أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / سحات الليل (الجزء الرابع) – المصطفى اسدور

سحات الليل (الجزء الرابع) – المصطفى اسدور

سحات الليل (الجزء الرابع)

المصطفى اسدور

هذه الحالة النفسية التي يعيشها بعض القرويين في المنبسط، يعكسها تراثهم الفني بدهاء وذكاء كبيرين، نكاد نمر عليه دون أن تثير فينا تلك الإحالات العميقة التي تسبر غور الانفس المعذبة.

ففي إحدى القرى العربية، ظهر نمط فني تراثي، أطلق عليه أصحابه اسم “حَمَقَة”، وأصلها من “حماقة”، لكن سياق “حَمَقَة” يعني ضربًا من “الجنون” العاقل و”العبث” المقصود، يقوم به أهل تلك القرية الصغيرة بمنطقة سيدي احماد أوعْمَرْ، على طريق منطقة “أولاد ابراهيم”، حيث عرفت سوس أشهر فرقة فلكلورية للتراث الهواري، فرقة “اولاد ابراهيم” التي انتهت نهاية مأساوية بموت أغلب عناصرها  في حادثة تسرب غاز بداية السبعينات!!

تُسمى تلك القرية بـ”دُوَّار الطَّلْبَة”، ويُفهم من الاسم، أنها قرية يسكنها حفظة القرآن المعروفين محليا بالطَّلْبَة. وبحسب الرواية الشفاهية، فإن بعض الطلبة – وأغلب الظن أنهم أمازيغ- جاؤوا وسكنوا تلك المنطقة المُسماة اليوم بدوار الطلبة، والتي لا تبعد كثيرا عن مقام الولي الصالح الفقيه سيدي احْمَادْ أُو عْمَرْ، حيث أسس مدرسة عتيقة لتحفيظ القرآن وتدريس علوم اللغة والشريعة.

قد يكون هؤلاء “الطَّلْبَة” الذين استقروا هناك من تلامذته خريجي مدرسة سيدي احماد نفسه، فَضَّلوا البقاء في المنبسط السهلي بدل العودة الى قراهم في الجبل. وتؤكد بعض الروايات الشفاهية أن الناس بدأوا يقومون بزيارات للطلبة سواء للتبرك أو لطلب الشفاء أو للتعلم. وما يُعزز فكرة كونهم أمازيغ، هو تلك اللوحة الفلكلورية التي تشكلت عبر عشرات أو مئات السنين، والتي يُطلِقُ عليها عربُ تلك المنطقة اسم “حَمَقة”، وهي لوحة فنية تحتاج لدراسة أنثروبولوجية معمقة لفك تقاسيمها، فلا هي باللَّغْتَة الهوارية، ولا هي بالݣدْرَة الحسَّانية، ولا هي بأحْوَاشْ الأمازيغي، ولا هي بݣنْݣة، فرقصة “حَمَقَة” – إن جاز أن نسميها رقصة- هي مزيج من ذلك كله، هي لوحة صقلتها علاقات تاريخية امتزج فيها التراث الحساني بالهواري والأمازيغي و”ݣنْݣة لَعْبِيدْ”، حيث نجد الطَّبْل (ݣنْݣة) التي يستعمله العْبيدْ في مواسمهم هو أساس حَمَقة، و”الطَّارَة” الهوارية التي بالكاد يفوق حجمها كفَّي اليد، تلعب دور الفاصل بين فقرات الرقصة، كما تحافظ على “الِميزَانْ” (الإيقاع) إلى جانب “الطْبَلْ”.

تشتغل الآلات الإيقاعية على إيقاعات الأكف والأرجل التي تهز كيان الرجال، وتهز أرضية المَرقصِ، فتسري موجات ارتدادية لتربط الماضي بالحاضر، وتربط السهل بالجبل، وبين الفينة والأخرى ترتفع “زغْرودَة” “أݣْوَالْ” الهُواري، الذي يتميز عن “التَّعْريجَة” بطول أسطوانته وضيق فتحتها، فيخرج الصوت قادمًا من عوالم خارج الطبيعة، ينادي في عليائه بأنْ أنا التاريخ وأنا الحضارة، أنا الأرض التي تتنفس عشقا وخصبا وعطاءً، أنا الماضي الذي يعانق الحاضر في أبهى صورة.

يجري ذلك كله في ضوء تشكيلات ووصلات تمزج بين  أحواشْ الجبل و”لَغْتَة” عرب سوس، بالإضافة الى لوحات تمثيلية يُطلق عليها “النَّاݣة”، حيث يتم استحضار التراث الحَسَّاني بالمنطقة.

لازالت بعض المناطق تؤدي رقصة “حَمَقَة” في بعض المناسبات، وإن بحماسة أقل وبتعديلات وحُلَّة أفقدتها هويتها التاريخية وبُعدها الإنساني، وحولتها الى منتوج “سياحي” بامتياز.

في هذه الرقصة، وضمن مقاطع و مواويل الأداء، نجد فقرة زجلية تعكس تلك العلاقة الحالمة بين رجال المنبسط و نساء الجبل:

وا اللُّوزْ المَݣْلي

وا كِيتُو فِي ݣلْبِي

وا اللُّوزْ المَݣْلي

وا كِيتُو فِي ݣلْبِي

يقوم فريق من الراقصين بأداء الشطر الأول، ليرد عليه الفريق الآخر بعبارة “وا كيتو في ݣلبي”، فتشتد حماسة الرجال، وتسودهم حالة من الإغماء اللذيذ. يستمر أداء هذا المقطع الذي تحول الى لازمة “حَمَقَة” لفترة طويلة، وكلما أراد صاحبُ ݣنْݣة أن يختم الوصلة، ارتفعت الحناجر، وإشارات الأيدي بأن يستمر، فيتحمس ضابط ݣنْݣة، ويزيد من وتيرة الضرب وتشكيله، وحين تبلغ به الحماسة مبلغا من الانتشاء، يبدأ بالدوران على نفسه، دون أن يتوقف عن الضرب، فيشكل كلاهما الضابطُ وݣنْݣةُ لوحةً راقصة تُبهر الحاضرين، وتأخذهم الى عوالم العشق وصفاء الروح.

“اللوزُ” هنا كناية، تسافر باللفظ من عالم اللغة والدلالة الى عالم الإيحاء، اللُّوزُ هنا ليست الفاكهة التي آنسَتْ سكان الجبل عبر العصور في خلواتهم وعمَارهم، وشكلت موردا اقتصاديا وغذاءً مشبعا بالطاقة والحرارة أيام البرد القارس والعواصف الثلجية، اللوز هنا عنوان يفتح نافذة عريضة نحو سكان الجبل، يطل من خلالها الشعراءُ والنُّظَّامُ والزَّجَّالون والعشاق الحالمُون، على جمال الطبيعة وجمال المرأة الأمازيغية بلباسها المزركش بألوان الطبيعة، وتلك الوجوه المليحة، والخدود التي يكاد الدم يتطاير منها، وتلك الحِلِي التي يتناغم فيها حَبُّ اللُّبان والرِّيَّالُ الحَسَني، مع قطع الفضة  وخيوط من صوف ملون بألوان الطيف، هذا هو اللوزُ الذي يتغنى به أهل حَمَقَة، في لحظات الجنون والعشق التائه، تبدو حبات اللوز مكتنزة بالمعاني والدلالات الغرامية، والإيحاءات الغريزية التي تُشعل الأفئدة والقلوب، وتشعل النار في ݣنْݣة وأݣوالَ والطَّارَة، فتذوب قمم الأطلس، لتنساب إلى سفوحها ومنبسطات سوس، وأوديته وسهوله، غامرة كل ذلك بفيض من العطاء الروحي وعِرفان العشق الصوفي.

في تلك اللحظات من السُّموِّ، تُضاهي حناجرُ الرجال تراتيلَ القديسين في محارب العبادة، وتنعدم الحدود والفواصل بين البشر والتراب ونسائم السماء.

كيتُو في ݣلبي !!

“الكِيَّةُ” و”الكَيَّة” بلسان عرب سوس هي الوجع والألم والمصيبة، يقولون:

زَادْنِي كَيَّة عْلَى كَيَّة: أي زادني ألما على ألمٍ أو زادني همَّا على همٍّ. وكما تدعو النساء على المشاغبين من الأطفال بالتابعة والقرينة، تدعون كذلك بالكَيَّة حالةَ الغضب:

–      سيرْ الله يعطيكْ كَيَّة.

والكَيَّةُ في اللغة من الكيِّ، نقول كَوَتْ قَلْبِي: أَحْرَقَتْهُ، وهذا هو المعنى المراد في عبارة:  “وَا كِيتُو فِي ݣَلْبِي”، عبارة بليغة استطاع صاحبها أن يمزج من خلالها بين كناية  اللفظة وانزياح المعنى. وحينما يتغنى الرجال باللوزْ المَݣْلي، قليلون من يصلهم كنهُ المعاني وعمق دلالاتها وجمالية التعبير، ويكتفون بالتغني باللوز كفاكهة لا تعدو أن تكون فاكهة. ومن تأخذهم العبارات إلى جمال الأطلس وعنفوان رجاله وطَيبة نسائه وجمالهن، تراهم بين الرجال يئنون و يئطُّون من الشوق والوجع.

التغني ببنات الجبل وجمالهن، والقصص التي يسوقها سكَّانُ الليل من أصحاب الكِيفْ ولاعبي الورق وضاما، تصل أصداؤها إلى النساء، فالكلمات تعرفُ كيف تُخادعُ الكتمان، لتندس في لاوعي الرجال، وتختلط بالأخبار والنكت والحكايات، لتجد طريقها في لحظة من لحظات الارتخاء والغفلة إلى الآذان، حينها يتحول الكلام بين الزوجين إلى أشبه ما يكون بـ”قصفِ المعاني”، وتسجيل الضربات، والالتفاف على الخطط، فكل طرف يسعى الى تضليل الآخر وإبعاده عن غاية الخبر أو السؤال، ومهما جدَّ واجتهد الأزواج في تمييع العبارة وكونها مجرد أهازيج يرددها الجميع في الحفلات، تستميت الزوجات في فك شيفرة كل تقاسيم الوجوه والبسمة العفوية، وغض النظر تحاشيا للعيون، السلاحُ السِّري الذي لا يخطئُ أبدا؛ وعادة ما تفلح الزوجات في إخراج الأزواج من شرنقة الكتمان والتخفي، وتسْتَلَّ الخبر كما تستل الشوكَ من الأقدَام الحافية. وحين يصبح الحديث مباشرا وواضحا، وتنكشف الأوراق، تتحول الزوجات إلى مخلوقات وديعة تقوم بأي شيء من أجل ترويض هذا الجسد الذي لا يملأ جوفه غير التراب، هكذا تُشَبه بعض النساء أزواجَهن حين تصلهن بعض الأنباء عن مغامرات قام بها فلان أو فلان. ربما يكون هذا الجانب  قد أثر بشكل أو بآخر وأدى الى خلق تلك الحالة من الجفاء بين “عَرْبِيَّاتْ” سوس ونساء الجبل القادمات مع أزواجهن، سواء نساء الطَّلبة أو بعض مَن اشتغل أزواجهن في “لْفَّارْمْ” (مزارع البرتقال).

لا مجال للمقارنة والتشبيه بين تلك الوجوه المخروطية الشكل، والعيون العسلية والخدود الحمراء، وخصلات الشعر التي تتقدم مُسدِلَةً بَهائَها على الجباه، أو تلك الضفائر المخضبة بالحناء والزعفران، المتدلية على “النواضر” وقد أضفت على الوجوه حالة من الجمال والبهاء والإشراق. وأما إن أمعن الناظرُ النظرَ في تلك الأجسام ذات القوام المنقوش بعناية ربانية، وتلك الملابس التي ما تركت يدُ الصانع جزئية من أجزائها إلا وَحولتها الى نبع من الجمال، حينها لا يبقى أمام “العربيات” إلا ان ترفعن الأعلام البيضاء، و تستسلمن للجمال الجبلي!

هذا ما شعرت به فاضْمة في أول لقائها بكبُّورة،  شعرت بنوع من الجفاء، وأحست بنظراتها تخترق كل جزء منها، رغم عبارات الترحيب والمجاملة، فإن الوجوه والعيون لا تخون أبدا. فأن يحدث ذلك الجفاء البارد الصامت الذي لا يُصَرح بشيء سوى البرودة التي تكتسح المكان، وفي أول لقاء، لا شك أنه جفاء له أسبابه وله ما قبله، وقطعا لم تكن فاضْمة هي السبب، لأنها ببساطة حديثة عهد بالدُّوَّار، لم تنخرط بعد في أية شبكة علائقية، فكل نساء الدوار يشبهن بعضهن، أو هكذا شعرت في أول يوم، صدمتها تلك البشرة التي تشبه لون الحصائر القديمة، وعلامات الشقاء والكدح قد

خرَطَتْ زوايا العيون، وتلك الملابس أحادية اللون الكاتم. لم تفهم فاضْمة التي ألفت الألوان والأشكال والزخارف في كل زاوية من زوايا الحياة، كيف بإعْرَابْنْ يرتدون ملابس لا تعكس جمالية الطبيعة والوانها؟ هو سؤال مفتوح على الذاكرة والتاريخ.

 

الله يْفَݣَّدْنَا فْالشْهَادَة:

هكذا تردد كبُّورة كلما خانتها الذاكرة، فتختلط عليها الأحداث وتشتبك خيوط الأزمنة، وكأنها تريد التخفيف من أثر النسيان، ولسان حالها يقول أن الشهادة أهم من الخبر، فالخبر في نهاية الأمر مضى وانتهى، ولن يسعفنا إلا بالقدر الذي يجعلنا نشعر بانتماءٍ للجغرافيا والزمن، فالأهم منه هي الشهادة، لا يهم أن تنسى الخبر، لكن لا تنسى الشهادة لحظة اللقاء مع الخالق، هي عادة الناس في المجتمعات المتدينة ولو بشكل سطحي، دائما ما يربطون الأحداث والوقائع والزمن بالمُقدَّس، أيا يكن هذا المقدَّس.

كبورة وفاضْمة وغيرهن من النساء سواء في قمم الجبال أو في هذا المنبسط الأخضر، تتحدثن بسجية وعفوية مهما طُبِعت بالذكاء في إدارة الحديث، أو بالمبالغة في الإيحاءات، ففي النهاية هناك وعي محدود و إدراك مقيد بطبيعة الحياة القروية التي يؤثثها الجهل في معظم الأحيان والأحوال. وحين تنطق كبورة بتلك العبارة التي تعكس إيمانا قويا بقدرية الموت وحتمية اللقاء، وتلك النقلة النوعية التي تجعل مصير الفرد متعلقا بالشهادة، التي هي نوعٌ من الإقرار بفناء هذا الجسد، وتحوله إلى شيء آخر أهم صفاته الخلود والسرمدية سواء في النعيم أم في الجحيم، إنما تقوم بذلك بشكل يكاد يكون لا إراديا، فاللسان ليس مجرد آلة للكلام فحسب، بل هو “ناقل” للوعي ومترجم له، أيا يكن هذا الوعي ومستواه، فهو حصيلة عمليات تراكمية تمت عبر أجيال متتالية، وكثيرة هي العبارات التي يرددها الناس معتقدين أنها تعكس وعيهم وإدراكهم ونتيجةَ تفاعلهم مع الحاضر، بينما هي في الواقع وعي موروث ومتوارث، يكشف عن نفسه في لحظات خارج السيطرة والضبط، بحيث لا يحتاج الفرد إلى “إعمال” عقله في تلك اللحظة للبحث عن “العبارة” المناسبة للمقام، إنما تأتي العبارات سجية عفوية، لتجد لها مكانة في سياق الكلام.

هكذا هن النساء في القرى، يلتقين بالصدفة أحيانا كثيرة دون أن يكون لهن هدف معين من اللقاء، فاللقاء في ذاته غاية وهدف، ويكفي أن يحدث لتنفجر ينابيع القول والكلام، ولتكتشف الكثيرات منهن أن هناك أمورا كثيرة تحتاج لطرحها ومناقشتها، ولأن لكل واحدة همومها الخاصة وأسرارها الصغيرة، ففي اللقاء الواحد قد تثار كل هموم القرية وهموم رجالها وأطفالها. يبدأ الحديث أحيان بعبارة تُلقي بها إحداهن، وتبدو للوهلة الأولى أنها عفوية لا تقصد من ورائها أي شيء، لتشتغل بعد لحظات كيمياء الكلمات وقد تشكلت وتلونت وتفككت وتقاطعت مع كلمات أخرى، ليتخذ الحديث مسارات متشعبة لا أحد يعرف أولها من آخرها، قد يبدأ الكلام على شكل سلام، لينتهي على موعد خطوبة أو زواج، وربما ينتهي بتشكيل شبكة علاقات جديدة تتداخل بشكل أكثر تعقيدا مع العلاقات السابقة، مع تسجيل مسافات جديدة بين الأفراد.

كل شيء يحدث في هذا العالم القروي البسيط يُكسبه حيوية وحياة لا تكاد تتوقف، في كل يوم، ومنذ اللحظة التي تبدأ فيها الديكة بالصياح قبل الفجر، ويليها تصاعد الأدخنة من الكَوانين، حيث تبدأ تلك الحركة الدؤوبة لتسخين الماء لأجل الوضوء أو إعداد الحساء، وكلما تقدم ضوء الشمس وحقق مكاسب جديدة على حساب الظلمة والسواد، كلما أخذت الأشياء هيأتها، وتشكلت معالمها، حتى الطرقات الضيقة بين “ارْيَافْ” الدوار والتي يملأها الريح والفراغ في الليالي الطويلة، تعود اليها الروح، وتكثر فيها الجلبة بين البيوت، وتزداد حركة الأطفال والنساء في نقل وجلب بعض الأشياء من الجيران، يقطع ذلك مشهدُ راعي غنمٍ أو أبْقَارٍ يسوق قطيعه الى المراعي، أو فلاح وقد ملأ حماره ببعض الخضروات متوجها بها الى السوق، فتزداد نبضات الحياة في القرى كل لحظة وحين.

لم يكن في حسبان كَبُّورَة أن تصبح فاضْمَة أقرب نساء القرية إليها مودة، لكن هذا ما حدث بالضبط، وحين تتذكر بعض مُعمرات القرية أو  من بقي منهن على قيد الحياة تلك اللقاءات الأولى التي جمعت المرأتين، يستغربن، ولا يجدن تفسيرا مفهوما لتحول الجفاء إلى قصة مودة وحب عمرت أكثر من أربعين عاما، حتى بعد رحيل الأزواج إلى دار البقاء، وانتقالهما إلى أماكن جديدة، بقيت تلك العلاقة وبقي ذلك الوفاء للصُّحُوبيَّة والجُورَة التي صار يضرب بها المثل.

المقربون من فاضْمة وكبورة لديهم تفسير خاص، ربما يكون تفسيرا مقبولا جدا، فكلا المرأتين قدِمتا من مناطق أخرى، واستقرتا في بعض المزارع المحيطة بالدُّوَّارْ، كبورة التحقت بزوجها بعد سنتين من عمله في إحدى مزارع البرتقال العصرية، بينما تأخرت فاضمة والتي تصغر كبورة ببضع سنين وربما عقدا ونيف بحسب رواية كل واحدة منهما، ففاضمة التي تبدو أصغر من سنها، كانت دائما تؤكد أنها لا تتذكر “عامْ البُونْ” الذي تتحدث عنه كبورة باستمرار، وحين تعصر ذاكرتها تشتبه في أنها سمعت به بعد أن عقلت أمور الدنيا، وللتأكيد، تقول بأنها بلغت الحلم حينها، وبدأت معالم أنوثتها تظهر للعيان، ما جعل أسرتها تُحْجبها عن الأنظار كما جرت العادة مع “الطَّفْلاتْ” عندما تصبحن “عَزْبَاتْ”، بينما كبورة لا تشك لحظة أن فارق العمر بينهما لا يزيد عن سنتين أو ثلاث، وحجتها في ذلك أن عبد السلام أول أبناء فاضمة، جاء إلى الدنيا وقد بلغ ابنها البكرُ حميدْ سن التمدرس، صحيح أنه لم يدخل المدرسة بعدُ، لكنه التحق بالكتاب، وبالتالي ففارق العمر لا يعدو أن يكون بضع سنوات، ولا يمكن – في  كل الأحوال- أن يتعدى الست سنوات. وبالقدر الذي تُصر فيه فاضمة على روايتها، ليس هناك من يستطيع أن يقنع كبورة بغير ما تعتقدُه، سواء تعلق الأمر بفارق العمر بينها وبين فاضمة أو بمواليد بعض أطفال القرية أو تواريخ الأعراس، فلديها دائما دليلها وحجتها.

الخلاف حول تواريخ معينة أو مناسبات أو تفاصيل بعض الأحداث، يبدو أمرا تافها، لكنه في هذا العالم البسيط يمكن أن يسبب خلافٌ من هذا النوع خصومةً مستدامةً، أو جفاءً على أقل تقدير، وهذا هو الغالب.

إلا أن حالة فاضمة مع كبورة حالة فريدة، فالاختلاف بينهما لا يقتصر على المواليد وبعض المناسبات، بل يشمل كل تفاصيل الحياة، وكبورة التي تتحول الى امرأة شرسة في خصومتها كلما أثيرت مسالة خلافية، تكون طبيعتها ميالة الى الهدوء والمهادنة مع فاضمة، بل إنها غالبا ما تسمح لها بفرض سرديتها. نساء الدوار لاحظن هذه المسألة، في البداية اعتقدت بعضهن أن فاضمة “سِحْرْ اجْبَالْ” وسحرت كبورة، وتحولت القصة الى نوع من التهكم، يحدث غالبا من وراء ظهرها، فلِكَبُّورَة مكانتها الخاصة وميزتها بين أهل الدوار، ويعود الأمر في ذلك إلى شجاعتها التي قلما تتمتع بها النساء القرويات، واللائي ينصعن بسهولة لكلمة الزوج، ولا يتجرأن على ردِّ الكلام.

كبورة التي عاشت وحيدة بين إخوتها الذكور، تمتعت بكثير من الحرية منذ نعومة أظافرها، وكان والدها يصحبها معه في لقاءاته مع الرجال، وحين يذهب الى المرعى أو “النَّاعُورة” كانت كبورة ترافقه في كل خطواته، ما أكسبها جرأة كبيرة في الحديث مع الكبار وخصوصا الرجال. ومع الوقت تحولت الى امرأة لها مقامها وخصوصيتها بين النساء، ثم جاء عنصر آخر عزز هذه الخصوصية، كونها قادمة من منطقة بعيدة، وليست لها أية علاقات قرابة أو صداقة ورثتها أو انتقلت اليها من أسرتها، فاستطاعت أن تؤسس علاقات صداقة دون تحفظ ودون اعتبار لتلك التوازنات التي يحرص عليها البدو في بناء علاقاتهم.

كانت امرأة متحررة الى حد بعيد، لكن العنصر الذي أكسبها قوة أكبر هو علاقاتها بالفْرَانْسَوِيَّات، ففي موسم الصيف أو العُطل، يتوافد عدد من الفرانسويين على المزرعة، مصحوبين بنسائهم وبعض الأطفال، وتتحول كبورة الى شخص آخر تماما، فتقوم بالتنزه معهن، وتقودهن في جولات لتُطلعهن على حياة القروين. وأن تصاحب الفرانسويات في تلك الحقبة كان ميزة كبيرة تمنح الشخص مهابة خاصة في عيون البسطاء، وما بالك لو كان الشخص امرأةً.

في تلك المواسم والزيارات تتحول كبورة الى “قائدة” وشخصية عامة مُهَابة، خصوصا عند العمالِ وزوجات العمال، فسلطتها تسري من خلالهم الى زوجاتهم في البيوت، فحين يروح العمال الى بيوتهم تبدأ السرديات والحكايات حول مغامرات كبورة مع الفرانساويات، وكيف أنها تفهم كلامهم، وكيف يضحكن كلما نطقت بكلمة. يستغرب الرجال كيف ومتى تعلمت “هادْ العَفْرِيتَا” المكتنزة التحدث الى الفرنسيين؟ وماذا تقول لهم؟ وعن أي شيء تحدثهم حينما تتعالى ضحكاتهم وتملأ فضاء المزرعة والدوار؟

 

روائي من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً