهايكو بقراءات تعتمد التكثيف في بضع جمل أو أسطر قليلة تركز بالأساس على الشعرية وجمالية النص، في حين يلاحظ أن القراءات التي نصنعها في البلاد العربية تتمدد وتسترسل في القول إلى أن يطمر النص أو يكاد، فتصبح القراءة هي المبتدأ وهي الخبر. على أن جل هذه القراءات تأتي تحت الطلب من باب المجاملة فتنصب على تمجيد الاسم بدل تناول النص، وإن فعلت فتغرق في الثرثرة واللف والدوران وتقول في النص ما لم يقله ابن نواس في الخمر.

على أن جل المقاربات العربية “تمتاز” بالشرح والتفسير والإغراق في التأويل، والإسقاطات، أو تصفيف مجاني للمصطلحات النقدية الجمالية اليابانية، في استعراض مجاني للمعرفة، أو كثرة الاستشهادات من ديوان العرب والكتب المقدسة والنحو الواضح و”كتاب” سيباويه، مع تركيز غريب على مديح اسم الكاتب وحياته، بل يكون الاسم غالبا هو مدعاة القراءة وليس جودة النص.

الناقد الذي يعمل تحت الطلب ليس ناقدا بل لن ينال هذا اللقب مهما جير وصبغ. فنقده والحالة هذه، لن يكون إلا إطراء وصباغة لصاحب/ة الطلب. في اليابان والغرب، ينصب النقد على النصوص الجيدة، عند العرب، اختص بعضهم لتصيد هفوات الكتاب لمهاجمتهم، وحتى إن لم تكن هناك هفوات، اخترعها وألبسها لبوس الخطيئة لصب جام ناره المريضة، بل هناك من يحرف النص الأصل بترجمة يجهل لغتها أصلا، فقط ليجد له مبررا لإطلاق الرصاص على رأس الكاتب. وأخيرا هناك من يعقد مقارنات سطحية بين نصين (كل واحد له سياقه وله خصوصيته) ليجد له، وعلى نحو تنقصه الأدوات القرائية والمقارباتية، مدخلا لرش البارود في كل اتجاه.

أقترح في هذه الفقرة، مجموعة هايكوات بمقاربة سريعة ومكثفة تخلصنا من التقويل والثرثرة والتمجيد الشخصاني، بحيث تقف عند شعرية وجمالية النص:

 

2/ نماذج مقارباتية

 ماتسوو باشو (1664-1694) Matsuo Bashō شاعر ياباني مؤسس الهايكو كنمط مستقل.

مطر من الأزهار

عبثا يبحث غراب

عن عشه!

 

هايكو ينبض بالحركة والحياة وكأننا بصدد مشهد مسرحي أو سينيمائي حي بسحر الطبيعة وتفاعل عناصرها بتآلف وتكامل. يا له من مناخ بشعرية السكينة والصفاء والمتعة.

 

  1. أواجيما اونيتسورا / Onitsura Uejima (1661- 1738) شاعر هايكو ياباني

ترجمة: محمد بنفارس- المغرب

 

حقول القمح الخضراء،

القبرة تصعد ثم …

فجأة تنزل

 

في هذا الهايكو لا ينشغل أونيتسورا بتفسير: كيف ولماذا؟ بل التقط لحظة مثيرة كالبرق وسجلها بكل ما أوتي من بساطة التعبير وصدق الوجدان والانبهار بالحدث.

القبرة (حتى دون سبب) طارت ثم هبطت كما يحلو لها أن تطير وتهبط. إنها الطبيعة الساحرة في عفوية تجلياتها وانسجام حركتها وتداخل عناصرها.

 

  1. مليكة البوزيدي، المغرب/ اسبانيا

ترجمة: م. بنفارس

 

صدى

بين الجبال؛

يتدفق الماء

 

هايكو (من ترجمي) شفيف بلا ثرثرة ولا تفسير. صوتا وصورة، الطبيعة بكل البهاء وتجليات التنوع والتناغم والحركة، إنها الحياة بأحلى متع الجمال والفرح والهدوء.

 

  1. إيسّا ـ كوباياشي (1763-1828 )/ Kobayashi Issa

ترجمة: محمد عضيمة، من كتاب “هايكو البريد الياباني – إيسا كوباياشي

 

حتَّى البَقرةُ العَجوزُ

لها ذيلٌ

لكشِّ الذُّباب.

 

هايكو ساخر بدا لامعا في وسط فوضى ذباب يهاجم البقرة العجوز

وهل تمنع الشيخوخة أو غيرها البقرة من أن يكون لها ذيل “محترم” يقيها من لسعات الذباب وعوائد الزمن؟

 

  1. إيسّا ـ كوباياشي (1763-1828) / Kobayashi Issa

ترجمة: م. بنفارس

 

البقرة

” مو، مو، مو”

وقد برزت من خلال الضباب

بقرة مثيرة تظهر فجأة من خلال ضباب كثيف وهي تطلق صوتا ساحرا أثار ذائقة إيسا. فما كان من الهايجن إلا أن خلدها في هذا الهايكو الخاطف. شعرية مناخات مشهدية مزجت بين الصوت والصورة فجاء الهايكو صادقا صوتا وصورة من تجربة جديرة بالمشاركة الوجدانية.

  1. ليلى برني– المغرب

ترجمة: م. بنفارس

 

صباحٌ باردٌ

لنفسِ الأفق تتُوق

طيورٌ مهاجرة

 

دعوة لسفر متجدد بعيدا من وقع إيقاع ضاغط وأحداث متسارعة.. نداء عودة لصفحتنا الصافية الأولى بروح مرحة منفتحة على الحياة والأمل.. هايكو بشعرية مناخات حسية تسرح بالذائقة إلى فضاءات واعدة من الحرية والصفاء والسكينة.

 

  1. شاهناز يوسف – سوريا

سماء

تعبر الحدود

حقول خضراء

 

وكأننا أمام لوحة من روائع ڥان غوغ حيث يلعب تشابك الألوان والضوء والمسافة دورا في تشكيل الرؤيا والعمل الفني. طبيعة ممتدة حيث تتداخل الحقول بالسماء في وحدة متناغمة توالف بين الما فوق (س 1: سماء) والما تحت (س3: حقول). هايكو بشعرية مناخات مشهدية أخاذة صورة ووجدانا.

 

  1. عبد الحق موتشاوي- المغرب

مالح، مالح

يصيح طفل أسقطته

موجة!

 

لقطة بجودة الصورة والصوت، وبساطة التسجيل والقول. تماس بين جسم رخو ومياه مندفعة إلى حد الانصهار تشعر بتداخل وتناغم العناصر ما يمنح جمال ومتعة الصفحة الأولى في الميلاد. طفل بكل هشاشته وعفويته أمام قوة، ولم لا، عطاء الطبيعة. الطفل يحول المواقف إلى لحظة فرح عارم وسخرية بريئة وعدم اكتراث.

 

  1. روسا لوبيث (Rosa López) – المكسيك/ México

ترجمة: م. بنفارس

 

Se desvanecen

caen muertas las gotas

en los cristales

 

تتلاشى

ميتة تقع القطرات

على الكريسطال

هايكو يوالف بين الحركة والسكون ورهافة وجدان يسكنه حنين الماضي

وإحساس عميق بمرور الزمن وتحول ومحدودية الأشياء في الزمان. الجمال عابر وهش من هشاشة العالم. إنها لحظة خاطفة حسن اقتناصها والاستمتاع بها بكل الجوارح وبكامل الوعي.

 

  1. محمد بنحمو الكوشي العامري- المغرب

 

أول الربيع؛

إوزات تلهو جنب

مركب قديم

 

هايكو بمنسوب تضميني وشعرية مناخات مشهدية ربيعية مثيرة للبصر ومنعشة للذاكرة. أو ليس الهايكو في ماهيته معزوفة جمال وفرح بالحياة!؟

 

  1. زايا يوخنا- سوريا

 

كسوف

أخيراً الشمس والقمر

وجهاً لوجه

 

لقطة نادرة وموحية. بتنح ولكن بحضور كلي، يرتقي الهايجن من العام إلى الخاص بزوم على الحدث الملموس بحاسة البصر لحظة عناق مثير بين الشمس والقمر في حركة طبيعية تستأثر باهتمام الناس في المعمور. هايكو بشعرية مناخات من مشهد ملموس إلى وجدان منفتح على الجمال.

 

هايجن ومترجم من المغرب

 

 

 

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً